دول الخليج… الردع الذاتي وتنويع الشراكات

أزمة الردع الأميركي في الشرق الأوسط لم تعد مجرد أزمة في إيصال الرسائل أو اختلاف في النبرة، بل تحولت إلى أزمة ثقة بنيوية تتعلق بالقدرة على التوقع والتنسيق المستمر

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أعلام دول مجلس التعاون الخليجي

دول الخليج… الردع الذاتي وتنويع الشراكات

لم تعد المعضلة الأمنية والجيوسياسية في الشرق الأوسط محصورة في درجة تشدد صناع القرار في واشنطن أو مرونتهم تجاه ملفات المنطقة، بل باتت تثير سؤالا أعمق يتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على الاضطلاع بدور الشريك الاستراتيجي الموثوق على المدى الطويل. وفي هذا السياق، لا تبدو التحديات التي تواجهها دول الخليج مجرد اختلافات تكتيكية بين الإدارات الأميركية المتعاقبة، بقدر ما تتعلق بمصداقية الردع ذاته.

التراجع يجعل الالتزامات الأميركية أقل وضوحا وأكثر تأثرا باعتبارات السياسة الداخلية والتجاذبات الحزبية في اتساع نطاق التهديدات غير التقليدية التي تطال البنية التحتية الحيوية، وقطاعات الطاقة والاقتصاد، والممرات المائية الاستراتيجية. ومعها تجد دول الخليج نفسها أمام ضرورة مراجعة مقاربتها الأمنية بما يتجاوز الاعتماد الرئيس على المظلة الأميركية التقليدية، وبما يفتح المجال أمام قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.

من التباين إلى الانهيار البنيوي

على مدى عقود طويلة، اعتاد صناع القرار في العواصم الخليجية التعامل مع تذبذب السياسة الأميركية بوصفه أمرا طبيعيا يمكن احتواؤه عبر قنوات الحوار الدبلوماسي والتنسيق الأمني والعسكري المستمر. وكانت العلاقة، في جوهرها، تقوم على أساس مؤسسي يمنح قدرا معقولا من الموثوقية وقابلية التوقع.

غير أن ما يجري اليوم في أروقة صنع القرار الأميركي يتجاوز مجرد اختلاف الأولويات بين الإدارات المتعاقبة، لأنه يمس أصل الفكرة التي تقوم عليها الثقة في العلاقات الدولية، وهي قابلية التنبؤ. فمن منظور علم الاجتماع السياسي، وتحديدا في إطار التحليل الفيبري (نسبة إلى ماكس فيبر) لعقلانية الدولة والمؤسسات، لا يستقيم استقرار التحالفات إلا بوجود نسق مؤسسي واضح يمكن توقع مخرجاته.

تقرأ العواصم الخليجية اليوم كثيرا من التحولات والقرارات الأميركية باعتبارها انعكاسا مباشرا لضغوط سياسية واجتماعية داخلية، أكثر من كونها خطوات نابعة من رؤية استراتيجية للأمن القومي الأميركي

وعندما تصبح الرسائل الأميركية متناقضة، وتبدو التحركات الدبلوماسية غير منسقة مع الحلفاء الإقليميين، وتصبح الوعود الاستراتيجية عرضة للمراجعة السريعة أو التراجع المفاجئ، يتحول الردع من أداة استراتيجية ذات أثر عملي إلى خطاب سياسي يفقد رصيده الميداني. وهذا الانهيار البنيوي في منظومة الثقة لم يحدث دفعة واحدة، بل جاء نتيجة تراكمات من التردد الاستراتيجي، دفعت الحلفاء إلى التساؤل بجدية عن جدوى التحالفات التقليدية في لحظات الأزمات الوجودية.

رويترز
خزانات نفط تابعة لشركة "أرامكو" السعودية في بقيق، المملكة العربية السعودية، 12 أكتوبر 2019

الداخل الأميركي يطغى على الإقليم

تقرأ العواصم الخليجية اليوم كثيرا من التحولات والقرارات الأميركية باعتبارها انعكاسا مباشرا لضغوط سياسية واجتماعية داخلية، أكثر من كونها خطوات نابعة من رؤية استراتيجية واضحة وثابتة للأمن القومي الأميركي. ويعزز هذا القلق شعورٌ متنام بأن السياسة الخارجية الأميركية لم تعد شأنا سياديا تقوده المؤسسات الرصينة، بقدر ما باتت أداة للتعبئة الحزبية والمزايدة الانتخابية. ومن هنا يتصاعد التوجس من أن ملف الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط لم يعد- في ذاته- غاية استراتيجية مرتبطة بالمصالح الأميركية العليا، بل تحول إلى ورقة مساومة في الصراع المحتدم بين الديمقراطيين والجمهوريين، بما يضع القضايا الوجودية للمنطقة في قلب حسابات آنية لا تراعي أفق الاستقرار الطويل.

أظهر التصعيد العسكري الأميركي-الإسرائيلي مع إيران منذ نهاية فبراير 2026، وما تلاه من ردود إيرانية، كيف تحولت حروب البنية التحتية إلى واقع ميداني

هذا التسييس المفرط للمصالح الاستراتيجية لا يقتصر أثره على إرباك الرسائل الأميركية، بل يهدد أيضا باختزال ملفات شديدة الحساسية، تتصل بأمن الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية، في صفقات سريعة ومحدودة الأثر، هدفها تحقيق تهدئة مؤقتة تخدم الأجندات الانتخابية العاجلة أكثر من خدمة الاستقرار البنيوي للمنطقة والمصالح المرتبطة بها. وقد عززت الأحداث الأخيرة شعورا خليجيا متناميا بأن السياسة الأميركية باتت أكثر تأثرا بالحسابات الداخلية والتجاذبات الحزبية. فالتصعيد وما تلاه من ردود كشفا أن دول الخليج قد تجد نفسها أحيانا في موقع المتأثر الأول، من دون أن تحصل دائما على مستوى التنسيق والحماية المتوقع. ويعمق هذا القلق الانطباع بأن الأمن الإقليمي أصبح يتأثر بإيقاع السياسة الداخلية الأميركية على حساب اعتبارات الاستقرار طويل الأمد.

إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في تغير التكتيكات الدبلوماسية فحسب، بل في القناعة الراسخة بأن واشنطن لم تعد تُدار بمنطق الالتزام المؤسسي القومي، الذي يتجاوز أجندة الأحزاب، الذي ميز عقودا سابقة، بل أصبحت أسيرة لمنطق إدارة الخسائر ومحاولة استرضاء قواعد انتخابية محلية قد لا تدرك، بل وقد لا تكترث، بتعقيدات التوازن الجيوسياسي وضرورات الاستقرار الإقليمي. ومن هذا المنظور، تتحول المظلة الأمنية من إطار ردع صلب ومستقر إلى متغير تابع لتقلبات المزاج السياسي في واشنطن، مما يضع دول المنطقة أمام مراجعة أعمق لفرضياتها الأمنية التقليدية. فحين تتراجع قابلية التوقع، وتتبدل الالتزامات وفق الإيقاع الداخلي الأميركي، تصبح الحاجة إلى بدائل استراتيجية أكثر رسوخا ضرورة لا خيارا، بما يتيح حماية السيادة الوطنية وصيانة المصالح الحيوية بعيدا عن ارتدادات صناديق الاقتراع الأميركية.

رويترز
صورة التقطها قمر صناعي تُظهر طائرات في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالمملكة العربية السعودية في 21 فبراير 2026

حروب البنية التحتية

إن المشهد الإقليمي الراهن لم يعد يشبه بأي حال من الأحوال حروب الأمس التي كانت تعتمد على المواجهات النظامية المباشرة وحشود الجيوش التقليدية. فالتهديد الجيوسياسي اليوم اتخذ شكلا أكثر تعقيدا وخطورة، حيث لا يقتصر على الجبهة العسكرية فحسب، بل يمتد بأذرعه العبثية ليطال الموانئ البحرية، وشبكات الطاقة، والمنشآت الحيوية والاقتصادية، وسلاسل الإمداد العالمية، فضلا عن الفضاء السيبراني الذي بات ساحة حرب مفتوحة ويومية. هذا النوع المتقدم من الحروب غير المتماثلة، والذي تديره غالبا فواعل غير الدولة، مثل الجماعات المسلحة العراقية المرتبطة بطهران التي تستغل السيولة الأمنية وعجز الدولة عن فرض قراراتها المركزية، لا يحتاج إلى احتلال مساحات من الأرض كي يحقق أثره التدميري. بل يكفيه شل عصب الاقتصاد، وإرباك مشاريع التنمية الوطنية، وإضعاف ثقة المستثمرين في استقرار الأسواق، وتعطيل تدفقات الطاقة العالمية.

ولم يعد هذا النوع من التهديدات نظريا أو افتراضيا. فقد أظهر التصعيد العسكري الأميركي-الإسرائيلي مع إيران منذ نهاية فبراير/شباط 2026، وما تلاه من ردود إيرانية، كيف تحولت حروب البنية التحتية إلى واقع ميداني. لقد تعرضت منشآت طاقة وموانئ وبنى تحتية حيوية في دول خليجية لهجمات أو تهديدات مباشرة، مما أدى إلى اضطراب مؤقت في الإنتاج والتصدير، وارتفاع حاد في مستويات المخاطر على أسواق الطاقة العالمية. كما حولت طهران مضيق هرمز إلى سلاح يستهدف الجميع بشكل عطل الملاحة في ممر حيوي يؤثر على اقتصاد العالم بأسره. وهذا ما كشف محدودية الاعتماد الحصري على ردع خارجي بعيد، وأبرز الحاجة الملحة إلى قدرات محلية سريعة الاستجابة.

حين تتبدل مواقف الحليف الأكبر والأقوى بحسب مزاج السياسة الداخلية وتغير الإدارات، يصبح البحث عن شركاء دوليين آخرين، ضرورة حتمية

إن هذه النوعية من الحروب لا تسعى للنصر العسكري التقليدي، بل للاستنزاف الاقتصادي والنفسي المستمر، مما يجعل تأثيرها أعمق وأطول أمدا من المعارك السريعة. من هنا، يصبح التعويل الحصري على استجابة عسكرية تقليدية، محكومة بآليات بيروقراطية بطيئة وحسابات سياسية معقدة، أقل كفاية وفاعلية أمام تهديدات لحظية تتحرك بسرعة أكبر بكثير من الإيقاع المؤسسي في واشنطن. إن أمن البُنى التحتية الحيوية في الخليج بات يتطلب سرعة مبادرة وقدرة على الردع الفوري لا يمكن تفويضها لحليف يبعد آلاف الأميال وتكبله انقساماته الداخلية التي باتت تعلو على مصالحه القومية الاستراتيجية. هذا الواقع يضع دول الخليج أمام ضرورة بناء قدرات محلية سريعة الاستجابة، قادرة على مواجهة الضربات قبل أن تتحول إلى أزمات إقليمية أو عالمية.

الردع الذاتي كخيار واقعي

في ظل هذا التحول الجذري في بنية التهديدات وتراجع الموثوقية الخارجية، تتجه دول مجلس التعاون الخليجي إلى تبني استراتيجية بناء طبقات إضافية من الحماية الذاتية والقدرات السيادية. هذا التوجه لا يأتي بوصفه بديلا كاملا أو إعلانا للقطيعة مع العلاقات التاريخية مع واشنطن، بل ينطلق من اعتباره ضرورة لحماية الاستقرار الوطني والتنموي في عالم يتسم بتصاعد الضبابية والتقلبات الحادة لدى الشريك التاريخي. وهو يعكس قراءة واقعية للتحديات الجديدة، حيث أصبح الردع الذاتي ليس رفاهية، بل بات شرطا استراتيجيا أساسيا للحفاظ على السيادة في زمن الحروب غير المتماثلة والتهديدات العابرة للحدود.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة دول الخليج خلال اجتماع حضره مع قادة مجلس التعاون الخليجي في الرياض في 14 مايو 2025

وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في التحركات الخليجية السريعة خلال الأزمة الراهنة. إذ سارعت دول مجلس التعاون الخليجي، بقيادة الرياض، إلى تعزيز التنسيق الأمني المشترك داخل مجلس التعاون، وتوسيع برامج توطين الصناعات الدفاعية، ورفع الجاهزية العملياتية لحماية المنشآت الحيوية. بالتالي، فإن هذه الخطوات مبادرة ضرورية للحماية الذاتية التي تضمن استمرارية التنمية والمشاريع الكبرى، وفي مقدمتها "رؤية 2030".

ويشمل مسار الردع الذاتي تجاه إيران- أو غيرها من القوى الإقليمية المناوئة- خطوات عملية متسارعة وواسعة النطاق، مثل تعزيز منظومات الدفاع الجوي المتكاملة، وتطوير القدرات الاستخباراتية الاستباقية، وتكثيف الاستثمار الاقتصادي والبشري في قطاع الأمن السيبراني، وحماية المرافق الحيوية بمنظومات مراقبة متطورة، بالإضافة إلى رفع الجاهزية العملياتية لمواجهة الضربات والتهديدات غير التقليدية. إن هذا البناء لا يمثل نزوعا نحو الانعزال عن المنظومة الدولية، بل إعادة توزيع مدروسة لضرورات التحديات الأمنية بين الاعتماد على الشريك الخارجي وبين تنمية القدرة المحلية الصلبة والمستقلة. وهو ينسجم تماما مع متطلبات حماية المشاريع التنموية العملاقة، مثل "رؤية 2030"، التي تتطلب بيئة إقليمية خالية من الاختراقات الأمنية، وقادرة على فرض هيبة الدولة بقواها الذاتية واحتكارها الفعلي لأدوات القوة، مما يضمن استمرارية مسار التنويع الاقتصادي والتحول الهيكلي بعيدا عن تقلبات التحالفات الخارجية.

تنويع الشراكات

إن التحول الاستراتيجي نحو تنويع الشراكات الدولية لا يمثل خطوة دبلوماسية مؤقتة، ولا مجرد رسالة سياسية عابرة يُراد بها مناكفة حليف تقليدي، بل هو ترجمة عملية دقيقة لوعي خليجي متجدد وعميق بمخاطر الاعتماد المفرط على طرف دولي واحد، مهما بلغ من حجم وتأثير. فحين تتبدل مواقف الحليف الأكبر والأقوى بحسب مزاج السياسة الداخلية وتغير الإدارات، يصبح البحث عن شركاء دوليين آخرين، يمتلكون الموثوقية والقدرة في مجالات الأمن والتقنية المتقدمة والاستثمار المشترك وأمن الطاقة، ليس مجرد خيار منطقي، بل ضرورة حتمية لضمان الاستمرارية الاستراتيجية في مواجهة التقلبات غير المتوقعة.

ما نشهده اليوم على الساحة الخليجية ليس مجرد إعادة تموضع تكتيكي عابر تفرضه ظروف مرحلية، بل خطوة مدروسة نحو تعزيز الأمن القومي الخليجي على أسس أكثر تنوعا وفعالية

يشمل هذا التوجه تعميق العلاقات مع قوى عالمية صاعدة وأخرى فاعلة، وفق مبدأ تبادل المصالح والبرغماتية السياسية التي لا تخضع لابتزازات المواقف الأيديولوجية. ويتجلى هذا التنويع في تعميق العلاقات مع قوى دولية متعددة في مجالات الدفاع والتقنية والاستثمار، مع الحرص على البرغماتية والمصالح المشتركة. وقد أكدت الأزمة الأخيرة أهمية هذا المسار، إذ برزت الوساطة والتحرك الدبلوماسي الخليجي كجزء أساسي من مقاربة تُعزز المرونة الاستراتيجية في مواجهة التحديات الإقليمية المتعددة. وفي جوهره، لا يسعى هذا التنويع إلى إحداث قطيعة، بل إلى تعزيز الخيارات الاستراتيجية المتاحة وضمان الاستمرارية في مواجهة التحديات المتعددة.

ماذا بعد؟

الخلاصة المستفادة من المشهد الراهن أن أزمة الردع الأميركي في الشرق الأوسط لم تعد مجرد أزمة في إيصال الرسائل أو اختلاف في النبرة، بل تحولت إلى أزمة ثقة بنيوية تتعلق بالقدرة على التوقع والتنسيق المستمر. وقد أكدت أحداث 2026 أن القوى العظمى لا تصنع ردعا فعالا إذا فقدت الاتساق مع حلفائها أو عجزت عن حماية مسارات التجارة والبنية التحتية الحيوية. فالقوة العسكرية والاقتصادية العظمى، مهما بلغت، لا تستطيع أن تصنع ردعا حقيقيا وفعالا إذا فقدت إرادتها السياسية وقدرتها على الإقناع، ولا يُمكنها أن تحافظ على تماسك أي تحالف استراتيجي إذا أصبحت التزاماتها الدولية رهينة للتقلبات والتجاذبات الداخلية الضيقة المبنية على صراعات محصورة في سياساتها الداخلية دون أخذ الشراكات الاستراتيجية مع الحلفاء في الاعتبار.

رويترز
الغواصة "يو إس إس فلوريدا" (SSGN 728) تعبر قناة السويس في مصر، في طريقها لدعم الأسطول الخامس الأميركي المتمركز في البحرين، في 7 أبريل 2023

ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم على الساحة الخليجية ليس مجرد إعادة تموضع تكتيكي عابر تفرضه ظروف مرحلية، بل خطوة مدروسة نحو مرحلة تاريخية جديدة تتجه فيها دول المنطقة إلى تعزيز أمنها القومي والإقليمي على أسس أكثر تنوعا وفعالية، مُكملة مسار الشراكات الاستراتيجية المتعددة.

لقد بدأت مرحلة جديدة تجمع بين تعزيز القدرات الذاتية والشراكات المتعددة التي تعزز المصالح المشتركة مع الحلفاء. ويُمثل هذا المسار الاستراتيجي الأكثر شمولا لضمان حماية المكتسبات الوطنية وتأمين مستقبل التنمية في إقليم يتطلب القوة والمبادرة والعمل المؤسسي الرصين.

font change

مقالات ذات صلة