نويمي ميرلان لـ"المجلة": لم نعد خائفات كما كنا

مشاركة دائمة في "كان" السينمائي

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

نويمي ميرلان لـ"المجلة": لم نعد خائفات كما كنا

عادت الممثلة والمخرجة الفرنسية نويمي ميرلان هذا العام إلى مهرجان كان السينمائي مع فيلم "روما إيلاستيكا" "Roma Elastica"، رابع أفلام برتران مانديكو الروائية الطويلة، الذي عرض في قسم "عروض منتصف الليل"، بمشاركة ماريون كوتيار. وعلى بعد خطوات قليلة من الكروازيت، التقت "المجلة" المخرجة والممثلة الفرنسية في فضاء هادئ، بدا منفصلا تماما عن صخب المهرجان.

في هذه الحكاية الباروكية ذات الخيال العلمي، التي تدور في فضاء "تشينيتا" الآخذ في التحلل، تؤدي ميرلان دور فالنتينا، المساعدة المخلصة وخبيرة التجميل لدى إيدي، النجمة السينمائية المتقدمة في العمر التي تؤدي دورها ماريون كوتيار. فالنتينا، للمصادفة، هو أيضا اسم ابنة ميرلان، البالغة شهرين، وكانت تغفو بسلام بين ذراعي أمها أثناء المقابلة مع "المجلة".

تستعيد ميرلان الأمر قائلة: "لم يكن في ذهني أي اسم على الإطلاق. حين كنا نبحث عن اسم، قلنا: سيكون اسم فالنتينا جميلا. ثم أدركت أن شخصيتي في Roma Elastica تحمل الاسم نفسه. أظن أن الفيلم بقي في مكان ما داخل لاوعيي".

بالنسبة إلى ميرلان، كان التصوير مبهجا بقدر ما كان مثيرا للحماسة: "كان هناك إحساس جنوني بالحرية. كان التصوير سريعا في الواقع، لكنه كان ممتعا إلى حد بعيد. سريعا ومكثفا، لكنه بلا أي ضغط. كان الأمر كله قائما على اللعب والتجريب والعمل على الشخصية. كان مسموحا لنا بأن نتجاوز الحواف".

أحب حين يمكننا أن نذهب بعيدا جدا، حين يسمح للنساء بأن يكن أكثر من مجرد صورة

تنسجم هذه الحرية تماما مع انجذابها إلى الشخصيات التي ترفض الأعراف السائدة. تقول: "أحب حين يمكننا أن نذهب بعيدا جدا، وأن نحتضن شيئا فظا أو عاديا. حين يسمح للنساء بأن يكن أكثر من مجرد صورة".

فنان نقي

قبلت ميرلان المشروع من دون تردد، ويرجع ذلك جزئيا إلى إعجابها القديم ببرتران مانديكو، فهي تعتقد أنه مخرج نادر، وتقول ضاحكة: "حتى وكيل أعمالي لم يكن يعرف أنني معجبة جدا بأفلامه. بالنسبة إلي، هذه هي السينما. هناك عدد قليل جدا من المخرجين مثله، ربما ألمودوفار؟ إنه خارج المنظومة تماما. لا يعنيه أن ينسجم معها. إنه يبحث عن الصدق والأصالة".

وتتحدث عن المخرج الفرنسي بحماسة تكاد تكون طفولية: "لا أستطيع أن أكون حرة مثله، مع أنني حرة جدا بدوري. إنه فنان نقي، نقي، نقي. يمكن أن تصادف أحد أفلامه من دون أن تعرف أنه له، وأن تتعرف فورا الى توقيعه".

 Sameer AL-DOUMY / AFP
المخرج برتران مانديكو والممثلتان ماريون كوتيار ونيومي ميرلان خلال الترويج لفيلم "روما إيلاستيكا"

أكثر ما يفتنها فيه، الطريقة التي يبني بها عوالمه. "إنه يرسم كل شيء: الأزياء، الديكورات، اللقطات. كل شيء معد مسبقا. ومع ذلك، وبشكل مفارق، يمنح هذا الممثلين حرية هائلة. أنت تعمل داخل إطار قوي جدا، وهذا بالضبط ما يتيح لك أن تذهب أبعد بكثير. بالنسبة إلي كممثلة، هذا يبعث على طمأنينة كبيرة".

وتقر ميرلان بأنها تخيلته في البداية شخصا أقرب بكثير إلى الطاقة الجامحة والمفرطة في أفلامه. وتقول: "ظننت أنه سيكون جامحا إلى حد ما، وربما قاسيا حتى. في الواقع، هو بالغ اللطف ومتزن على نحو لافت. وهذا يجعلني أفكر في أن ثمة شيئا تطهيريا في عمله. إنه يسكب كل جنونه وعنفه وهواجسه في أفلامه، أما في الحياة فهو في سلام كامل".

قناع الأوكسيجين

جمع فيلم "روما إيلاستيكا" (Roma Elastica) ميرلان مجددا بماريون كوتيار، التي كانت قد التقتها للمرة الأولى أثناء العمل على فيلم "Lee" وسرعان ما تجاوزت علاقتهما حدود التعاون المهني البسيط.

تقول: "أمضينا خمسة عشر يوما معا في مكان لم يكن فيه أي مكان آخر نذهب إليه. كنا نرى بعضنا باستمرار. تناولنا العشاء قرب الماء. كان الأمر ساحرا، هي ساحرة".

وسرعان ما نشأت بين الممثلتين رابطة عميقة: "تشاركنا قصص حياتنا بعفوية وطبيعية كبيرتين. يسهل الاقتراب منها كثيرا، وهي بسيطة جدا في حياتها اليومية، ومستمعة مذهلة. إنها تحب الممثلات وتقدم نصائح رائعة". وقد رددت ممثلات فرنسيات وعالميات عدة مشاعر مشابهة، بما يوحي بأن سمعة كوتيار في الكرم تتجاوز أداءها على الشاشة بكثير.

 Sameer AL-DOUMY / AFP
الممثلتان الفرنسيتان ماريون كوتيار ونويمي ميرلان خلال جلسة تصوير لفيلم "روما إيلاستيكا".

لا تتردد ميرلان في وصف الأهمية التي اكتسبها ذلك اللقاء بالنسبة إليها. وتشرح ذلك قائلة: "حين التقيت ماريون كوتايار، كنت أمر بمرحلة شديدة الصعوبة. تشبثت بها بطريقة ما. كانت قناع الأوكسيجين الخاص بي حين كنت أختنق".

في فيلم "روما إيلاستيكا"، تؤدي دور امرأة مخلصة بعمق لممثلة أسطورية، حيث يبدو الخط الفاصل بين الخيال والواقع كأنه يتلاشى أحيانا. وقد كانت تؤدي "شخصية تعجب بها، وتحبها، وتكرس نفسها لها. في النهاية، جاء الأمر طبيعيا جدا".

من الكروازيت إلى هوليوود

يشكل حضور ميرلان الأخير في "كان" حلقة جديدة في علاقتها الطويلة والمثمرة بالمهرجان. فمن فيلم "صورة سيدة مشتعلة" (Portrait of a Lady on Fire) لسيلين سياما، إلى "باريس، الدائرة الثالثة عشرة" (Paris, 13th District) لجاك أوديار، ثم تجربتها الإخراجية الخاصة "الشرفات" (The Balconettes)، أصبحت ميرلان أحد الوجوه المألوفة في المهرجان.

اليوم، بعدما باتت مطلوبة كممثلة، ومعترفا بها في الوقت نفسه كمخرجة قائمة بذاتها، تواصل بناء مسيرة ترفض الحدود بين الأنواع والصيغ والاختصاصات الفنية.

حين التقيت ماريون كوتايار، كنت أمر بمرحلة شديدة الصعوبة. تشبثت بها بطريقة ما. كانت قناع الأوكسيجين الخاص بي حين كنت أختنق

ومع أن "كان" لا يزال قاعدتها الأثيرة، فإن مسيرة ميرلان اتخذت على نحو متزايد بعدا دوليا. وبعدما عملت في فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أصبحت أكثر انتباها إلى اختلاف ثقافات صناعة السينما. وتوضح لأن "هناك شيئا كونيا في السينما. ما يتغير هو الطريقة التي يقترب بها الناس منها".

 Sameer AL-DOUMY / AFP
الممثلة الفرنسية نويمي ميرلان خلال جلسة تصوير لفيلم "روما إيلاستيكا" في مهرجان كان السينمائي 2026

وتشير إلى أن الإنتاجات الأميركية أكثر تنظيما بكثير: "في الولايات المتحدة، كل شيء محكوم بإحكام. لا أحد يتجاوز الإطار. الجداول الزمنية، التحضير، التنظيم، كل شيء شديد التنظيم". أما إيطاليا، فتمثل في نظرها "النقيض الكامل"، من خلال مقاربة أكثر حدسية ومرونة. ومع ذلك، ترفض أن تضع نظاما فوق آخر.

تقول: "لكل بلد سحره الخاص حين يتعلق الأمر بالسينما. الاختلافات ثقافية في معظمها، عادات العمل، الجداول الزمنية، العلاقات الإنسانية في موقع التصوير. هناك أشياء نعدها طبيعية في فرنسا، لكنها قد تكون صادمة في أماكن أخرى، والعكس صحيح".

وغالبا ما تعود ملاحظاتها إلى مكانة النساء داخل بيئات العمل هذه، فهي ترى أن "الطريقة التي يخاطب بها الناس النساء ليست واحدة من بلد إلى آخر". وفي ذلك تأمل يتصل طبيعيا بالهواجس النسوية التي تعبر قدرا كبيرا من عملها، أمام الكاميرا وخلفها.

 النظام الأبوي

منذ أفلامها القصيرة الأولى، ومنها "Shakira" عام 2021، وصولا إلى "The Balconettes"، دافعت ميرلان باستمرار عن سينما قادرة، على حد تعبيرها، على "تقطيع النظام الأبوي إلى شظايا صغيرة".

 Credit: Nord Ouest Films
مشهد من فيلم "نساء على الشرفة"

ويبعث في نفسها الارتياح أن ترى هذه القضايا تتردد في كثير من الأفلام المعروضة في "كان" هذا العام. تقول: "يبدو أن الناس بدأوا أخيرا يصغون. لم نعد خائفات كما كنا".

لكن نسويتها لا تبقى أبدا في نطاق النظرية. إنها تظهر عبر الشخصيات، والأجساد، والرغبات، والتناقضات، والعيوب. عبر منح النساء حرية أن يكن مفرطات، ذوات عيوب، حسيات، فظات، شاعريات، أو كل ذلك في وقت واحد، وهو ما تراه متجسدا في سينما مانديكو.

تصوير ما نرفض أن نراه

إلى جانب مسيرتها التمثيلية، تعمل ميرلان منذ سنوات على تطوير فيلم وثائقي عن عائلتها. وهو مشروع شخصي عميق يتناول الإعاقة والرعاية وتجربة والدتها كمقدمة رعاية.

تتذكر أن "والدي من ذوي الإعاقة، ووالدتي هي التي ترعاه. إنه موضوع ضخم. ما زلت لا أعرف الشكل الذي سيتخذه المشروع في النهاية، هل سيكون فيلما روائيا طويلا أم شيئا آخر، لكنه يرافقني منذ سنوات".

قادها هذا المشروع أيضا إلى التأمل في الشيخوخة، وهو موضوع ترى أنه لا يزال غائبا إلى حد كبير عن السينما المعاصرة. تقول: "الشيخوخة لا تخيفني كممثلة، لأنني أظن أنني سأكون ببساطة مخرجة عجوزا، وهذا لا بأس به! لكنها تخيفني لأنها تقربنا من الموت. المعاناة تخيفني. فقدان القوة، وفقدان الإمكانات. والموت نفسه".

ومع ذلك، تبقى مقتنعة بأن السينما قادرة على تخفيف هذا الخوف الجماعي: "لو عرضنا الشيخوخة أكثر، ربما صرنا أقل خوفا منها. نحن نواصل سرد حكايات عن أشخاص في أوج حياتهم. لكن نهاية الحياة تظل حياة".

الشيخوخة لا تخيفني كممثلة، لأنني أظن أنني سأكون ببساطة مخرجة عجوزا، وهذا لا بأس به! لكنها تخيفني لأنها تقربنا من الموت

بالنسبة إلى ميرلان، يمكن التمثيل أن يكون ترميميا إلى حد ما. فإظهار الشيخوخة لا كاختفاء خارج الشاشة، بل كجزء أصيل من الوجود الإنساني، قد يساعدنا في تعلم العيش معها، "فسواء كنا نتحدث عن النساء أو الرجال، فإن هذا النقص في التمثيل يغذي خوفا جماعيا من النهايات. انظروا فقط، حتى الرجال صاروا اليوم يلجأون إلى جراحات التجميل".

وربما تكون هذه المقاربة الوجودية المفتاح الأنسب لسبر علاقة نويمي ميرلان بالسينما، ففي عالمها الرحب، لا تكف الأفلام عن النبض بالحياة لمجرد أن الكاميرا توقفت عن الدوران، بل تواصل حركتها وتحولها وتشابكها مع تفاصيل الحياة اليومية.

font change