تنطلق اليوم الدورة التاسعة والسبعون من "مهرجان كان السينمائي" من 12 إلى 23 مايو/ أيار، لتعيد الريفييرا الفرنسية مجددا إلى مركز المشهد السينمائي العالمي، حيث تتجه الأنظار كل عام إلى أرصفة "الكروازيت" التي حولت منذ عقود السينما إلى طقس سنوي متكامل العوامل. وكعادته يدخل "كان" دورته الجديدة محاطا بمزيج دائم من الترقب لما يمكن أن تكشفه الأفلام المنتظرة هذا العام، وبجدال لا ينفصل عن طبيعته.
فالمهرجان الذي يقترب من عامه الثمانين صار عبر تاريخه الطويل مرآة تعكس التقلبات التي تمر بها السينما العالمية، من تغير مراكز الثقل الابداعي وصعود أسماء جديدة وعودة فنانين ارتبطت أسماؤهم بتاريخ المهرجان على مدى عقود. وفي الوقت ذاته يجد المهرجان نفسه اليوم أمام مشهد مختلف تماما عما عرفه لسنوات طويلة، أمام تقلص سلطة الصالات وتمدد المنصات وتحول الأفلام إلى محتوى سريع الاستهلاك، وتراجع تلك الهالة القديمة التي أحاطت طويلا بفكرة اللحظة أو "الفيلم الحدث".
عالم متغير
لهذا السبب تحديدا يبدو أن "كان" يتحرك، في سنواته الأخيرة، داخل معادلة دقيقة، بين التمسك بإرثه بوصفه المساحة الأبرز للسينما الفنية في العالم، وبين السعي إلى مواكبة عالم تبدلت فيه طبيعة التلقي والانتشار، وتغيرت معه أيضا الطريقة التي تصنع بها الأفلام وتستهلك. ولذا تبدو برمجة هذه الدورة انعكاسا مباشرا لهذا التوازن الخجول: مخرجون ارتبطت أسماؤهم بتاريخ المهرجان لعقود، إلى جانب أسماء أحدث سنا وتجارب أحدث، يحاول "كان" عبرها التقاط مواضع الحساسية السينمائية اليوم واتجاهات صورة العالم داخل الأفلام المعاصرة.
إلا أن الملصق الرسمي لهذه الدورة يكشف عن روح أقل ترددا وأكثر حدة من المزاج الذي توحي به اختيارات المهرجان نفسها: "ثيلما ولويز" 1991، جينا ديفيز وسوزان ساراندون قبل خمسة وثلاثين عاما، جالستين فوق السيارة وتحت أشعة شمس الغرب الأميركي، تنظران إلى الصورة بعيون تعرف جيدا ثمن الانعتاق. وهو اختيار يدل على استدعاء لحظة سينمائية امتلكت شجاعة الذهاب حتى النهاية، حينما كان الطريق في السينما يحمل معنى حقيقيا للخلاص، وعندما كانت الشخصيات تملك قدرة المواجهة حتى لو انتهى بها الأمر إلى السقوط، وفي الملصق شيء من العالم الذي فقدته السينما الحديثة، وهو الإحساس بالمغامرة الوجودية وبالفكرة القديمة التي ربطت الطريق بالتحرر كعناصر تستعيد زمنا كانت فيه الأفلام ترى الانعتاق فعلا مكلفا، بعيدا من الشعارات السريعة التداول في عالمنا هذا.

