الخليج بعد حرب بلا جبهات

الخليج بعد حرب بلا جبهات

استمع إلى المقال دقيقة

لم يكن الأمن الخليجي في يوم من الأيام مسألة ظرفية تناقش عند اشتداد الأزمات ثم تترك، بل كان له الاهتمام الأكبر لدى القيادات العليا. فهو إطار دائم تبنى عليه السياسات وتقاس به الخيارات. ما كشفته الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران هو أن التهديدات التي تواجه المنطقة لم تعد تقف عند حدود دولة بعينها من دول الخليج، بل تتجاوزها لتصيب المجال الخليجي ككل، اقتصاديا وأمنيا وسياسيا. ولهذا فإن الحديث عن أمن منفصل لكل دولة ليس واقعيا، لأن المخاطر باتت مترابطة، وما يصيب طرفا ينعكس على الجميع بدرجات مختلفة. من هنا تبرز ضرورة توحيد الصفوف، لا بوصفها شعارا سياسيا، بل باعتبارها خيارا استراتيجيا تفرضه طبيعة المرحلة.

هذا التوحيد لا يعني إلغاء الاختلافات، فدول الخليج ليست نسخة واحدة، لكل منها أولوياتها وحساباتها الخاصة. لكن التجربة أثبتت أن إدارة الاختلاف داخل إطار مشترك أقوى من تركه يتحول إلى تباين يضعف الموقف الجماعي. التنسيق الأمني، وتكامل القدرات الدفاعية، وتبادل المعلومات، كلها أدوات تحول التعدد إلى قوة، لا إلى نقطة ضعف. وفي زمن تتداخل فيه التهديدات بين العسكري والاقتصادي والتقني، يصبح العمل الجماعي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

كما أن توحيد الصفوف يمنح الخليج قدرة أكبر على فرض توازن مستقر في المنطقة. فالقوة لم تعد تقاس فقط بما تملكه الدولة منفردة، بل بقدرتها على العمل ضمن منظومة متماسكة. وهذا لا يلغي الشراكات الدولية، لكنه يعيد ترتيبها، بحيث تقوم على أساس قوة داخلية متماسكة، لا على حاجة مؤقتة. في هذا الإطار، يصبح الأمن الخليجي مشروعا مشتركا، تبنى فيه الثقة تدريجيا، وتدار فيه الخلافات بعقلانية، دون أن تتحول إلى عائق أمام الهدف الأكبر، وهو حماية الاستقرار وصيانة القرار.

وسط ما يقال عن الحرب وتداعياتها، تتضح حقيقة مغايرة، أن الخليج لم يعد كما كان قبل الحرب، بل أصبح أكثر قدرة على حماية نفسه وصياغة توازنه بيده. لم يكن ما جرى مجرد اختبار عابر، بل لحظة كشفت تحولا عميقا في بنية القوة، من الاعتماد إلى الاستقلال، ومن رد الفعل إلى المبادرة.

لم يكن ما جرى مجرد اختبار عابر، بل لحظة كشفت تحولا عميقا في بنية القوة، من الاعتماد إلى الاستقلال، ومن رد الفعل إلى المبادرة

العدوان الإيراني لم يضعف الخليج كما توقع البعض، بل أظهر أن دوله دخلت مرحلة جديدة من النضج الاستراتيجي. لم يعد الأمن يفهم بوصفه حماية تستورد من الخارج، بل مشروع يبنى من الداخل. نحن نمر بمرحلة تحول مذهلة وهذا التحول لم يبق في حدود الخطاب، بل ظهر في تطوير القدرات العسكرية، وتعزيز منظومات الدفاع، وتوسيع نطاق العمل الاستخباراتي والتقني.

في مقدمة هذا التحول، تبرز السعودية التي لم تعد تتعامل مع التهديدات بوصفها أحداثا طارئة، بل كمعادلة دائمة تحتاج إلى إدارة واعية. التطور في القوة الجوية، وفي أنظمة الدعم والاستطلاع، منح السعودية ودول الخليج قدرة ردع متقدمة. لكن هذه القوة لا تستخدم بمنطق الحسم السريع أو المغامرة، بل بمنطق السيطرة على إيقاع الصراع وتقليل كلفته.

هكذا يفكر السعوديون والخليجيون، يفكرون في تقليل خسائر الحرب، بينما يفكر أعداؤهم بمنطق يقارب منطق شمشون، وهذا هو الفرق بين الدول الحية والدول الميتة.

أي مواجهة مع إيران، مهما كان ميزان القوة فيها، ستظل معقدة، بحكم الجغرافيا، وكثافة الدفاعات، وقدرة الأطراف على إطالة أمد النزاع. ولهذا فإن الاستراتيجية السعودية/الخليجية لا تقوم على السعي إلى معركة كبرى، بل على منعها. الردع هنا ليس استعدادا للحرب فقط، بل وسيلة لتجنبها، وتقليص خسائرها إن وقعت.

وفي الوقت نفسه، تواجه إيران لحظة ضغط غير مسبوقة. ليس مستبعدا أن تصل إلى ما يمكن تسميته "استسلاما سياسيا"، أي القبول بإعادة ضبط دورها الإقليمي تحت ضغط عسكري واقتصادي متزامن. لكن هذا التحول، إن حدث، فلن يلغي حضورها بالكامل، لأن شبكات النفوذ التي بنتها ستبقى، وإن تغير دورها أو إيقاعها. وعلى كل حال، يجب الاستعداد لأي صورة جديدة ستخرج بها، وأن نعلم أنها ستبقى عدوانية ما بقي نظامها العقائدي القائم على الكراهية المذهبية.

الرهان الخليجي سيكون مختلفا هذه المرة. لم يعد قائما على ضعف الخصم، بل على قوة الذات. فالأمن لم يعد عسكريا فقط، بل اقتصادي وتقني أيضا. القدرة على إدارة الموارد، وحماية الاستقرار الداخلي، وضبط التدفقات المالية، أصبحت جزءا من معادلة الردع، لا مجرد عناصر مساندة.

في عالم سريع التغير، يبقى الثابت أن من يملك قراره، يملك قدرته على حماية نفسه

دور الولايات المتحدة بدورها يتغير. لم يعد ضمانة مطلقة، بل شريك في توازن أوسع. وهذا يعزز استقلال القرار الخليجي، لأن الشراكة الحقيقية لا تقوم إلا بين أطراف تمتلك أدواتها.

أما العراق، فيبقى ساحة اختبار حساسة. فإذا استمر فيه نفوذ الميليشيات، سيظل مصدر تهديد غير مباشر. وإذا استعاد توازنه، سيشكل عمقا استراتيجيا جديدا للخليج. لكن في كل الأحوال، لم يعد الخليج ينتظر ما سيحدث، بل يستعد لكل ما يمكن أن يحدث.

الخلاصة أن الخليج بعد الحرب لم يخرج من مواجهة فقط، بل دخل مرحلة مختلفة، مرحلة الحرب بلا جبهات. مرحلة تبنى فيها القوة بهدوء، ويصاغ فيها القرار بثقة. لم يعد الأمن وعدا خارجيا، بل واقع داخلي يتشكل. وفي عالم سريع التغير، يبقى الثابت أن من يملك قراره، يملك قدرته على حماية نفسه.

font change