كيف تحول بريطانيا ودول الخليج اتفاق التجارة إلى مكاسب حقيقية؟https://www.majalla.com/node/331202/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%A8-%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9%D8%9F
كيف تحول بريطانيا ودول الخليج اتفاق التجارة إلى مكاسب حقيقية؟
يَعِد الاتفاق بتوسيع التجارة والخدمات والاستثمارات، لكن التعقيدات التنظيمية قد تحدّ من العوائد الفعلية
أ.ف.ب
وزير الدولة البريطاني للتجارة كريس براينت (وسط يسار) والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي (وسط يمين) يلتقطان صورة عقب مشاركتهما في مراسم توقيع في داونينغ ستريت بلندن، في 20 مايو 2026
كيف تحول بريطانيا ودول الخليج اتفاق التجارة إلى مكاسب حقيقية؟
يُنظر إلى اتفاق التجارة الحرة الذي وُقِّع بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي يوم الأربعاء 20 مايو/أيار الجاري باعتباره أحد أبرز المكاسب التجارية التي سعت بريطانيا إلى تحقيقها في مرحلة ما بعد "بريكست".
على المستوى السياسي، تبدو رمزية الاتفاق جلية. فبريطانيا تستطيع أن تتحدث عن اتفاق تجاري ذي وزن مع واحدة من أسرع المناطق نموا اقتصاديا في العالم، على الرغم من أن الحرب على إيران ألقت بظلالها على الثقة في المدى القصير. في المقابل، تستطيع دول الخليج أن تبرز ثقة متنامية ومرونة أكبر بوصفها لاعبا في التجارة العالمية.
وقال وزير التجارة البريطاني بيتر كايل: "في وقت تتزايد فيه حالة عدم الاستقرار، يبعث إعلان اليوم إشارة واضحة الى الثقة، ويمنح المصدّرين البريطانيين اليقين الذي يحتاجونه للتخطيط للمستقبل".
واعتبرت الحكومة البريطانية أن الاتفاق سيضيف على المدى الطويل نحو 3.7 مليارات جنيه إسترليني (4.96 مليارات دولار) سنويا إلى الاقتصاد البريطاني على المدى الطويل، مقارنة بتقديرات عام 2040، أي أكثر من ضعف التقديرات السابقة البالغة 1.6 مليار جنيه إسترليني (2.15 مليار دولار)، وذلك لأن الصيغة النهائية للاتفاق ذهبت أبعد من المتوقع في تحرير التجارة وتعزيز الالتزامات المتعلقة بقطاع الخدمات.
مكاسب اقتصادية... محدودة
يفتح الاتفاق الباب أمام فرص واضحة. فالاتفاق ينص على إلغاء 93 في المئة من الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات البريطانية إلى دول مجلس التعاون الخليجي، بما يوفر إعفاءات تُقدَّر بنحو 580 مليون جنيه إسترليني (نحو 780 مليون دولار أميركي) خلال السنوات العشر الأولى، فيما يبدأ رفع نحو ثلثي هذه الرسوم فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
يُعد مجلس التعاون الخليجي، باقتصاد يبلغ حجمه نحو 1.9 تريليون جنيه إسترليني، إحدى أبرز الأسواق الاستيرادية عالميا بقيمة تقارب 1.04 تريليون دولار، مع توقعات بأن يتضاعف حجمها الحقيقي تقريبا في حلول عام 2050. وترى بريطانيا أن اتفاق التجارة الحرة مع دول الخليج قد يخلق زيادة على مستوى الأجور الحقيقية بنحو 1.9 مليار جنيه سنويا، بما يفتح فرصا جديدة للشركات والعمال في مختلف أنحاء المملكة المتحدة.
"في وقت تتزايد فيه حالة عدم الاستقرار، يبعث إعلان اليوم إشارة واضحة الى الثقة، ويمنح المصدّرين البريطانيين اليقين الذي يحتاجونه للتخطيط للمستقبل"
وزير التجارة البريطاني بيتر كايل
تبلغ قيمة التبادل التجاري الحالي بين بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي نحو 53 مليار جنيه إسترليني، وفق بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، فيما يُتوقع أن ترتفع التجارة الثنائية بنسبة تقارب 20 في المئة، مما قد يضيف نحو 15.5 مليار جنيه إسترليني سنويا إلى حجم التجارة بين الجانبين على المدى البعيد.
تتمتع الشركات البريطانية بموقع قوي في قطاعات تضعها حكومات الخليج في صدارة أجندات التنويع الاقتصادي، ومن بينها الخدمات المالية، وتحولات قطاع الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتصنيع المتقدم، والبنية التحتية الرقمية. ولا تزال الأسواق المالية في لندن، إلى جانب نظامها القانوني وخبرتها التنظيمية، عناصر جذب مهمة للمستثمرين الخليجيين، في وقت تمضي فيه دول مثل السعودية والإمارات في تنفيذ برامج طموحة للتحول الاقتصادي.
لكن الزخم السياسي المصاحب للاتفاق قد يحجب حقيقة أكثر تعقيدا، وهي أن اعلان اتفاقات التجارة أسهل بكثير من تحويلها إلى واقع عملي.
الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي يلتقي مسؤولين بريطانيين بينهم بيتر كايل وكريس براينت وهاميش فالكونر لدى وصوله إلى داونينغ ستريت في لندن، 20 مايو 2026
وتظل المكاسب الاقتصادية المتوقعة محدودة. فقد ربطت الحكومة البريطانية اتفاقها مع مجلس التعاون الخليجي باتفاقها التجاري الذي أبرمته حديثا مع الهند، معتبرة أن الاتفاقين معا قد يضيفان نحو 8.5 مليارات جنيه إسترليني سنويا إلى الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة في حلول عام 2040. وبالنسبة إلى اقتصاد بحجم الاقتصاد البريطاني، يحمل هذا الرقم قيمة سياسية، لكنه يبقى محدود الأثر اقتصاديا.
ويعود ذلك جزئيا إلى أن الرسوم الجمركية لم تكن، في الأصل، العقبة الكبرى أمام التجارة بين المملكة المتحدة والخليج. فمتوسط التعريفات الجمركية في دول الخليج منخفض بالفعل، وغالبا ما يدور حول 5 في المئة بالنسبة إلى كثير من السلع.
ربطت بريطانيا اتفاقها مع الخليج باتفاقها الأخير مع الهند، معتبرة أن الاتفاقين قد يضيفان 8.5 مليارات جنيه إسترليني سنوياً إلى اقتصادها في حلول 2040، في مكسب يحمل أهمية سياسية أكبر من تأثيره الاقتصادي الفعلي
أما التحديات الأهم فتظهر في مواضع أخرى، مثل أنظمة الترخيص، ومتطلبات المعايير والمواصفات، والإجراءات الجمركية، وقواعد المحتوى المحلي، وتفاوت اللوائح الوطنية بين الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في حالة شركات الخدمات البريطانية، التي تقع في قلب المصالح التجارية للمملكة المتحدة في الخليج. فالخدمات المالية، والاستشارات، والأعمال القانونية الاستشارية، والهندسة، والتكنولوجيا، تعتمد إلى حد كبير على مدى سماح الأطر التنظيمية المحلية لها بالعمل، وعلى ظروف التشغيل داخل كل دولة. ولا تزال هذه المجالات حساسة سياسيا في أنحاء الخليج، لأنها تمس مباشرة قضايا السيادة، وأسواق العمل، والأولويات الاقتصادية الداخلية. وقد ورد في ملخص الاتفاق البريطاني–الخليجي أن قطاعات الخدمات، مثل الخدمات المالية والقانونية والهندسية والاتصالات، ستستفيد أساسا من "ضمانات" تنظيمية ومنع فرض قيود مستقبلية، وليس من تحرير كامل وموحد للأسواق، مما يعني استمرار اعتمادها على الأنظمة المحلية لكل دولة خليجية.
وقد يوفر الاتفاق إطارا على مستوى مجلس التعاون الخليجي، لكن تنفيذه سيظل معتمدا بدرجة كبيرة على الحكومات الوطنية. وهناك، على الأرجح، ستبدأ التعقيدات في الظهور. فكثيرا ما يقدَّم الاتحاد الجمركي لمجلس التعاون الخليجي القائم منذ عام 2003، بوصفه دليلا على التكامل الإقليمي. ومن الناحية النظرية، يكفي أن تنهي السلع إجراءات التخليص الجمركي في أي دولة من دول المجلس كي تنتقل بعد ذلك بحرية داخل دول المجلس. غير أن الواقع أكثر تعقيدا، فالنظام لا يزال متفاوتا بين دولة وأخرى، وبعيدا عن الانسياب الكامل.
علاوة على ذلك، ما زالت أنظمة ضريبة القيمة المضافة متباينة بين الدول الأعضاء، كما تتفاوت متطلبات الوثائق، ولا تُطبَّق الرقابة الحدودية بالمستوى نفسه من الاتساق في مختلف أنحاء التكتل. ولا تزال قطاعات مثل الأدوية والمنتجات الغذائية ومعدات الاتصالات رهينة موافقات وطنية وإجراءات تفتيش منفصلة. وفي الوقت نفسه، تظل السلع الحساسة، ومنها المرتبطة بالدفاع أو ذات الاستخدام المزدوج، والصلب والألمنيوم وغيرها، تواجه قيودا متفاوتة، بينما تتباين القدرات الإدارية بين دول المجلس.
وتبرز هذه العقبات العملية في ضوء الأهداف الطموحة التي يضعها الاتفاق للتنفيذ. فقد تبدو فكرة الإسهام في تخليص السلع خلال 48 ساعة، والمنتجات القابلة للتلف خلال ست ساعات، مغرية من منظور تجاري. غير أن قدرة الدول الست جميعها على الوفاء بهذه المعايير بصورة مستمرة أمر ضروري، ولا سيما في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، اضافة إلى أهمية توحيد اللوائح على نحو كامل عبر التكتل، كي لا تفضي النتيجة إلى تنفيذ أبطأ وأكثر تعثرا مما توحي به الرسائل السياسية الراهنة.
كيق تؤثر الجغرافيا السياسية في المشهد؟
جاء التوصل إلى الاتفاق في ظل تجدد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، واستمرار القلق في شأن أمن الملاحة في الخليج. وإذا بقي مضيق هرمز عرضة للتعطيل، فلن يكون لخفوضات الرسوم الجمركية أثر كبير ما لم تستند إلى طرق نقل موثوق بها وآمنة. وحتى إذا انتظمت حركة الشحن مجددا، فإن احتمال عودة التصعيد قد يبقي تكاليف النقل وأقساط التأمين مرتفعة لفترة طويلة.
وقد تتمكن الشركات المتعددة الجنسيات من استيعاب هذه التكاليف، لكن المصدّرين البريطانيين الأصغر حجما غالبا لا يملكون القدر نفسه من المرونة. وبالنسبة إلى كثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تفكر في دخول أسواق الخليج، قد يكون عدم اليقين اللوجستي وارتفاع تكلفة النقل أشد وقعا من خفوضات الرسوم الجمركية نفسها. ويذكر الاتفاق صراحة أنه سيسهّل على الشركات البريطانية، بما فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة، توسيع أعمالها بصورة أكبر. ويعزّز الاتفاق استراتيجيا "دعم أعمالكم" الخاصة بنمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال فتح فرص جديدة أمام الشركات البريطانية الأصغر حجما للتوسع والمنافسة عالميا. بالإضافة إلى أنه سيسهم في إزالة العوائق أمام التجارة الرقمية، ودعم الابتكار، وضمان قدرة الشركات البريطانية، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، على ممارسة التجارة عبر الحدود بكفاءة وأمان أكبر.
مشهد عام لمصفاة رأس تنورة النفطية ومحطة تصدير النفط التابعة لشركة "أرامكو" في السعودية، 21 مايو 2018
هل تناول الاتفاق ملفات سياسية؟
يظل السؤال مطروحا حول ما إذا كانت بعض الملفات السياسية الشائكة قد عولجت فعلا في صلب المفاوضات، أم رُحّلت إلى مراحل لاحقة حتى يرى الاتفاق النور. فمحادثات مجلس التعاون الخليجي مع شركاء خارجيين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، تعثرت مرارا عند قضايا مثل الحواجز التنظيمية، ومعايير العمل، وسياسات المناخ وأمور أخرى. ومع ذلك، يرى المفاوضون البريطانيون أن الاتفاق الجديد يحقق تقدما في بعض هذه الملفات يتجاوز ما ورد في أي اتفاق تجاري سابق لمجلس التعاون الخليجي، فضلا عن كونه تجاوز معضلة تقنية شائكة، هي جمع ستة اقتصادات خليجية مختلفة داخل إطار واحد.
ولا ينتقص ذلك كله من أهمية الاتفاق. فهو يشير إلى أن مجلس التعاون الخليجي أصبح أكثر استعدادا للبحث عن ترتيبات تجارية ثنائية ومرنة، بدلا من انتظار مسارات تفاوضية أبطأ مع تكتلات أكبر مثل الاتحاد الأوروبي.
أما بالنسبة إلى المملكة المتحدة، فيندرج الاتفاق ضمن مسعى أوسع لترسيخ علاقات تجارية وسياسية واضحة خارج الإطار الأوروبي. ويكتسب توقيته دلالة خاصة، إذ يقدم بريطانيا بوصفها شريكا طويل الأمد وموثوقا به لدول الخليج، ولا سيما في ظل ما تتعرض له من ضغوط.
مع ذلك، تبقى الفجوة بين توقيع الاتفاق وتحقيق وعوده الاقتصادية كبيرة. فنجاحه لن يقاس بما يعلنه من خفوضات جمركية لافتة، بل بقدرة الطرفين على إنجاز ما هو أصعب، وهو مواءمة اللوائح، وتنفيذ الالتزامات على مراحل، والحفاظ على قدر كاف من الاستقرار الإقليمي خلال العقد المقبل.