"المجلة" تعرض خريطة الشتات الإيراني... لماذا الصراع عليه؟

طهران تستخدم آليتي العصا والجزرة مع المغتربين

أ ف ب
أ ف ب
رفع المتظاهرون صوراً للسياسي الإيراني المعارض مسعود رجوي خلال مظاهرة أمام مكاتب الأمم المتحدة على هامش الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في 23 فبراير 2026

"المجلة" تعرض خريطة الشتات الإيراني... لماذا الصراع عليه؟

منذ أن بدأت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، أظهر المهاجرون والمغتربون والمنفيون الإيرانيون، المُقدرون بقرابة خمسة ملايين شخص، والمنتشرون في عدد من البلدان المركزية عبر العالم، والمنظمون ضمن أحزاب وجمعيات واتحادات مهنية بالغة الفاعلية والتأثير، وعلى تواصل حميم مع الداخل الإيراني، أظهروا تبايناً شديداً في مواقفهم، بين مؤيدين متحمسين للحرب، أغلبيتهم من مؤيدي النظام السابق "الشاهنشاهي"، الذين غادروا إيران أواخر السبعينات عقب سقوطه. وبين مغتربين إيرانيين مترددين بشأن الحرب، يتطلعون لإسقاط النظام لكنهم مأخوذون بنزعة وطنية إيرانية رافضة للحرب على بلادهم، أغلبيتهم من الطلبة وأصحاب المهن العلمية، من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين، تركوا إيران منذ أوائل الألفية، جراء تراجع مستويات الخدمات العامة والتنمية الاقتصادية ونوعية التعليم وزيادة الضغوط الأمنية.

وبين المجموعتين ثمة طبقة رجال الأعمال الإيرانيين في المغتربات، الذين ينشطون في شبكات واسعة من المبادرات الاقتصادية المتداخلة بين الخارج والداخل، ويتحينون لانبلاج نتيجة الحرب، ليُظهروا مواقفهم الواضحة. هذه التباينات توضحت خلال مظاهرات الإيرانيين في المدن الأوروبية وتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

حكاية الجيل الأصغر

على الرغم من إنهائه للدراسات العليا في جامعة "رور" الألمانية منذ عدة أسابيع، لم يحسم الطالب الإيراني "نوزاد عليزاده" أمره بشأن العودة إلى بلاده، والعمل كباحث في جامعة شيراز، مردفاً في حديث مع "المجلة": "مهنة التدريس الجامعي كانت حُلمي منذ الصبا، لكن كيف لي أن أعود ومقاطع عمليات القتل التي مارستها أجهزة السلطة بحق آلاف المواطنين في شهر يناير/كانون الثاني المنصرم، ومثلها مقاطع التدمير جراء الحرب الأخيرة ترد إلى هاتفي بشكل يومي، والتي يبدو أنها لن تنتهي قريباً، وستُدخل إيران مرحلة من النكوص المستدام، وفي كل المستويات. بالنسبة لي، ومثلي الكثير من الزملاء حيث قدمنا معا للدراسات العليا، سواء في ألمانيا أو أية دولة أوروبية او إقليمية أخرى، لن نعود قبل توضيح مصير النظام الحاكم، وغالباً سنبقى هنا في حال استمراره في الحكم".

ثمة الطبقة التقليدية من المغترين الإيرانيين، الذي انشقوا منذ أوائل الثمانينات وخلقوا قطيعة جذرية مع النظام الحاكم

يطابق عليزاده المئات من زملائه وأبناء جيله، من الإيرانيين الذين خرجوا من بلادهم طوال السنوات الماضية، بعد اشتداد الأزمات الاقتصادية والبيئية والسياسية في البلاد، التي تراكمت وتراكبت فيما بينها، وصنعت ما يُسميه عليزاده "أزمة الجيل الحديث" في إيران، المناقض لطبقة وبنية النظام السياسي الحاكم في كل تفصيل، ويضيف: "على منصة (فيسبوك) ثمة صفحة مغلقة خاصة بنا، نحن قرابة مئة وخمسين طالباً، الذين كنا زملاء في مدرسة (دبیرستان رازي) في مدينة شيراز قبل عدة سنوات، نتبادل عبر هذه الصفحة الأخبار الاجتماعية والمعرفية الخاصة بكل واحد منا، بعدما صار تواصلنا الفيزيائي صعباً نسبياً. لكن المُلاحظ أنه من بين كامل أعضاء المجموعة لم يبقَ إلا قرابة عشرة أشخاص فقط في البلاد، بينما البقية منتشرون في كل أصقاع الأرض، بعضهم للدراسة وآخرون للعمل وبعضهم من المنفيين السياسيين والثقافيين. لكن المشترك بيننا جميعاً هو عدم قدرتنا ورغبتنا في العودة إلى البلاد في ظل النظام الحالي، على الرغم من ترددنا واختلاف مواقفنا بشأن الحرب الأخيرة، حسبما تظهر في النقاشات البينية في الصفحة. إذ ليس من بيننا أحد يؤيد الحرب الأخيرة التي تُشن على بلادنا، لكننا مُجمعون على أن النظام الحاكم هو السبب، فخياره بالصِدام مع العالم الخارجي ليس له أفق، ودون شك ليس خيار الإيرانيين".

أ ف ب
رفع أحد المتظاهرين المناهضين للنظام الإيراني علم إيران قبل ثورة 1979، مزينًا برمزي الأسد والشمس، خلال مظاهرة تضامنية مع المتظاهرين الإيرانيين و"ضد الجمهورية الإسلامية لقتلها الشعب الإيراني" في يالوفا، في 16 يناير 2026

طيف المغتربين

لا تشكل حالة الطلبة إلا واحدة من نماذج الإيرانيين في الخارج، على تعقيداتها. فالطلبة بأغلبيتهم المطلقة لا يملكون أية أوراق ثبوتية خلا تلك الرسمية التي خرجوا بها من إيران، ومضطرون لمراجعة السلطات الإيرانية بشكل دوري، عبر جميع الإجراءات البيروقراطية التي يُمكن أن تواجههم، بالذات فيما خص وثائقهم الرسمية وتحصيلهم العلمي وعلاقتهم مع عائلاتهم الباقية في البلاد. لأجل ذلك، وإن كانوا متحمسين للانخراط في أي جهد سياسي معارض، لأنهم كانوا الأكثر حرماناً من أية ممارسة سياسية حرة طوال سنوات عمرهم، وبسبب معايشتهم للمجتمعات الحديثة سياسياً، لكن حذرهم جذري جداً، بسبب أوضاعهم الخاصة.

إلى جانبهم، ثمة الطبقة التقليدية من المغترين الإيرانيين، الذي انشقوا منذ أوائل الثمانينات وخلقوا قطيعة جذرية مع النظام الحاكم. ينتمي هؤلاء بأغلبيتهم المطلقة إلى الطبقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عاشت في كنف الزمن الملكي، ولديهم أشكال من التناغم والتطابق الثقافي والسلوكي. يوالي هؤلاء بأغلبيتهم رضا بهلوي، نجل الشاه السابق محمد بهلوي، ويبنون علاقتهم السياسية مع إيران على أساس الحنين إلى مركز القوة والسيطرة الذي كانوا يشغلونه طوال عقود كثيرة من عمر النظام السابق. لكن التقديرات بشأن علاقة الأجيال الأصغر من أبناء هذه الطبقة مع الداخل الإيراني تختلف، فأغلب المظاهرات التي قادها هؤلاء كانت لأناس في أعمار متقدمة. كذلك لا توجد تأكيدات واضحة بشأن إمكانية عودتهم إلى الداخل الإيراني في حال سقوط النظام الحاكم، فقرابة نصف قرن من الإقامة في الخارج، خلقت لهم روابط قوية مع اقتصادات ومؤسسات ومجتمعات بلدان الإقامة، حيث لا يزيد حجم تفاعلهم مع الداخل عن الخروج في مظاهرات أو اعتصامات عامة.

السلطات الإيرانية تستخدم آليتي العصا والجزرة مع المغتربين، وهي متأكدة من أهميتهم وتأثيرهم على المشهد الكلي لما يحدث مع إيران

إلى جانب المجموعتين، ثمة الإيرانيون المتأتون من طبقة المهاجرين على أساس اقتصادي، سواء كانوا عمالاً أو اقتصاديين أثرياء، الذين ينتشرون في عدد هائل من البلدان، وهم الأكثر تذمراً من أوضاع البلاد، لأنهم قضوا أعمارهم بغية تشييد مواقع لهم في الداخل، دون أن يتمكنوا من فعل ذلك. لكن الطبقة الأكثر يُسراً منهم تملك هواجس من النظام الحالي، لأنها بأغلبيتها ذات مصالح متداخلة مع الداخل الإيراني، خصوصاً في قطاعات التجارة، وتالياً تخشى عواقب ما يُمكن أن تقدم عليه. لكنهم مع كل أشكال الحذر متهمون من قِبل الأجهزة الأمنية الإيرانية بدعم القوى السياسية الإيرانية في الخارج، بالذات تنظيم "مجاهدي خلق"، والمؤسسات الإيرانية المعارضة الرديفة.

صراع على الشتات

يشرح الباحث الإيراني المقيم في بلجيكا مرادي سلمان ما يعتبره تنافساً بين الجهات المتصارعة راهناً على "الشتات الإيراني"، راسماً في حديث مع "المجلة" لوحة مبسطة عن توجهات مجموعات الاغتراب الإيرانية وأدوارها السياسية والإعلامية والاقتصادية، متوقعاً أن تكون لها أدوار حيوية في المستقبل المنظور لإيران، أياً كانت نتيجة المواجهة الراهنة، ويضيف: "الغالبية المطلقة من المغتربين الإيرانيين مقيمون في الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأربعة الرئيسة، المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والسويد، وهم موزعون على اتحادات طلابية وسياسية وحقوقية، وفي السنوات الأخيرة أصبح لهم أذرع إعلامية ومالية، شديدة الفاعلية والتضامن الداخلي، وتحمل في جنباتها وشائج ورؤى تجاه إيران ومستقبلها، وعلى تواصل تام مع الداخل. ففي الأوقات العادية، حينما تكون شبكات الإنترنت متوفرة، تكون المواقع الإلكترونية ومحطات التلفزة التابعة للمجموعات الاغترابية الأكثر متابعة وتأثيراً على الجمهور الإيراني، فيما تساند المنظمات الحقوقية والطلابية في الخارج شبكة واسعة من المتعاونين في الداخل، وإلى جانبهم تنشط شبكات رجال الأعمال والاقتصاديين الإيرانيين في الخارج كوحدات متناغمة، تابعة لواحد أو آخر من رجال الأعمال الأكثر ثراء، وهؤلاء مرتبطون عادة بالقوى السياسية المعارضة. وتعرف الدول المساهمة والمنخرطة في الملف الإيراني، والمتطلعة للتأثير عليه مستقبلاً، تعرف أهمية جماعات الاغتراب الإيراني، وغالباً تتطلع لأن تكون جسرها المستقبلي نحو الداخل الإيراني، الذي لا تعرف عنه إلا القليل، في مشهد شبيه بما حدث في العراق قبل ربع قرن".

أ ب
أحد أعضاء جمعية الهلال الأحمر الإيراني يسير في مركز خدمة السيارات "هايبركار"، وسط أضرار ناجمة، بحسب مسؤولي الشركة، عن غارات جوية وقعت في الأول من مارس، في طهران، إيران، السبت 28 مارس 2026

يضيف الباحث مرادي سلمان في حديثه مع "المجلة" شارحا التطلعات المقابلة التي يتخذها النظام الإيراني: "ما إن بدأت الحرب حتى أطلق النظام الإيراني حملة لتطوع الإيرانيين المقيمين في القوات المسلحة الإيرانية، مسمياً إياها (جانفداي باراي إيران)، أي (التضحية بالحياة من أجل إيران). حيث أشارت الأرقام غير المُدققة الصادرة عن مؤسسات النظام الإيراني عن تقديم ثلاثين مليون إيراني أسماءهم للحملة، منهم مئات الآلاف من المقيمين في الخارج، مقدماً في الوقت نفسه خطاباً وسلوكيات تصالحية تجاه المغتربين والمثقفين الإيرانيين، إذ قال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي إن إيران منفتحة تماماً تجاه المعارضين في الخارج، متعهداً بتجاوز الماضي تماماً لو أثبت هؤلاء حُسن نيتهم في مواجهة العدوان على بلادهم، مقدما مثالاً عما فعلت مؤسسته مع المخرج الشهير جعفر بناهي، حيث أصدرت عفواً عنه حين وصوله للبلاد في رابع أيام الحرب. لكنها فقط واجهة سلوك النظام الإيراني تجاه المغتربين. ففي الوقت نفسه كان القضاء الإيراني يصادر أملاك العشرات من الإيرانيين الذين خرجوا في مظاهرات أثناء أيام الحرب، وجرد مئات الإيرانيين من الجنسية. فقد أكدت جماعات الضغط الإيرانية أنهم أكثر من ستين شخصية ثقافية وفنية وسياسية وإعلامية إيرانية مقيمة في الخارج تمت مصادرة كامل ممتلكاتهم وأصولهم المصرفية وتجريدهم من جنسيتهم خلال الأيام الماضية، فيما أعلن العشرات من المغتربين الإيرانيين تلقيهم اتصالات من السفارات والقنصليات الإيرانية، تذكرهم بقرارات صادرة غيابياً بحقهم، فيما تلقى آخرون صوراً ومقاطع مصورة لمشاركتهم في المظاهرات المعارضة، من أرقام غير محلية، لتكون بمثابة تأكيد على علم السلطات بنشاطاتهم. فالسلطات الإيرانية تستخدم آليتي العصا والجزرة مع المغتربين، وهي متأكدة من أهميتهم وتأثيرهم على المشهد الكلي لما يحدث مع إيران".

font change

مقالات ذات صلة