انكشاف الخليجيين على إمكاناتهم

انكشاف الخليجيين على إمكاناتهم

في فلسفة هايدغر، لا يعني "الانكشاف" مجرد ظهور الأشياء، بل هو خروج ما كان مستترا إلى حيز الحضور. الحقيقة ليست معطى ثابتا، بل ما ينكشف في لحظة معينة، خاصة في أزمنة الخطر. حين تهتز المسلمات، لا يتغير الواقع بقدر ما يتغير وعينا به. ما كان يعمل في الظل يظهر فجأة، لا بوصفه جديدا، بل بوصفه انكشاف.

بهذا المعنى، يمكن قراءة ما يعيشه خليجنا العربي في ظل الاعتداءات والهجمات الإيرانية. لم تعد الصواريخ والطائرات المسيرة مجرد أخبار عابرة، بل تحولت إلى تجربة معاشة، ترى آثارها وتقاس نتائجها. ولم يعد الدفاع مفهوما نظريا، بل أصبح فعلا مرئيا. خلال هذه المواجهات، نجحت أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض عدد كبير من الصواريخ والمسيرات قبل وصولها إلى أهدافها، وهو ما كشف عن قدرة تشغيلية حقيقية، لا مجرد امتلاك للتقنية الحديثة. وهنا يتضح أن ما انكشف مما كان كامنا من إمكانات لم تكن لترى إلا حين وضعت موضع الاختبار، إمكانات لم تكن حاضرة في الوعي. ولعل أكثر ما انكشف في هذه اللحظة هو الطيران الخليجي بوصفه أحد أعمدة الحماية الفعلية وعامل مهم من منظومة ردع واعتراض متكاملة. وهنا لم يعد السؤال: من يحمينا؟ بل: كيف نحمي أنفسنا بما نملك من إمكانات؟

ومن جهة أخرى، كشفت هذه الأحداث طبيعة العلاقات مع العالم. في أزمنة الاستقرار، تبدو التحالفات ثابتة، لكن في أزمنة التوتر تختبر، وتظهر بوصفها توازنات مصالح لا روابط مطلقة. هذا لا يعني بالضرورة خيانة، بل يعني أن السياسة تدار بمنطق مختلف عن الخطاب الأخلاقي البسيط. وهنا ينضج الوعي، حين ينتقل من الحكم الانفعالي إلى الفهم المركب. كما أن هذا الوعي الجديد لا يلغي قيمة الشراكات، بل يعيد تعريفها، من اعتماد صامت إلى تعاون واع يقوم على تقدير الذات ومعرفة موقعها ضمن شبكة من الإمكانات المتبادلة.

وهذا الانتقال من الرمزي إلى العملي يخلق وعيا أكثر واقعية، يوازن بين الثقة والحذر ويمنع الانزلاق إلى أوهام التفوق أو إلى مشاعر العجز

في هذا السياق، يبرز بعد آخر للانكشاف، وهو انكشاف العلاقة بين التقنية والإنسان. فأنظمة الدفاع المتقدمة، مهما بلغت دقتها، لا تعمل بذاتها، بل تتطلب عقولا تديرها، وخبرة تتراكم، وقرارا يتخذ في لحظة حرجة. هنا لا يكون الحديث عن الآلة فقط، بل عن الإنسان الذي يقف خلفها، وعن التحول في مستوى الكفاءة والانضباط والجاهزية. بهذا المعنى، يصبح الدفاع تعبيرا عن مجتمع كامل، لا عن منظومة عسكرية فحسب، وعن قدرة جماعية على تفعيل الإمكانات الكامنة.

كما يكشف هذا التحول عن بعد ثقافي أعمق، يتمثل في إعادة تعريف معنى القوة في الوعي العام. لم تعد القوة مرتبطة فقط بالتصورات الذهنية، بل بالفعل والقدرة على الاستجابة. وهذا الانتقال من الرمزي إلى العملي يخلق وعيا أكثر واقعية، يوازن بين الثقة والحذر ويمنع الانزلاق إلى أوهام التفوق أو إلى مشاعر العجز. إنه وعي يتشكل ببطء، لكنه أكثر رسوخا لأنه نابع من تجربة، ومن انكشاف تدريجي على ما نملكه من إمكانات. وفي النهاية، ما انكشف ليس فقط قدرة دفاعية، بل وعي جديد. وعي يرى أن الخليج وأهله سيخرجون منتصرين على العدوان، وسيخرجون ووعيهم أعمق بقوتهم الكامنة.

font change