مارلين مونرو... "القنبلة الشقراء" تستمر بصناعة الأساطير والأرباح

في مئويتها وبعد رحيلها تستمر أعمالها بصنع الملايين

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
مارة يعبرون أمام جدارية للممثلة الأميركية مارلين مونرو عشية افتتاح مهرجان كان السينمائي في مدينة كان الفرنسية، 13 مايو 2019

مارلين مونرو... "القنبلة الشقراء" تستمر بصناعة الأساطير والأرباح

لم تكن مارلين مونرو شخصية واحدة. ففي أربعينات القرن الماضي، تخلت ممثلة شابة اسمها نورما جين عن اسمها المألوف، واختارت لنفسها اسما أشد بريقا. كانت مارلين، في نظرها، أشبه بـ"قناع" تضعه على وجهها. ثم جاءت مارلين هوليوود، ولم تلبث أن لحقتها مارلين أيقونة الإغراء. ومن هناك، بدأت نسخ أخرى تتكاثر في الحكايات والإشاعات: مارلين الطفولية التي كانت تنادي زوجها "دادي"، ومارلين السياسية التي غنت للرئيس وربما شاركته الفراش، وحتى مارلين المثقفة التي قرأت دوستويفسكي وتزوجت الكاتب المسرحي آرثر ميلر. وفي النهاية، تحولت إلى شخصية مأساوية، حين رحلت عام 1962 بجرعة زائدة، وهي في السادسة والثلاثين.

هذا العام، تبدو الاحتفالات بمارلين كثيرة بقدر الصور التي صنعت عنها. ففي 1 يونيو/حزيران، تحل الذكرى المئوية لميلادها، وتقام بهذه المناسبة معارض في المعرض الوطني للصور في لندن، وفي متحف الأكاديمية للصور المتحركة في لوس أنجلوس، إلى جانب كتب جديدة وعروض سينمائية. وفي مزادات المقتنيات التذكارية، يستطيع المعجبون المزايدة على كل شيء، من أحمر شفاه استعملته مارلين إلى بلاطة من حمامها. أما المنتجات الجديدة، فحاضرة أيضا: شمبانيا باسم مارلين، وخزف يحمل صورتها، وأحذية عالية الكعب مرصعة بالجواهر تحمل اسمها. وإذا لم يكن كل ذلك كافيا، فسيتجمع نحو 500 شخص في بالم سبرينغز، في محاولة لتحطيم الرقم القياسي العالمي لأكبر تجمع لشبيهات مارلين.

لكن الولع وحده لا يفسر كل هذا الاحتفاء. فقد كان للشركة المالكة لحقوق تركة مونرو وملكيتها الفكرية دور كبير في التخطيط لاحتفالات المئوية. تأسست مجموعة "أوثنتيك براندز" عام 2010، وكانت حقوق مونرو أول تركة لشخصية مشهورة تستحوذ عليها. أما اليوم، فتضم محفظتها أسماء مثل ألفيس بريسلي ومحمد علي.

(أ.ف.ب)
مارلين مونرو خلال تصوير فيلمها الأخير "Something's Got to Give" عام 1962

يمكن للملكية الفكرية لمشاهير الماضي أن تفتح بابا واسعا للأرباح. فمجموعة "أوثنتيك براندز" تقول إن تركة مونرو وحدها تحقق مبيعات سنوية بقيمة 80 مليون دولار. وتعد الشركة ثاني أكبر جهة في العالم من حيث الإيرادات في مجال ترخيص الملكية الفكرية بعد ديزني، ومن المتوقع أن يدر مزيج تركات المشاهير والعلامات التجارية الأخرى أكثر من 38 مليار دولار هذا العام. وبات لكل اسم كبير تقريبا، من ألبرت آينشتاين إلى روزا باركس، وكيل يتولى إبرام صفقات ترخيص ملكيته الفكرية.

الملكية الفكرية لمشاهير الماضي يمكنها أن تفتح بابا واسعا للأرباح

غير أن تحويل المشاهير الراحلين إلى مشاريع ربحية يمر عبر مسالك قانونية معقدة. فالتركات تملك ما يسميه مارك روزلر، رئيس شركة "سي إم جي وورلدوايد"، التي تدير حقوق آينشتاين وباركس، "محفظة من الملكية الفكرية". وتضم هذه المحفظة حقوق النشر والعلامات التجارية و"حق الدعاية" أو "حق الإشهار"، وهو حق يتيح للورثة، في بعض الولايات الأميركية، التحكم في الاستخدام التجاري لصورة المشهور واسمه وصوته. وبما أن أقارب مونرو كانوا قلة، استطاعت "أوثنتيك" شراء التركة كاملة.

بدأت هذه السوق تتمدد في أواخر سبعينات القرن الماضي وبدايات الثمانينات، مدفوعة في جانب منها بوفاة ألفيس بريسلي وسعي ورثته إلى منع الآخرين من التربح من صورته. وتقول جنيفر روثمان، مؤلفة كتاب في هذا المجال، إن حقوق الإشهار بعد الوفاة أخذت تتسع، بعدما بدأ التعامل مع هويات المشاهير بوصفها أصلا قابلا للتوريث، شأنها شأن سائر الممتلكات. وهنا رأى الورثة فرصة لا ينبغي تفويتها.

ويعد استثمار أسماء المشاهير الراحلين تجارة مربحة لسببين رئيسين. أولهما أن الوجوه الشهيرة تملك قدرة استثنائية على تسويق المنتجات. فقد ظهرت صورة آينشتاين في حملات ترويج لنظارات القراءة، واستخدمت صورة بريسلي لتسويق النبيذ الأحمر. لكن ليس كل عرض يجد طريقه إلى القبول، فقد رفضت "سي إم جي" مثلا خطة لإنتاج واقيات ذكرية تحمل اسم جيمس دين. وتقول دانا كاربنتر، التي تشرف على تركة مونرو في "أوثنتيك"، إن صفقات العلامات التجارية تساعد على إبقاء مونرو حاضرة في الثقافة المعاصرة. ورغم أن اسمها يستخدم أحيانا للترويج لمنتجات ربما كانت ستثير استغرابها، مثل أقنعة الوجه الضوئية الرائجة، فإن الغاية تبقى جذب جيل جديد من المعجبين.

(أ.ف.ب)
إحدى المعروضات في معرض "مارلين مونرو.. أيقونة هوليوود" بمتحف الأكاديمية للصور المتحركة في لوس أنجلوس، 27 مايو 2026

أما السبب الثاني، فهو أن الملكية الفكرية للمشاهير تساعد على سرد قصص أكثر اكتمالا وثراء. فمن حيث المبدأ، يستطيع أي شخص أن ينجز فيلم سيرة ذاتية أو فيلما وثائقيا عن مونرو أو آينشتاين، لكن مدراء التركات غالبا ما يحتفظون بحقوق مواد محمية بحقوق النشر، وهي مواد قد تكون ذات قيمة كبيرة لصناع الأفلام. فقد رخصت "أوثنتيك" حقوقا فكرية لفيلم السيرة الذاتية "ألفيس"، كما ساعدت شركة "سي إم جي"، التي تعمل مع ورثة روبرت أوبنهايمر، في إنجاز فيلم "أوبنهايمر". وفي عام 2023، أطلقت "أوثنتيك" الاستوديو الإنتاجي الخاص بها، وشاركت في إنتاج فيلم "ملحمة: إلفيس بريسلي في حفل موسيقي" الحديث، الذي أخرجه باز لورمان. وكما يقول جيمي سالتر، رئيس "أوثنتيك"، فإن أنجح مدراء التركات لا يكتفون بالتفكير في "حفظ الماضي"، بل يسعون أيضا إلى "المشاركة في الثقافة".

الملكية الفكرية للمشاهير تساعد على سرد قصص أكثر اكتمالا وثراء

كما أنهم يفكرون في المستقبل أيضا. فقد بدأت الشركات، على وجه الخصوص، تسعى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي وتقنيات الصور المجسمة لإعادة النجوم إلى الجولات الحية، وفي ابتكار تجارب مصممة خصيصا للمعجبين. وفي عام 2024، دخلت "أوثنتيك" في شراكة مع "سول ماشينز"، وهي شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، لصناعة "نسخة رقمية لشخصية مارلين" تبدو "أصيلة ومتفاعلة". وتظهر النسخة الرقمية بأحمر شفاه مونرو الأحمر الشهير، وتردد عبارة "يا عزيزي" بشكل ملحوظ.

لكن الذكاء الاصطناعي، في المقابل، جعل استغلال صورة المشهور وصوته أسهل من أي وقت مضى. فاليوم، يستطيع حتى طالب يعمل من غرفته أن يصنع رسما كرتونيا يحاكي هيئة نجم ما أو يتحدث بصوته. ويقر السيد روزلر بأن ملاحقة الصور "غير المصرح بها" على الإنترنت صارت أشبه بلعبة "اضرب الخلد". ويطالب مدراء التركات منذ زمن بمقابل مالي لقاء استخدام كلمات النجم أو هويته في الأفلام والإعلانات، بل وحتى على النصب التذكارية.

(أ.ف.ب)
مقتنيات وصورة نادرة لمارلين مونرو معروضة في مزاد "100 عام على مارلين" في كاليفورنيا، 27 مايو 2026

أما المشاهير الذين لا يزالون على قيد الحياة، فقد بدأوا هم أيضا يفكرون فيما ستؤول إليه علاماتهم التجارية الخاصة. وتضم "أوثنتيك" قائمة من "الأساطير الأحياء"، من بينهم السير ديفيد بيكهام، لاعب كرة القدم السابق. وعلى خلاف تركة مونرو، يشارك هؤلاء النجوم في ملكية علاماتهم التجارية ويتعاونون بنشاط في صفقات الملكية الفكرية. ومنذ دخلت "أوثنتيك" في شراكة مع بيكهام عام 2022، روجت علامة بيكهام التجارية لكل شيء، من الجعة إلى سماعات الرأس اللاسلكية.

كانت مونرو تؤمن بأنها "تنتمي إلى الجمهور وإلى العالم". وبفضل "أوثنتيك"، سيعرفها الناس زمنا أطول مما كانت تتخيل، سواء بوصفها نجمة سينمائية، أو نسخة رقمية، أو وجها جميلا يزين زجاجة شمبانيا.

font change

مقالات ذات صلة