غالبا ما يختزل فن الترجمة بسؤال الخيانة أو الوفاء. سؤال أشبه بشجرة تحجب غابة هذا الفن التي نادرا ما قصدها القراء، أو حتى شكوا بوجودها، رغم أن الجزء الأكبر من الأعمال الأدبية التي قرأوها إنما وصلتهم عبرها.
لبلوغ هذه "الغابة"، والتجول في أرجائها الشاسعة، ثمة أدلاء كثر، بين أبرزهم الناقد والمترجم الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، لا لأنه جال فيها أكثر من غيره، بل لأن شغفه الجارف بها ومعرفته المدوخة بأسرارها ومكامن سحرها يجعلان من مرافقته داخلها متعة نادرة.
هذا ما ينتظر قارئ كتبه الكثيرة حول هذا الموضوع، وآخرها "خلفية النسيج - ملاحظات حول فن الترجمة" (2023) الذي نقلته حديثا إلى الفرنسية إميلي فرنانديز، وصدر في باريس عن دار "أكت سود". كتاب يتألف من 44 نصا قصيرا، يشحذ مانغويل فيها لغة شعرية ملهمة لسبر أغوار فعل الترجمة، مبينا، بقفزه من هوميروس إلى بول إيلوار، ومن التوراة إلى دانتي وثربانتس وشكسبير، أن هذا الفعل ليس فقط "فنا متجددا أبدا، واستعارة عصية على الجمود"، بل أيضا "فكر قائم بذاته، قادر على قول الزمن والمكنون والآخر".
أسمى أشكال القراءة
في مدخل كتابه، يعتبر مانغويل أن الترجمة يمكن أن تكون - بل ينبغي أن تكون - أسمى أشكال القراءة دأبا وإمعانا، وعلى المترجم أن يعول على حضور القارئ الذي يتوجه إليه، أكثر من اتكائه على عملية كتابة النص الأصلي. وبحكم هذا الانتقال في المسؤولية، لا يستطيع المترجم أو لا ينبغي له أن يعود إلى النص الأصل بعد إتمام عمله، فالكرة باتت في ملعب القارئ، الذي ينبغي أن يكف الأصل عن الوجود بالنسبة إليه.
من هذا المنطلق، يرى مانغويل أن أسطورة أورفيوس لعلها أسطورة عن الترجمة نفسها، فأورفيوس الذي "ترجم" يوريديس الميتة إلى موسيقى للآلهة، فقدها حين التفت ليتحقق إن كانت تتبعه حقا. ولأن "معجزة الترجمة هي فعل إحياء وبعث، كان عليه أن يثق بالقوة السحرية لفنه".
مع ذلك، "لا يمكن إنقاذ النص الأصل من براثن الموت"، يضيف مانغويل، "فكل ما يستطيعه المترجم هو التظاهر بإعادة خلق يوريديس عبر نقلها إلى كلمات أخرى ستظل إلى الأبد في حداد على فقدانها". ولذلك، "كل ترجمة هي مرثية".



