تاريخ إيران المضطرب والصراع مع أميركا في ثلاثية مرجان كمالي

أوجه أخرى لنزاع متواصل منذ الخمسينات

Aliaa Abou Khaddour
Aliaa Abou Khaddour

تاريخ إيران المضطرب والصراع مع أميركا في ثلاثية مرجان كمالي

على الرغم من عنوان رواية مرجان كمالي الروائية الإيرانية المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، "مكتبتنا الصغيرة في طهران"، إلا أنه بمجرد أن يشرع القارئ في قراءتها، يكتشف أن حضور المكتبة في العنوان ليس إلا حيلة لجذب انتباه القراء الذين يستهويهم هذا النوع من الحكايات والكتب التي تستحضر المكتبة أو تدور في عالمها. الرواية التي تقوم كذلك على قصة حب بين الفتاة رويا والشاب بهمان، اللذين يتعارفان في أجواء المكتبة، سرعان ما يتم اتخاذهما وسيلة لتعريف القارئ بعدد من العادات والتقاليد الإيرانية منذ خمسينات القرن الماضي، وتحديدا قبيل ما عرف بانقلاب 1953 على رئيس الوزراء محمد مصدق آنذاك، وتكريس حكم الشاه محمد رضا بهلوي.

هكذا تحضر السياسة منذ صفحات الرواية الأولى، بل وتحضر مباشرة العلاقة بين إيران وأميركا، إذ يتهم أتباع مصدق من الديمقراطيين (الذين سيكون منهم الشاب بهمان) أتباع الشاه بأنهم استعانوا بالمخابرات الأميركية لخلع مصدق وتقوية سلطة الشاه ونفوذه، فيما تدور الحوارات داخل البيوت المغلقة في المقارنات المطولة بين نظام الحكم الأميركي وما فيه من "عدل وديمقراطية" وما يعيش فيه الإيرانيون من تسلط واستبداد تحت حكم الشاه.

لكن الرواية لا تبدأ من إيران في الأساس، بل تبدأ من أميركا في مشهد مشوق في عام 2013 في دار لرعاية المسنين حيث يلتقي الحبيبان بعد مرور كل هذه الأعوام، مما يحفز القارئ لمعرفة سبب ذلك الفراق الكبير وما الذي حدث طوال تلك الأعوام الماضي، وهو ما تبدأ الكاتبة في سرده مباشرة بالعودة إلى الماضي عام 1953.

تحكي الرواية عن لقاء الحبيبين في المكتبة التي تبدو شرارة ذلك الحب والتعلق، ثم سرعان ما تظهر الخلفيات الاحتماعية والثقافية لعائلة كل منهما، إذ ينتمي بهمان الى أسرة بسيطة من الفلاحين، ويبقى ذلك الأمر حاجزا دون إتمام الخطوبة، بل ويتدخل أحد أبطال الرواية الثانويين وهو صاحب المكتبة ليكون بمثابة رسول الغرام بين الحبيبين، حتى يحدث الانقلاب ويتفرق الحبيبان على نحو درامي.

تسافر رويا وأختها للدراسة في أميركا، بعد أن ينجح والدها في الحصول لها على منحة هناك، وتبدأ في نسيان ذلك الماضي الإيراني الأليم والبدء من جديد في "أرض الأحلام".

تدور الحوارات داخل البيوت المغلقة في المقارنات المطولة بين نظام الحكم الأميركي وما فيه من "عدل وديمقراطية" وما يعيش فيه الإيرانيون من تسلط واستبداد تحت حكم الشاه. 

هكذا تبدو فرص الحياة في أميركا بالنسبة إلى الفتاتين كبيرة، بل وتلتقي كل منهما فتى أحلامها، وتتعرف رويا الى شاب أميركي يمنحها الحب والثقة ويعجب بها ويمنحها الأمان الذي افتقدته طوال حياتها، وتتواصل متابعتهما أحوال إيران من خلال الأخبار، ومن خلال رسائل يرسلها حبيبها القديم عبر أحد أصدقاء العائلة، فيزداد تمسكهما بالبقاء في أميركا، بل ونتيجة تدهور الأوضاع في إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1978 يترك بهمان إيران أيضا، ويذهب بصحبة ابنيه إلى الولايات المتحدة، وهناك ينجح في إنشاء مكتبة بسيطة يعمل فيها ابنه، وتكون هي المكان الذي تعرف منه رويا بأمر وجوده في أميركا، حتى يلتقي الحبيبان بعد طول فراق.

مكتبتنا الصغيرة في طهران

"نساء جسورات" وصور  المرأة في إيران

لا تبتعد رواية "نساء جسورات من طهران" كثيرا عن هذه الأجواء، فهي تكمل ما تصبو إليه مرجان كمالي في كتابتها، بل وتستخدم الحدث التاريخي المؤثر نفسه (الانقلاب على رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953) لتجعله اللحظة الفارقة أو المؤثرة في حياة بطلاتها.

في "نساء جسورات" لسنا إزاء قصة حب بين فتاة وشاب، إنما حكاية صداقة عظيمة تنشأ بين فتاتين من مرحلة الطفولة على الرغم من الفوارق الاجتماعية بينهما. فنحن مع البطلة إيلي، التي نتعرف اليها في طفولتها، يموت والدها فتضطر أمها للانتقال إلى وسط المدينة والعيش في منطقة شعبية رغم انتمائها الى أصول ملكية أريستوقراطية، هناك تتعرف إلى هوما، الفتاة البسيطة التي تنتمي الى عائلة فقيرة، ولكنها تحمل أحلاما وآمالا كبيرة، وينتمي أبوها الى الشيوعية ويسعى لتغيير أحوال البلاد.

  Kenzo TRIBOUILLARD / AFP
متظاهرة تحمل صورة مهسا أميني خلال احتجاج أمام السفارة الإيرانية في بروكسيل، 2022

الرواية، شأن الرواية السابقة، لا تبدأ من الماضي ولكنها تبدأ من لحظة أقرب، في 1981، إذ تصل رسالة إلى إيلي تذكرها بصديقتها هوما، تجعلها تعود إلى ماضي علاقتهما معا، وتجعل القارئ شغوفا ليس فقط بمعرفة ما دار بينهما في الماضي وما فرق بينهما في النهاية، فتربط أيضا بتفصيلة الرسالة التي تطلب منها أن تحدثها لأمر عاجل.

وعلى طريقة روايات الإثارة والتشويق، لا تكتفي الكاتبة بمفاجأة واحدة، بل تتعدد وتتوالى المفاجآت، فتفترق الصديقتان في مرحلة الدراسة، وتتزوج الأم من عمها مسعود الذي يتمكن من إبعادهما عن المناطق الشعبية، وتسعى من خلاله لكي تستعيد علاقتها بالطبقات الراقية، بل وتحلم بأن تقبل ابنتها في الجامعة، وتكون من علية القوم، وتسعى لأن تكون محط أنظار طالبات الجامعة، ثم تفاجأ بحضور صديقتها البسيطة هوما إلى الجامعة نفسها، واقتحامها مجتمع أصدقائها بشكل كامل.

نساء جسورات من طهران

ورغم أن هوما تتورط بعد ذلك في عدد من النشاطات السياسية وتعتقل، إلا أن الذنب يظل يطارد صديقتها التي تسعى بعد ذلك لكي تتقرب منها، ولكن التقلبات السياسية تباعد بينهما مرة أخرى، فتفترق الصديقتان، وتذهب الأولى الى أميركا بصحبة زوجها، فيما تبقى هوما، كامرأة جسورة بالفعل، تصارع من أجل الحصول على حقوقها وحريتها حتى بعد زواجها وانجابها. ومع توالي الأحداث يتضح للقارئ أن هوما في الغالب هي المقصودة بالمرأة الجسورة (شير زن)، فهي من واجهت الاعتقال والاغتصاب في عهد الشاه، وواجهت سلطة الخميني وما حدث من قمع للنساء وإجبارهن على ارتداء الحجاب، حتى لم تجد وسيلة لحماية ابنتها إلا الاستجاد بصديقتها القديمة .

تتواصل أحداث الرواية صعودا وهبوطا ، وتستمر السيدات في متابعة نضال المرأة في إيران حتى تصل إليهن أخبار مقتل مهسا أميني

تذهب بهار ابنة هوما إلى أميركا وتجد فيها إيلي ابنتها التي لم تنجبها، وتتمكن الفتاة من الالتحاق بالجامعة، وتتعرف الى صديقات أميركيات، وتتواصل دائرة الحياة هناك، حيث يبدو أن الهرب من إيران هو الوسيلة الوحيدة للنجاة، حتى أن الأم هوما تسعى للحصول على إقامة هناك بعد ذلك، وتتواصل أحداث الرواية صعودا وهبوطا ، وتستمر السيدات في متابعة نضال المرأة في إيران حتى تصل إليهن أخبار مقتل  مهسا أميني على يد الشرطة عام 2022، وتختم الرواية برسالة الجدة والمناضلة هوما إلى حفيدتها ليلى بأن تواصل النضال وبأن ترفع صوتها وتبقى امرأة جسورة قادرة على مواجهة كل التحديات.

جلسة شاي في أصفهان

 تدور الرواية الثالثة حول العلاقة بين أم وابنتها. تعيش مينا مع أمها في أميركا وتسعى الأم لحصول ابنتها على زوج من أصول إيرانية كي تحافظ على عادات وتقاليد ابنتها في المهجر، وتحضر السياسة أيضا في الرواية، فيكون انتقال الأم وابنتها إلى أميركا بعد نجاح ثورة الخميني عام 1978 وسقوط نظام الشاه في إيران، وترصد من خلالها التغيرات التي حدثت في المجتمع الإيراني نتيجة لتلك الثورة، والتحول من النظام الملكي إلى نظام الملالي وما فيه من قيود على الحريات أيضا.

ورعم أن الرواية تركز منذ البداية على هذه الفكرة، والمقارنة بين جيل الأم والبنت، ورغبة البنت في التحرر من فكرة الزواج أصلا ومحاولات الأم إقناعها بزوج مناسب، إلا أن الكاتبة تستعيد بعض الأحداث السياسية الفارقة والمؤثرة في إيران، وكيف أنها رغم الغربة والبعد لا تزال تتابع أخبار البلد بكل اهتمام. ومع ذلك تبدو الرواية أكثر بساطة في عرض مواضيعها وأفكارها، فهي ليست مهتمة بتسارع الأحداث أو المفاجآت، ولا يوجد فيها مثل الروايات السابقة عنصر التشويق الذي سيعثر عليه القارئ في الروايات الأخرى,

 Jean-Pierre PREVEL / AFP
نساء إيرانيات يغسلن الملابس قرب مشهد، 1971

ولعل الجميل في الرواية، تلك المفارقات التي تحدث بين الأم وابنتها في تقديرهما لكل زوج محتمل، وتعليقات الأم عليه، والمواصفات التي ترى أنها مناسبة أو مهمة في زوج ابنتها، وفي المقابل ما تراه البنت وما تفترضه في زوجها. تلك المفارقات والحوارات تمنح الرواية قدرا من الرشاقة والتشويق ومسحة من السخرية تجذب القارئ الى عالم الرواية وكأنه يشاهد مسلسلا تلفزيونيا. 

روايات مختلفة بنكهات متقاربة

تحمل كل رواية قصة وتفاصيل مختلفة، لكن يبقى هناك عدد من المقاربات أو ما يمكن اعتباره القواسم المشتركة. تحضر المقارنة بين حياة الإيرانيين أيام الشاه وما بعدها، كما تحضر في الوقت نفسه العلاقة بأميركا، واعتبارها أرض الأحلام التي تتقبل الآخر وتمكن الجميع فيها من تحقيق أحلامهم. من جهة أخرى.، تحضر تفاصيل الحياة الإيرانية، إذ تهتم مرجان كمالي بتفاصيل الحياة هناك بدءا من اختلاف العلاقات الاجتماعية بين الطبقات، والنظرة الى المرأة في المجتمع الملتزم/ المحافظ والآخر المتفتح أو الذي تسميه المتغرب،  مرورا بإطلالات واضحة على المطبخ الإيراني، ووصفات الطعام وطرق إعداده. يظهر ذلك بوضوح في الرواية الأولى بعد فترة زمنية، حينما تكون وسيلة تعارف رويا والشاب الأميركي جاك من خلال إعداد الطعام له.

ترصد الرواية التغيرات التي حدثت في المجتمع الإيراني نتيجة لتلك الثورة، والتحول من النظام الملكي إلى نظام الملالي

كما نجد ذلك في "نساء جسورات" حينما تصف إيلي طريقة إعداد والدة صديقتها هوما للطعام، ونعرف بعد ذلك أن والدها يعمل في مطعم، وسترث عنه زوجته تلك المهنة بعد اعتقاله. كذلك يأتي الاهتمام بتفاصيل الطعام الذي يتناوله الحبيبان وأثر مكوناته عليهما، حتى أن المطعم يكون هو المكان الذي يلتقي فيه مهرداد بحبيبته إيلي، فيعرض عليها الزواج أثناء تناولهما طعام الغذاء في واحد من المطاعم الشهيرة، ولذلك لا عجب أن يكون المشروع الكبير الذي تقوم به إيلي في أميركا في النهاية هو ذلك المطعم الإيراني الكبير، الذي جمعت فيه كل تراث المطبخ الإيراني بالإضافة إلى عدد من النقوش والخطوط الفارسية المميزة.

جلسة شاي في أصفهان

منذ السطور الأولى في "جلسة شاي" تحضر روائح المشروبات ووصفات الأطعمة الإيرانية التي تقدمها الأم لصديقاتها، وتعتبرها جزءا ومكونا ثقافيا أساسيا يجب الحفاظ عليه مقابل الطعام الأميركي والوجبات السريعة التي لا تحبها.

اختلاف الترجمة

تبقى ملاحظة في النهاية على الترجمات العربية للروايات، فقد صدرت كلها عن المركز الثقافي العربي، البداية مع "مكتبتنا الصغيرة في طهران" ترجمة مصطفى بنعمي عام 2023 ( صدرت 2019) أما الثانية فكانت "نساء جسورات" عام 2024 (في نفس عام إصدارها) ترجمة زياد حسون، وجاءت ترجمة "جلسة شاي في أصفهان" في العام الماضي (رغم صدورها منذ 2013) بترجمة رباب فاضل حسن.

سيلحظ القارئ أن ثمة مشكلات واضحة في ترجمة مصطفى بنعمي لرواية "مكتبتنا الصغيرة في طهران"، تظهر في استخدام بعض الكلمات والتعبيرات المعجمية التي تبتعد عن روح العربية المعاصرة مثل "غدير من الدمع ينبع من عينيه"، "شعرت أنها على وشك الانشرام إلى أرتال!"، "يكتب القوافي للحملات الإعلانية" (بدلا من الأغاني) وغيرها من العبارات التي يبدو فيها أثر الترجمة الحرفية مثل "رجل درد الفم"، "أزهار قشدية"، "شمس مسفعة"، و"طيس الحرب" (شدتها)، "رنين المشعاع" (صوت المدفأة)، وغيرها من العبارات والجمل التي تعرقل قراءة النص وتفاعل القارئ معه.

في حين تبدو ترجمة زيادحسون لرواية "نساء جسورات" لحسن الحظ أكثر انسيابية واتساقا مع العربية، لا توجد فيها مثل تلك المشكلات، بل ويضيف إلى ذلك عددا من العبارات أو التعابير الفارسية في النص مصحوبة بترجمتها كي يتعرف اليها القارئ العربي مثل "دنيا ماليه ماست" (العالم ملكنا)  أو "شير زن" (نساء لبؤات أو من نسل الأسود)، "جهار شنبه سوري" (ليلة أربعاء عظيمة) وغيرها.

يلاحظ تفاوت المستوى بين ترجمة كل من الروايات الثلاث التي تمت على أيدي ثلاثة مترجمين مختلفين

كما جاءت ترجمة رباب فاضل حسن للرواية الثالثة "جلسة شاي" متقنة إلى حد كبير، فاستطاعت أن تنقل روح النص مع حرصها على ملاءمة  الكلمات للغة العربية، وأضفت بعضا من الشاعرية على الحوارات والألفاظ، خاصة في ما يتعلق بعناوين الفصول التي كانت مختلفة عن الروايات السابقة، فلم تكن محددة بتاريخ، وإنما بعبارة أو جملة تشير إلى أحداث كل فصل، من هذه الجمل "حديث على الوسادة وتعليم الكبار"، "الفعل وليس التفكير" وغيرها.

في النهاية تقدم روايات مرجان كمالي صورة حية لإيران والتغيرات السياسية والاجتماعية التي حدثت فيها منذ الخمسينات إلى يومنا هذا، وربما ذلك ما جعلها تتصدر المبيعات  لتصبح رواياتها من الأكثر مبيعا في المكتبات لفترة طويلة.

font change

مقالات ذات صلة