بعد أربع سنوات من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، بات جليا أن الحرب خلّفت آثارا بالغة. والأمر الذي لا شك فيه أن نصيب الأسد من هذه التداعيات وقع على أوكرانيا. فبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تراوح عدد القتلى العسكريين الأوكرانيين بين 100 و140 ألف قتيل، وبلغ عدد الجرحى ما يصل إلى 500 ألف جريح. في حين أكدت الأمم المتحدة مقتل نحو 15 ألف مدني، مع ترجيحات بأن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير. وإلى ذلك، انضمت مساحات شاسعة من شرق أوكرانيا إلى شبه جزيرة القرم الخاضعة للاحتلال الروسي، وتدفق اللاجئون الفارون من ويلات الحرب، فيما تعرّضت المدن للقصف والتدمير الممنهج. أما روسيا، فقد تكبّدت بدورها خسائر فادحة، لا سيما في صفوف جنودها، إذ تشير التقديرات إلى مقتل نحو 325 ألف عسكري روسي من إجمالي 1.2 مليون إصابة. وفي الوقت نفسه، أسهمت العقوبات الغربية، وحملات التجنيد الإجباري، والقمع السياسي المتصاعد، في تحويل أوكرانيا على نحو متزايد إلى اقتصاد ومجتمع في حالة حرب. لكن هذه الحرب لم تبقَ محصورة بين طرفَيها المباشرين؛ فقد هزّت أركان الجغرافيا السياسية، وساهمت في نشأة نظام عالمي جديد، يختلف جذريا عما كان قائما من قبل.
تأكيد النظام متعدد الأقطاب
لم يكن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا وما تلاه من تطورات هو الذي أنشأ النظام متعدد الأقطاب الحالي، بل أكّد ظهوره فحسب. وفي هذا الصدد، يمكن مقارنته بحرب الخليج عام 1991. ففي أواخر ثمانينات القرن الماضي، حدث تحوّل هيكلي وضع حدا فعليا للنظام ثنائي القطبية الذي هيمن على حقبة الحرب الباردة، بيد أن النظام العالمي الجديد القائم على أحادية القطب بقيادة الولايات المتحدة لم يتبلور إلا بعد طرد صدام حسين من الكويت. غير أن هذا النظام الأحادي القطبية انهار بوتيرة أبطأ من الانهيار المفاجئ الذي شهدته الثنائية القطبية؛ إذ أسهمت إخفاقات الحرب على الإرهاب التي شنتها واشنطن، والأزمة المالية العالمية في 2008، وصعود الصين، في تراجع الهيمنة الأميركية على المسرح الدولي تدريجيا. وخلال العقد الثاني من الألفية، ظهر تراجع أميركي ملحوظ في ساحات عدة، أبرزها الشرق الأوسط، في حين تصاعد تحدي روسيا والصين وقوى إقليمية أخرى للأجندة الأميركية. غير أن السؤال بقي مفتوحا: كيف ستُعيد هذه التحوّلات تشكيل ملامح النظام العالمي؟

