المشهد من دمشق... رياح التغيير فوق أنقاض "جمهورية الخوف"

تتقاطع الدبلوماسية والاقتصاد والأمن مع أول اختبار سياسي في "سوريا الجديدة". فهل ولدت الدولة الجديدة، أم أن معركة بنائها لم تبدأ بعد؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
علم سوري كبير يرفرف فوق "حديقة تشرين" في دمشق في 4 يونيو 2025

المشهد من دمشق... رياح التغيير فوق أنقاض "جمهورية الخوف"

خلال أسبوعين أمضيتهما في دمشق، أبحرت بين أربع حكايات في وقت واحد. "سوريا الجديدة" تحقق اختراقات دبلوماسية واقتصادية، بدأت بزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتواصلت بمشاركة الرئيس أحمد الشرع في قمة "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) في أنقرة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ثم انعقاد أول اجتماعات مجلس الأعمال السوري–الأميركي في دمشق وزيارات طلائع شركات الأمن والنفط.

كانت الأجهزة الأمنية تطارد "الخلايا النائمة" وتحاول احتواء تداعيات تفجيرات استهدفت القصر العدلي الذي هز الفندق الذي نقيم به، ومواقع أخرى في العاصمة، بينها انفجاران شاهدتهما قرب الفندق الذي أقام فيه ماكرون بعد دقائق من خروج موكبه إلى القصر.

تهز هذه التفجيرات طمأنينة الزائر في مدينةٍ وبلادٍ أتعبتها الحروب. تتوقف دمشق وتزدحم قليلا أمام اهتزازات التفجيرات، ثم يواصل أهلها حياتهم بما فيها من طموحات وأحلام وخطط لمقارعة وطأة الفقر واتساع رقعته وتعمقه بفعل تحرير الاستيراد وارتفاع الأسعار والفواتير والبطالة. يتحادثون ويتجادلون وينتقدون "دون خوف" ويبحثون عن حلول.

وبعيداً عن العدسات والبيانات، كانت "سوريا الجديدة" تعيش حدثاً آخر أقل صخبا، وربما أكثر أهمية مما يبدو. تحت قبة مجلس الشعب (البرلمان)، وفي الطريق إلى جلسته الأولى، دارت أول "معركة سياسية" منذ سقوط "جمهورية الخوف" في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. في مدينة خرجت من حرب طويلة طوت صفحة "نظام الأسدين"، كان يستأنف نهرها جريانه في عروقها وبدأت سوريا تكتشف للمرة الأولى أن السياسة يمكن أن تستعيد مكانها، بعد سنوات كان الخوف فيها هو اللغة الوحيدة.

ماكرون في دمشق

كان لهذه "المعركة السياسية" أن تبدأ عشية زيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق. ولم يكن ذلك مجرد تزامن في المواعيد. ففي الوقت الذي كانت فيه العاصمة تستعد لاستقبال أول رئيس من دول "مجموعة السبع" يزور "سوريا الجديدة"، كانت تحت السطح ترتسم ملامح اختبار سياسي–برلماني، فيما دوّى انفجاران قرب الفندق الذي أقام فيه ماكرون، بعد التفجير الدموي في القصر العدلي.

باريس تدرك أن دمشق أصبحت ساحة تنافس هادئ مع تركيا، الحليف الأقرب لـ"سوريا الجديدة" وصاحبة النفوذ الأوسع في شمال البلاد منذ سنوات الثورة

حرص ماكرون على المضي في زيارته من دون تعديل في برنامجها، في رسالة سياسية صريحة. تجوّل في دمشق القديمة والجامع الأموي، وعقد جلسات مطولة في القصر الرئاسي في السابع من يوليو/تموز، ليصبح أول زعيم من "مجموعة السبع" يزور سوريا منذ سقوط نظام الأسد.

لم تكن الزيارة فرنسية فقط، بل حملت أيضاً أبعاداً أوروبية وإقليمية. فباريس تدرك أن دمشق أصبحت ساحة تنافس هادئ مع تركيا، الحليف الأقرب لـ"سوريا الجديدة" وصاحبة النفوذ الأوسع في شمال البلاد منذ سنوات الثورة.

أ.ف.ب
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع في الجامع الأموي في دمشق، في 6 يوليو 2026

وليس جديداً أن تتنافس باريس وأنقرة على سوريا. فالتاريخ يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة. فمنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وبداية الانتداب الفرنسي، ظل البلدان يتنازعان النفوذ في الجغرافيا السورية، تارة عبر المواجهة المباشرة، وطورا عبر دعم حلفاء محليين، وصولاً إلى تفاهمات فرضتها موازين القوى الإقليمية والدولية.

لم ينتظر ترمب زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى واشنطن، بل سلّم الرئيس الشرع في أنقرة الرسالة التي أبلغ فيها الكونغرس ببدء إجراءات إزالة اسم سوريا خلال خمسة وأربعين يوماً

غير أن فرنسا تدرك أيضاً حدود قدرتها الاقتصادية. فهي لا تستطيع منافسة الاستثمارات الخليجية أو الأميركية، لكنها تراهن على ما تملكه من خبرة مؤسساتية. لذلك حمل ماكرون إلى دمشق وعوداً بالمساعدة في إعادة بناء البنية التحتية المصرفية، ودعم الإصلاحات، ووضع الأطر القانونية والحوكمة اللازمة لاستقبال الاستثمارات، إلى جانب مشاريع في القطاعين الصحي والتعليمي، وإحياء الحضور الفرنكفوني.

وفي الوقت نفسه، سعت باريس إلى تثبيت موطئ قدم اقتصادي عبر شركة "توتال"، في مواجهة الحضور المتزايد للشركات الأميركية، مثل "كونوكو" و"شيفرون" و"إتش كيه إن"، التي باتت تتصدر مشهد النفط والغاز السوري.

الرهان الأميركي

لكن الرهان الأكبر في دمشق يبقى أميركيا. فإدارة ترمب لا تنظر إلى سوريا باعتبارها ملفاً أمنياً فحسب، بل بوصفها مشروعاً اقتصادياً وجيوسياسياً. المبعوث الأميركي توم باراك يدفع بقوة نحو الاستثمار في قطاع الطاقة، وربط سوريا بمشاريع تمتد من الخليج والأردن والعراق إلى تركيا والبحر المتوسط.

ولم تعد هذه الأفكار مجرد تصورات نظرية، بل تحولت إلى خرائط ومسودات اتفاقات تتناول خطوط النفط والغاز، والسكك الحديدية، والطرق، والكهرباء، والاتصالات.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع في لقاء على هامش قمة "الناتو" في أنقرة، في 8 يوليو 2026

وغداة مغادرة ضيفه الفرنسي، شدّ الرئيس الشرع الرحال إلى أنقرة للمشاركة في قمة "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، حيث التقى الرئيس ترمب، الذي أبلغه بدء إجراءات إزالة اسم سوريا من "القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب"، قبل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الأعمال السوري–الأميركي في دمشق.

ومن هذا المنطلق، سارع ترمب إلى إطلاق إجراءات إزالة سوريا من القائمة، باعتبارها آخر العقبات أمام انتقال مذكرات التفاهم الاستثمارية إلى مشاريع فعلية، تسمح بتدفق الأموال إلى القطاع المصرفي السوري.

ولم ينتظر ترمب زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى واشنطن، بل سلّم الرئيس الشرع في أنقرة الرسالة التي أبلغ فيها الكونغرس ببدء إجراءات إزالة اسم سوريا خلال خمسة وأربعين يوماً.

وبعد أيام، جاءت الرسالة الأميركية أكثر وضوحاً خلال اجتماع مجلس الأعمال السوري–الأميركي في دمشق. قال الخبراء الأميركيون، بلغة لا تحتمل التأويل، إن واشنطن وحلفاءها أنجزوا مهمتهم برفع العقوبات، وإن الكرة أصبحت في ملعب دمشق.

مجلس الشعب آخر مؤسسات المرحلة الجديدة بعد "الإعلان الدستوري"، و"المحكمة الدستورية"، و"مؤتمر النصر"، والحكومة والهيئات. ليس تعيينا ولا انتخابا بالكامل. وصفة ليست في النظريات

كان المطلوب، قبل أي شيء آخر، بناء ثلاثة أعمدة لا غنى عنها: نظام مصرفي حديث، وإطار قانوني واضح، وإدارة قائمة على الحوكمة. فمن دون هذه العناصر، لن تجد الاستثمارات طريقها إلى سوريا، ولن تستطيع البلاد معالجة أزمتها الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. إذ تتسع دائرة الفقر، وترتفع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، فيما جرى تسريح أعداد كبيرة من العاملين في القطاعين العام والخاص، وتبحث الحكومة عن موارد عاجلة لسد العجز وتمويل الموازنة.

ومنذ ذلك الحين، بات هناك معنى إضافي لجلسات أروقة الفنادق الكبرى في دمشق، التي تعج برجال أعمال ودبلوماسيين غربيين وعرب، تحيط بهم شركات الأمن الخاصة، فيما تدور بينهم نقاشات لا تهدأ لفهم ما يجري في البلاد، ومحاولة الربط بين خيوط الأمن والسياسة والاقتصاد.

الاختبار الأمني

صحيح أن التفجيرات أعادت التذكير بأن الطريق إلى الاستقرار يخضع لاختبارات قاسية، وأن التقييمات الأمنية الغربية تحتاج إلى مراجعة مستمرة. لكنها، على خطورتها، بدت أقل مما تشهده عادة الدول الخارجة من الحروب خلال مراحلها الانتقالية.

رويترز
تصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوة ناسفة بالقرب من فندق يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في دمشق، سوريا، في 7 يوليو 2026

كان تفجير القصر العدلي رسالة دموية، ثم جاء انفجاران قرب الفندق الذي أقام فيه ماكرون في توقيتات شديدة الحساسية. خصوم "سوريا الجديدة" وهم ليسوا قلة، ليسوا سعداء بمآلات الأمور. ومع ذلك، لم تنجح التفجيرات في تعطيل الزيارة الرئاسية، ولا في وقف الاجتماعات السياسية والاقتصادية. واصلت الوفود الغربية والعربية تحركاتها، واستمرت الأجهزة الأمنية في ملاحقة الخلايا وتفكيك العبوات، فيما بدا أن العاصمة تحاول التعايش مع معادلة مزدوجة: الانفتاح السياسي والاقتصادي من جهة، والتحديات الأمنية من جهة أخرى.

لكن المفاجأة الكبرى لم تأت من الشارع، ولا من واشنطن، ولا من باريس، ولا حتى من أنقرة. جاءت من تحت قبة مجلس الشعب.

أول معركة سياسية

جاء مجلس الشعب بوصفه آخر مؤسسات المرحلة الجديدة بعد مؤتمر النصر" و"الإعلان الدستوري" و "الحوار الوطني" و"المحكمة الدستورية" والحكومة والهيئات. ليس تعيينا ولا انتخابا بالكامل. مزيج بين أمرين. وصفة ليست وليدة النظريات، مثل أمور كثيرة.

كان مقرراً أن تعقد الجلسة الأولى للمجلس في السادس من يوليو/تموز، بالتزامن مع وصول ماكرون. واستبقها الشرع باستكمال تشكيل المجلس عبر تعيين "ثلث الرئيس"، المؤلف من سبعين عضواً، لمعالجة الاختلالات التي برزت في "الثلثين المنتخبين"، ولا سيما لجهة ضعف تمثيل النساء وبعض المكونات غير العربية. وكان من المفترض أن يلتئم المجلس بحضور 206 أعضاء من أصل 210، بعد شغور ثلاثة مقاعد مخصصة للسويداء ووفاة أحد الأعضاء.

لكن الأيام التي سبقت الجلسة كشفت أن الجسم الوليد لم يكن مجرد مؤسسة شكلية تنتظر افتتاحها، بل بدأ يشهد، منذ لحظاته الأولى، محاولات لبناء كتل وتحالفات وتوازنات.

منذ سنوات طويلة، لم يكن الحديث عن الكتل، أو التنسيق، أو التفاوض على المناصب، جزءاً من المشهد البرلماني السوري. أما اليوم، فقد عاد هذا المشهد إلى الواجهة

في عدد من المحافظات، عقد النواب اجتماعات تنسيقية لاختيار مرشحيهم لرئاسة المجلس ونائبيه وأمين السر. وبرزت بصورة خاصة كتلة حلب، التي ضمت ستة وأربعين نائباً، وتمسكت بمطلبها في رئاسة المجلس، مستندة إلى ثقلها العددي والسياسي. وذهب بعض المراقبين إلى ربط هذه الكتلة بجماعة "الإخوان المسلمين"، بينما نفى أعضاؤها وجود أي ارتباط تنظيمي أو سياسي من هذا النوع.

كانت تلك، في حد ذاتها، سابقة في الحياة السياسية السورية الجديدة. منذ سنوات طويلة، لم يكن الحديث عن الكتل، أو التنسيق، أو التفاوض على المناصب، جزءاً من المشهد البرلماني السوري. أما اليوم، فقد عاد هذا المشهد- ولو في بداياته- إلى الواجهة.

ولهذا السبب، تقرر تأجيل الجلسة الافتتاحية أسبوعاً كاملاً، ريثما تنتهي زيارة ماكرون إلى دمشق، ثم زيارة الشرع إلى أنقرة، وتستكمل المشاورات المتعلقة بإدارة الجلسة الأولى. وانتخاب مكتب الرئاسة.

وفي مساء السبت، عشية انعقادها، التقى الرئيس الشرع أعضاء المجلس جميعاً. دار نقاش مطول حول المشاورات السابقة، وجرى التشديد على ضرورة تجنب التكتلات المناطقية أو الامتدادات الخارجية، مع تداول أسماء مرشحين لرئاسة المجلس ونائبيه وأمين السر.

أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع يلقي كلمة خلال الاجتماع الأول للبرلمان الانتقالي السوري الجديد في دمشق، في 12 يوليو 2026

غير أن المفاجأة الحقيقية لم تكن في المشاورات، بل في صناديق الاقتراع. جاءت النتائج مختلفة عما كان متوقعاً داخل أوساط عديدة. وأسفرت الانتخابات عن فوز عبد الحميد العواك، القادم من الحسكة، برئاسة المجلس، فيما انتُخبت مادونا بشارة، مسيحية من اللاذقية، ومصطفى موسى، من جسر الشغور في إدلب، نائبين للرئيس، وفاز مؤيد حبيب، من ريف دمشق، بمنصب أمين سر المجلس.

وبعد انقضاء لحظة المفاجأة، بدأت عملية مختلفة تماماً. لم تكن معركة على السلطة بقدر ما كانت اختباراً للمرحلة الجديدة: هل ستولد المؤسسات كما رُسم لها، أم ستبدأ بإنتاج توازناتها الخاصة؟

ماذا تعني النتائج؟

بدت النتيجة، بالنسبة إلى عدد من الدبلوماسيين الغربيين الذين تابعوا تفاصيل العملية، أكثر من مجرد انتخابات داخلية. فقد رأى بعضهم أن هذه ربما تكون أول مؤسسة سورية تتشكل، منذ سقوط نظام الأسد، بصورة لم تسر بالكامل وفق ما كان مرسوماً لها.

النواب الذين راكموا خبرة سياسية وتنظيمية خلال سنوات عملهم في مؤسسات المعارضة السورية بين عامي 2011 و2026، كانوا الأكثر قدرة على تنظيم الأصوات، وبناء التفاهمات، وإدارة التحالفات داخل المجلس

ولهذا السبب، تحولت نتائج الجلسة إلى مادة للنقاش والتحليل في أوساط سياسية ودبلوماسية واسعة. ومن بين الخلاصات التي جرى تداولها أن عدداً من النواب الذين راكموا خبرة سياسية وتنظيمية خلال سنوات عملهم في مؤسسات المعارضة السورية بين عامي 2011 و2026، كانوا الأكثر قدرة على تنظيم الأصوات، وبناء التفاهمات، وإدارة التحالفات داخل المجلس، وهو ما منحهم أفضلية واضحة على شخصيات أخرى جاءت إلى المجلس من خلفيات مختلفة.

ولم يكن ذلك منفصلاً عن السياق العام الذي سبق تشكيل المجلس. فـ"مؤتمر النصر"، الذي عقد في التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2025، كان قد أعلن حل جميع المؤسسات السياسية والعسكرية والمدنية السابقة، قبل أن يعاد تدوير عدد من الشخصيات التي شغلت مواقع في مؤسسات المعارضة، وفي مقدمها "الائتلاف الوطني السوري"، لتتولى مسؤوليات جديدة، من بينها لجنة الإشراف على انتخابات المجلس، فيما دخل بعض أعضائها إلى البرلمان الجديد.

لم يكن هناك حديث عن أزمة، بقدر ما كان هناك سعي لإعادة توزيع التوازنات التي أفرزتها الانتخابات. وسرعان ما ظهرت مؤشرات هذا التكيف في التغييرات التي طالت مؤسسات أمنية وإدارية حساسة.

إعادة توزيع التوازنات

عُيّن نائب وزير الداخلية عبد القادر طحان، المنحدر من حلب، مديراً لجهاز الاستخبارات العامة، في خطوة منحت "العاصمة الاقتصادية" أحد أهم المواقع الأمنية في الدولة، خلفاً للواء حسين سلامة، الذي انتقل لتولي إدارة مكتب الأمن الوطني.

أ.ف.ب
عناصر الأمن في حالة تأهب بالقرب من فندق فور سيزونز عقب انفجارين وقعا في مكان قريب في دمشق في 7 يوليو 2026

كما جرى تعيين العميد ضرار الشملان نائبا لوزير الداخلية، بما عزز حضور دير الزور وريفها في المواقع العليا. وفي موازاة ذلك، تواصلت المشاورات لتعيين شخصيات من درعا "مهد الثورة" وحمص "قلب الثورة" في مواقع قيادية أخرى.

ولم يكن هذا الحراك مجرد توزيع للمناصب، بل محاولة لإعادة بناء توازن سياسي وجغرافي داخل مؤسسات الدولة الجديدة، بما ينسجم مع نتائج البرلمان، ويمنع تحولها إلى مصدر احتقان مبكر.

في مدينة اعتادت، طوال سنوات الحرب، أن تقاس موازين القوى فيها بعدد البنادق، بدأ معيار آخر يفرض نفسه بهدوء: القدرة على بناء التحالفات، وتنظيم الأصوات، وإدارة الخلافات داخل المؤسسات

لهذا السبب، انصبت الجهود سريعاً على قراءة ما جرى داخل مجلس الشعب، لا بوصفه حادثة عابرة، بل باعتباره أول اختبار لطبيعة النظام السياسي الذي يتشكل في دمشق.

ومع مرور الأيام، بدأت تتبلور قراءة مختلفة تماماً. فقد خلص عدد متزايد من المراقبين إلى أن ما جرى يحمل دلالة أعمق. فنتائج الانتخابات، التي لم تأت بالكامل كما كان متوقعاً، قد تكون أول مؤشر إلى أن مجلس الشعب لن يكون مجرد مؤسسة تدار بقرارات معدة سلفاً، بل مساحة يمكن أن تنشأ داخلها توازنات وتحالفات واختلافات حقيقية، ولو ضمن حدود المرحلة الانتقالية.

من السلاح إلى السياسة

من هنا، اكتسبت "المعركة السياسية" الأولى في دمشق معناها الحقيقي. فهي لم تكن معركة على أسماء أو مناصب، بل كانت اختباراً لطبيعة الحياة السياسية المقبلة.

فإذا كانت أولى جلسات المجلس قد أفرزت نتائج لم تُكتب كلها مسبقاً، فإن الجلسات المقبلة قد تشهد نقاشات أكثر تعقيداً حول النظام الداخلي، وقوانين الأحزاب، والتشريعات الانتخابية، والدستور الدائم، وهي الملفات التي ستحدد شكل الدولة السورية في السنوات المقبلة.

وربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي شهدته دمشق خلال الأسبوعين الماضيين. ففي مدينة اعتادت، طوال سنوات الحرب، أن تقاس موازين القوى فيها بعدد البنادق، وحجم الجبهات، وخرائط السيطرة العسكرية، بدأ معيار آخر يفرض نفسه بهدوء: القدرة على بناء التحالفات، وتنظيم الأصوات، وإدارة الخلافات داخل المؤسسات.

ولعل المفارقة أن هذه المعارك الجديدة لن تُخاض في الشوارع أو على خطوط النار، بل تحت قبة البرلمان، وبين نصوص القوانين ومواد الدستور، وفي أروقة المؤسسات التي تحاول "سوريا الجديدة" أن تبني من خلالها شرعيتها.

إذا كانت سنوات الحرب قد رسمت ملامح سوريا بقوة السلاح، فإن السنوات المقبلة قد يعاد رسمها بقوة السياسة. ومن يراقب العاصمة اليوم، يدرك أن السؤال لم يعد فقط: كيف انتهت الحرب؟ بل: كيف ستحكم سوريا بعد الحرب؟ ووفق أي نظام سياسي؟

font change