ألبرتو مانغويل والترجمة بوصفها فعل إنقاذ للأدب

"خلفية النسيج" مرافعة عن مؤلف يعيش في الظل

Alain JOCARD / AFP
Alain JOCARD / AFP
الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في منزله في مونديو قرب مدينة شاتيلرو، 11 سبتمبر 2007

ألبرتو مانغويل والترجمة بوصفها فعل إنقاذ للأدب

غالبا ما يختزل فن الترجمة بسؤال الخيانة أو الوفاء. سؤال أشبه بشجرة تحجب غابة هذا الفن التي نادرا ما قصدها القراء، أو حتى شكوا بوجودها، رغم أن الجزء الأكبر من الأعمال الأدبية التي قرأوها إنما وصلتهم عبرها.

لبلوغ هذه "الغابة"، والتجول في أرجائها الشاسعة، ثمة أدلاء كثر، بين أبرزهم الناقد والمترجم الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، لا لأنه جال فيها أكثر من غيره، بل لأن شغفه الجارف بها ومعرفته المدوخة بأسرارها ومكامن سحرها يجعلان من مرافقته داخلها متعة نادرة.

هذا ما ينتظر قارئ كتبه الكثيرة حول هذا الموضوع، وآخرها "خلفية النسيج - ملاحظات حول فن الترجمة" (2023) الذي نقلته حديثا إلى الفرنسية إميلي فرنانديز، وصدر في باريس عن دار "أكت سود". كتاب يتألف من 44 نصا قصيرا، يشحذ مانغويل فيها لغة شعرية ملهمة لسبر أغوار فعل الترجمة، مبينا، بقفزه من هوميروس إلى بول إيلوار، ومن التوراة إلى دانتي وثربانتس وشكسبير، أن هذا الفعل ليس فقط "فنا متجددا أبدا، واستعارة عصية على الجمود"، بل أيضا "فكر قائم بذاته، قادر على قول الزمن والمكنون والآخر".

أسمى أشكال القراءة

في مدخل كتابه، يعتبر مانغويل أن الترجمة يمكن أن تكون - بل ينبغي أن تكون - أسمى أشكال القراءة دأبا وإمعانا، وعلى المترجم أن يعول على حضور القارئ الذي يتوجه إليه، أكثر من اتكائه على عملية كتابة النص الأصلي. وبحكم هذا الانتقال في المسؤولية، لا يستطيع المترجم أو لا ينبغي له أن يعود إلى النص الأصل بعد إتمام عمله، فالكرة باتت في ملعب القارئ، الذي ينبغي أن يكف الأصل عن الوجود بالنسبة إليه.

من هذا المنطلق، يرى مانغويل أن أسطورة أورفيوس لعلها أسطورة عن الترجمة نفسها، فأورفيوس الذي "ترجم" يوريديس الميتة إلى موسيقى للآلهة، فقدها حين التفت ليتحقق إن كانت تتبعه حقا. ولأن "معجزة الترجمة هي فعل إحياء وبعث، كان عليه أن يثق بالقوة السحرية لفنه".

مع ذلك، "لا يمكن إنقاذ النص الأصل من براثن الموت"، يضيف مانغويل، "فكل ما يستطيعه المترجم هو التظاهر بإعادة خلق يوريديس عبر نقلها إلى كلمات أخرى ستظل إلى الأبد في حداد على فقدانها". ولذلك، "كل ترجمة هي مرثية".

أورفيوس الذي "ترجم" يوريديس الميتة إلى موسيقى للآلهة، فقدها حين التفت ليتحقق إن كانت تتبعه حقا

في هذا المدخل، يوضح مانغويل أيضا أن الفن يولد لأن اللغة محكومة بالفشل، وأن كل نص أدبي ينوجد لحظة خلقه، ثم يهبط إلى نوع من السبات، إلى أن يأتي قارئ يعيده إلى الحياة، لكنها حياة تعكس تجربة ذلك القارئ وتأويله الخاص.

وبما أن الكلمات داخل اللغة الواحدة تحمل من المعاني ما يفوق قدرة أي قارئ على استيعابها دفعة واحدة، فإن على المترجم، وهو ينقل نصا، أن يختار من هذا التعدد الدلالي المطروح أمامه. وهذه الخيارات تمليها حساسيته وتجربته، مما يجعل عمله تأويلا خالصا.

فعل انتقال واغتراب

في النص الأول من الكتاب، يذكر مانغويل بأن كلمة "translatio" في العصور الوسطى كانت تشير إلى مراسيم نقل رفات قديس من مكان إلى آخر. ومن هذا المنطلق، تتجلى الترجمة بوصفها انتقالا، فعلا يعيد للعلامة طبيعتها الترحالية، ويقتلع شيئا مقدسا من موقعه الأصلي لإعادة توطينه في أرض أخرى، أي الترجمة بوصفها حركة واغترابا.

فمثل حملة الرفات، يجرد المترجمون النص من مظهره الخارجي ويزرعونه في تربة لغتهم الخاصة. وهذا السياق الجديد يحول النص ويحفظه في آن واحد، إذ يمنحه جلدا جديدا. هكذا، تصبح الترجمة استعارة. والمفارقة أن كلمة "استعارة" في اليونانية وكلمة "ترجمة" في اللاتينية ليستا سوى لفظ واحد لمعنى واحد.

في النص الثاني، يطرح مانغويل السؤال التالي: هل يزعزع المترجم سكون النص؟ ويجيب: "إن النص في حالة صخب دائم. فالمحصور بين هوامش الصفحة يحرره القراء ويمنحونه مطلق الحرية ليجوب فضاءات مخيلتهم، حيث لا يحده سوى منطق كل قارئ ورجاحة عقله".

في ضوء ذلك، "يستبدل المترجم حالة من الصخب بأخرى". (…) ولا يمكن النص أن ينعم بحالة سكون إلا بين قراءتين. فبعد أن يفرغ المؤلف من هياج مخاضه ويوقع منجزه، وقبل أن يفتح المترجم الكتاب في حركة إيروسية لإثارة الكلمات داخل عاصفة جديدة من الشغف، يرقد النص في حالة من الحياة المعلقة، غافيا بسلام في نعشه الزجاجي مثل الأميرة النائمة، وعلى مثال الأمير، تتمثل مهمة المترجم في إيقاظه".

في النص الثالث، يستحضر مانغويل أسطورة "الأندروجينوس" (الكائن المزدوج) كما وردت في محاورة "المأدبة" لأفلاطون، ليبين أن كل نص هو في البدء كائن واحد فريد، منطو على ذاته، ومسؤول عن اتساقه الخاص. لكن بمجرد مواجهته القارئ، يبدأ في الوجود على الضفة الأخرى من الصفحة، منقسما شطرين: الأصل من جهة، والنص المقروء والمؤول والمترجم من جهة أخرى.

غلاف "الوجه الآخر للنسيج"

ومثل تلك الكائنات المشطورة في الأسطورة المذكورة، يظل النصان المنفصلان يتوقان إلى الاتحاد، فتبحث الكلمات المكتوبة عن الكلمات المقروءة، ويستدعى معجم الأشياء بصوت، ومعجم آخر بصوت مغاير.

النص الخالص

في النص الرابع، يستحضر مانغويل الطريقة التي أملي بها القرآن الكريم على النبي محمد، بما يجعله نصا نقيا معجزا، لا يمكن استنساخه في أي لغة أو قالب آخر، للإشارة إلى أن النص الخالص لا يمكن أن ينوجد بصفته تلك في أي لغة أخرى، إذ لا يمكن في الصيغ الأجنبية إلا تأويله أو شرحه، حيث تمنح مفردات الأصل دلالات مختلفة.

Alain JOCARD / AFP
الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في منزله في مونديو قرب مدينة شاتيلرو، 11 سبتمبر 2007

ومن القرآن ينتقل مانغويل إلى سفر الخروج، في الفصل الخامس، ليلفت إلى أن المترجمين يرجون، مثل النبي موسى حين تذرع أمام الله بالجهل وافتقار البيان، إشراقا يهديهم إلى بصيص من معنى النص الذي يعملون عليه، شيء يستطيعون، بفضل مواهبهم المتواضعة، تحويله إلى كلمات مقنعة تلامس وجدان القراء.

يرقد النص في حالة من الحياة المعلقة، غافيا بسلام في نعشه الزجاجي مثل الأميرة النائمة وتتمثل مهمة المترجم في إيقاظه

ومن موسى، ينتقل في النص السادس إلى الإلهة أثينا التي تروي أسطورتها أنها كانت بحاجة إلى سلاح، فطلبت من الإله الحداد هيفيستوس أن يصنعه لها، وحين أجابها بأنه سيفعل ذلك حبا فيها، وافقت. لكن ما إن دخلت مشغله حتى حاول اغتصابها. وفي غمار صراعهما، أراق نطفته على ساقها، فاشمأزت ومسحت ساقها بقطعة من الصوف ألقتها على الأرض، فخصبت دون قصد "الأرض الأم". ولما ولد الطفل، نبذته "الأرض الأم"، فسمته أثينا "إريكتونيوس"، أي "صوف الأرض".

مثل هيفيستوس في هذه الأسطورة، يمارس المترجم، وفق مانغويل، نوعا من العنف على النص الأصل لدى سعيه لإعادة إنتاجه في لغة أخرى، فتسقط البذرة في أرض مشتركة. وهذا الوليد، الذي ينكر نسبه الشرعي، ينبغي أن تفديه حكمة أثينا وتعيد تسميته.

فعل سياسي

في النص السابع، يشدد مانغويل على أن كل ترجمة، أبعد من كونها مجرد تأويل بريء، هي فعل سياسي. فبغية حماية الكلاسيكيات من "مفاسد" سدوم وعمورة، اختار المترجمون منذ العصور الوسطى قراءتها بعين الرقيب. فبحسب الباحث جون بوسويل، كان ألكيبياديس الوسيم، رفيق سقراط، يظهر أحيانا في أدبيات القرون الوسطى بملامح امرأة.

كذلك الأمر مع قصائد الحب المثلية لميكال انجيلو، التي حولت إلى قصائد موجهة لامرأة عبر تغيير ضمائر العشق، وقصائد سعدي الشيرازي وغزليات حافظ الشيرازي، بينما درجت مجموعة "لوب" للكلاسيكيات اليونانية على ترجمة المقاطع التي تتناول الحب المثلي إلى اللاتينية بدلا من الإنكليزية.

STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
الكاتبة الكندية مارغريت أتوود تتحدث مع الكاتبين نانسي هيوستن وألبرتو مانغويل خلال "مهرجان أميركا" المخصص للأدب الكندي في فانسين، 30 سبتمبر 2006

في النص الثامن، يذكر مانغويل بأن الترجمة فعل تتابعي، فصيغة تحل دائما محل أخرى، ولا يمكن أن تدعي أنها الأخيرة. مع ذلك، نحاول أن ندرج الترجمات في نظام تصنيفي واحد، فنصف بعضها بالحرفي، وبعضا آخر بالحر، أو بـ"الجميل الخائن". لكن أي ترجمة لا تبقى في خانة واحدة طويلا. فقد اعتبرت ترجمة "الأدويسة" التي أنجزها ألكسندر بوب تجربة فاضحة، ثم غدت كلاسيكية، كما بدت ترجمات باوند للشعر الأنغلوسكسوني ابتكارية في زمنها، قبل أن تعد أمينة.

يكشف مانغويل أن دانتي كان يرى أيضا أن المسكن الجديد الذي يبنيه المترجم للنص قد يكون أفضل من ذاك الذي يجبر الأصل على الإقامة فيه

في النص التاسع، نعلم أن مونتان لم يكن مقتنعا بجدوى الترجمة. فرغم اعترافه بجهله اليونانية والعبرية، وامتنانه لقدرته على قراءة الكلاسيكيات الإغريقية بالفرنسية، كان يرى في تعدد ترجمات الكتاب المقدس خطرا يفوق، من حيث احتمال التأويل الخاطئ، عائق تعذر الوصول إلى النص. وكأنه كان يقدم ورع التبجيل على رغبة الفهم.

في نص لاحق، يبدو موقف دانتي قريبا من ذلك، إذ كان يفضل ألا يقرأ هوميروس على أن يقرأه مترجما، معتبرا أن الشعر يفقد عذوبته وتناغمه عند نقله إلى لغة أخرى. لكن مانغويل يكشف أن دانتي كان يرى أيضا أن "المسكن الجديد الذي يبنيه المترجم للنص قد يكون أفضل من ذاك الذي يجبر الأصل على الإقامة فيه"، وهو ما يقربه من موقف فولتير الرافض للحرفية في الترجمة، القاتلة للروح.

محكمة عليا

في تأمل آخر، ثمة تعزيز لهذا الموقف حين يكتب مانغويل: "لا يوجد نص أصلي كامل الإنجاز. فإذا ما غضضنا الطرف عن الترددات والتصويبات والأخطاء التي يذعن لها كل كاتب لحظة النشر، فإن النص المنشور ليس سوى المسودة الأخيرة لسيرورة إبداعية غالبا ما تكون مبتورة".

فكرة يستحضر في سياقها اعتقاد المتصوفة القباليين بفجوة لن تلتئم إلا في نهاية العالم، "بين ما نريد قوله وما نقوله حقا، بين ما يتم التعبير عنه في نظام لغوي وما يعاد بناؤه في نظام آخر، بين ما ينبثق عن الإلهام وما يستحيل إنجازا".

 Alain JOCARD / AFP
الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في منزله في مونديو قرب مدينة شاتيلرو، 11 سبتمبر 2007

في نص آخر، يذهب مانغويل إلى أبعد من ذلك، بقوله إن ترجمة مجموعة من الكلمات بأخرى تتطلب نظاما أشد صرامة من الكتابة، لأن المعنى يجب أن يؤخذ في الحسبان، لا المظهر فحسب، و"على المترجم أن يفكك بوعي ما شيده المؤلف في ضبابية إدراك هشة، عليه جلاء الفوارق الدقيقة، منح النبرات نغمتها الملائمة، وحل خيوط النسج الرهيفة ثم إعادة حبكها، لكن وفق تصميم جلي هذه المرة"، وهو ما يجعله يصف الترجمة بـ"محكمة العدل العليا التي لا يسمح فيها بزلة لسان".

بصمت وتواضع ودأب، يستضيف المترجمون في لغتنا تلك الأعمال التي ولدت خلف أسوار المدينة

وإذ يستحيل هنا الوقوف عند كل التأملات المثيرة والمنيرة التي يطرحها مانغويل في كتابه الجديد، نظرا إلى غزارتها، نكتفي بذكر تلك المرافعة البليغة، في أحد نصوصه، لإعادة الاعتبار الى المترجم، ذلك المؤلف القابع في الظل الذي يصوغ معالم خيالنا العالمي:

"يظن القراء أن مكتباتهم تعج بالأعمال الأصلية (...). لكن، للأسف، نحن جميعا واهمون. فحين نقرأ آداب اللغات الأخرى، إنما نقرأ عمل مترجمين غالبا ما ننسى أسماءهم، وقلما تعترف بهم تواريخ الأدب الرسمية. الكلمات التي تصوغ تلك الكتب التي نصفها بأنها "خالدة" هي كلماتهم هم، لا كلمات المؤلف الذي يتصدر اسمه الغلاف. بصمت وتواضع ودأب، يستضيف المترجمون في لغتنا تلك الأعمال التي ولدت خلف أسوار المدينة".

مرافعة لا مبالغة فيها، خصوصا في ضوء ما قاله برتولت بريخت عن عمل المترجم: "أيا كان يمكنه أن يكون مبدعا، أما إعادة كتابة الآخرين، فذلك هو الرهان الحقيقي".

font change

مقالات ذات صلة