من غير قصد، أطلق عالم المناعة المخضرم إيلي متشنيكوف من معهد باستور، موجة من الإقبال الشديد على الحليب المخمر (الزبادي، اللبن) في محاضرة عامة ألقاها في عام 1904 بعنوان "الشيخوخة"، إذ ادعى وقتها أن الشيخوخة ناتجة من نمو بكتيريا ضارة في الأمعاء، بينما يعزز الحليب المخمر نمو بكتيريا الأمعاء النافعة، اللاكتوباسيلس.
بالطبع لم تأت تلك النظرية من فراغ، فقد استلهمها من سكان قرى البلقان المعمرين الذين كانوا يتناولون الحليب المخمر، وعندما انتظم ميتشنيكوف بنفسه على تناول الحليب المخمر، لاحظ أن صحته تتحسن بالفعل. من هنا وضع أساس أبحاث البروبيوتك التي تعد كائنات حية دقيقة نافعة تعيش في الأمعاء وتعزز الصحة العامة.
إيلي متشنيكوف، الذي ولد بالقرب من مدينة خاركيف بأوكرانيا، لعائلة تنحدر من أصول نبيلة، انصب اهتمامه على الشيخوخة تحديدا، إذ رأى أنها عملية طبيعية، نراها حولنا في الطبيعة. فمصير الورود أن تذبل بعد مرور فترة زمنية معينة، ولا تبقى الفراشات زاهية الى الأبد، تلك هي طبيعة الحياة على سطح هذا الكوكب، لا شيء يدوم إلى الأبد، وإن النهاية حتمية لا محالة.
أدرك متشنيكوف مع تقدمه في العمر وملاحظاته لمن حوله، أن كبار السن قد يعيشون سنوات طويلة في ضعف وأمراض مستمرة وضعف الجهاز المناعي، وهذا يعود إلى نقص المعلومات والمعرفة وقتها، وكان ذلك من دوافعه لتقليل معاناتهم وتخفيف آلامهم. لذلك، أراد فهم الشيخوخة كعملية بيولوجية حتمية وكيفية تحسين جودتها بمساعدة العلم، وأطلق البذرة الأولى عندما صاغ مصطلح علم الشيخوخة عام 1903.
وبحكم عمله في مكافحة الأمراض، وضع متشنيكوف نظرية تفيد بأن الميكروبات المعوية قد تفرز سموما تؤدي إلى الشيخوخة المبكرة والوفاة، وذلك عبر أبحاثه التي درس من خلالها ما إذا كانت ميكروبات الأمعاء ضرورية للحياة، وكيف تتغير على مدار حياة الإنسان، وما السبل المناسبة للتلاعب بها لتعزيز صحة الإنسان وإطالة عمره. وعلى الرغم من أن أبحاث متشنيكوف حول البكتيريا المعوية كانت محل سخرية بعض العلماء، إلا أنه اليوم، وبعد تقدم العلوم، أصبحت العلاقة بين الشيخوخة والميكروبيوم من أهم المواضيع، مما جعل متشنيكوف سابقا لعصره.


