دول الخليج تفكك شبكات إيران وتلاحق "الخلايا النائمة"

إيران على طريق "تصدير الاضطراب"

إدواردو رامون
إدواردو رامون

دول الخليج تفكك شبكات إيران وتلاحق "الخلايا النائمة"

تشهد دول الخليج مرحلة توتر غير مسبوقة منذ عقود، تتداخل فيها الحرب المباشرة مع كشف خلايا سرية داخلية، في صراع يدور على محاور عدة ولم يعد محصوراً بالمواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أو في التفاوض المتعثر، ولا حتى في عمليات القصف التي قام بها "الحرس الثوري" مستهدفا مدن دول الخليج، بل انتقل هذا التعقيد إلى عمق النسيج الداخلي للدول عبر شبكات ظل وخلايا مرتبطة بـ"الحرس الثوري" و"حزب الله".

وكما يبدو فإن تصدير الاضطراب المأخوذ من شعار "تصدير الثورة" هو خطوة إيران لاستهداف البنية التحتية الأمنية والاقتصادية لدول الخليج من الداخل، بداية من الكويت في الثمانينات، وصولا إلى العمليات الأمنية هذا العام التي هدفت إلى تفكيك هذه المنظومات العابرة للحدود.

وقد اعتمدت طهران الحرب غير المتكافئة، في محاولة إحداث أقصى قدر من الضرر باستخدام أدوات تمكنها من المنافسة. وتستند هذه العقيدة إلى فارق واضح في القدرات العسكرية بين إيران ودول الخليج في ظل اختلاف جوهري في العقيدة والسياسة والاقتصاد، وهو ما ظهر من خلال "ضغينة" ترجمتها تصريحات قادة إيرانيين حول أولوية استهداف المدن الخليجية.

وتتجاوز الشبكات المرتبطة بإيران وأذرعها مجرد كونها أدوات تخريبية؛ لتصبح وحدات استخباراتية وتوجيهية، تنتقل من عمل الخلايا النائمة إلى تنفيذ عمليات مباشرة تهدف لتشتيت الجهد الدفاعي وإرباك الاقتصاد. وهكذا تكشف الحملات طوال الأعوام الماضية عن انتقال هذه المجموعات إلى "التفعيل الكامل"، حيث لم تعد تكتفي بجمع المعلومات، بل انتقلت لتحاول تنفيذ عمليات اغتيال، وتوجيه حركة الصواريخ الباليستية، وغسل أموال عبر تقنيات رقمية معقدة.

الكويت... من التفجيرات إلى الخلايا

تُعد الكويت النموذج الأبرز لفهم تطور إدارة "الحرس الثوري" لملف مجموعاته، فهي الدولة التي شهدت أولى عمليات "تصدير الثورة" في الثمانينات، وهي اليوم مسرحٌ لعمليات إحباط مخططات خطيرة وُضعت لاستهداف رموز الدولة.

لم تكن السعودية بمنأى عن الشبكات المرتبطة بفكر نظام الحكم في إيران، حيث سعى "الحرس الثوري" لزرع ذراع مسلحة تحمل اسم "حزب الله الحجاز" لتنفيذ عمليات انتقامية

بدأت العمليات الكبرى في الكويت عام 1983 بسلسلة تفجيرات استهدفت سفارات الولايات المتحدة وفرنسا، ومطار الكويت الدولي، ومصنعا للبتروكيماويات. وأثبتت التحقيقات أن تلك الهجمات نفذتها عناصر مرتبطة بـ"حزب الدعوة الإسلامية" الذي خرج من رحمه "حزب الله" في لبنان، وبدعم مباشر من طهران، ردا على موقف الكويت الداعم للعراق في حرب الخليج الأولى. ومن أبرز الشخصيات التي ارتبطت بهذه الحقبة العراقي جمال جعفر علي الإبراهيمي (أبو مهدي المهندس) واللبناني مصطفى بدر الدين، الذي ارتبط اسمه باغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري.

وفي عام 1985، حاولت "الخلايا" اغتيال أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، وهي العملية التي وصفت بأنها رسالة سياسية إيرانية. وتلت ذلك تفجيرات المقاهي الشعبية في العام نفسه، والتي استهدفت المدنيين لإحداث شرخ اجتماعي بين المواطنين والمقيمين وبث الرعب.

ولكن، وبعد عقود، أي في عام 2015، أعلن الأمن الكويتي توقيف "خلية العبدلي"، حيث تم ضبط 19 طناً من الذخيرة و144 كيلوغراماً من المتفجرات مخزنة في مزرعة حدودية. وكشفت القضية عن تجنيد مواطنين كويتيين وتدريبهم في معسكرات "حزب الله" في لبنان تحت إشراف "الحرس الثوري"، بهدف القيام بأعمال عدائية ضد الدولة ونشر مبادئ "ولاية الفقيه".

أ.ف.ب
يتصاعد الدخان من منطقة في مطار الكويت الدولي بعد هجوم بطائرة مسيرة في الأول من أبريل 2026

وخلال حرب إيران، في مارس/آذار وأبريل/نيسان من هذا العام، أوقف جهاز أمن الدولة الكويتي شبكة مرتبطة بـ"حزب الله" كانت تخطط لاغتيال مسؤولين. واللافت في هذه العملية هو استخدام تقنيات تعود لزمن الحرب الباردة مثل نظام "مورس" للاتصال المشفر، مما يعكس محاولة الخلايا الالتفاف على الرقابة الإلكترونية المتقدمة. وتؤكد المعلومات أن هذه الخلايا كانت تسهل دخول وخروج شخصيات غير مرغوب فيها، أو توفر ملاذا آمنا داخل الكويت أو خارجها، وتعمل تحت غطاء شركات ومؤسسات، مثل المطاعم أو الشركات الاستثمارية وشركات إدارة الأعمال.

السعودية... من أبراج الخبر إلى الشبكات المالية

لم تكن السعودية بمنأى عن الشبكات المرتبطة بفكر نظام الحكم في إيران، حيث سعى "الحرس الثوري" لزرع ذراع مسلحة تحمل اسم "حزب الله الحجاز" لتنفيذ عمليات انتقامية.

ويُعد تفجير أبراج الخبر في يونيو/حزيران 1996 العملية الأكثر دموية في تاريخ هذه الشبكات بالمملكة، حيث أدى انفجار صهريج مفخخ إلى مقتل مواطن سعودي و19 جنديا أميركيا. وقد أثبتت التحقيقات دور أحمد إبراهيم المغسل، بوصفه العقل المدبر وقائد هذه المجموعة، وهو الذي نجحت الاستخبارات السعودية في القبض عليه ببيروت عام 2015.

تتكون الشبكات العاملة مع "الحرس الثوري" و"حزب الله" من أشكال مختلفة، تبدأ بقيادة الظل الخفية التي تدير العمليات من خارج دول الخليج، أي من طهران أو الضاحية الجنوبية لبيروت

كما كشفت التطورات اللاحقة عن استمرار الارتباط الوثيق بين عائلة المغسل و"حزب الله"، حيث قُتل عمران أحمد المغسل (نجل أحمد المغسل) في جنوب لبنان في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. وعمران لم يكن مجرد مقاتل، بل كان "حلقة وصل" تدير شبكة مالية تشمل شركات سياحية في لبنان وإيران، وتسهم في نقل الأموال لدعم ميليشيات الحوثي في اليمن وتغذية التحريض. هذا الارتباط يؤكد أن الخلايا السعودية المرتبطة بإيران هي جزء من هيكلية "إقليمية" وليست مجرد تنظيم محلي.

البحرين... الاستطلاع والعمل الميداني

في مملكة البحرين، اتخذ نشاط "الحرس الثوري" شكلا استخباراتيا ميدانيا. ففي مارس/آذار من هذا العام أيضا، أعلن المحامي العام البحريني إحالة 14 متهما شكلوا خلايا "تخابر" مع "الحرس الثوري" الإيراني. لم تكن مهمة هذه الخلايا مجرد التجسس التقليدي، بل عملت كـ"وحدة استطلاع ميدانية" مكلفة برصد وتصوير مواقع دفاعية ومنشآت طاقة حساسة، واستخدام برامج تشفير متطورة لإرسال بيانات حية وإحداثيات دقيقة خلال عمليات القصف التي يقوم بها "الحرس الثوري". حيث يقوم بعض أعضاء المجموعة بتصحيح مسارات الصواريخ، وبينت التحقيقات أن "الحرس الثوري" استخدم البيانات المرسلة من هذه الخلايا لضمان إصابة الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية لأهدافها داخل البحرين، مثل مصفاة النفط التي تعرضت للهجوم، كما يقوم آخرون في المجموعة بنشر أخبار كاذبة وشائعات عبر حسابات إلكترونية تدار من إيران لإثارة الذعر وتمجيد الهجمات.

الإمارات... سلاح المال

وبينما ركزت الخلايا في دول أخرى على الجانب التخريبي، واجهت الإمارات استراتيجية إيرانية أكثر تعقيدا تستهدف "الاختراق الاقتصادي" وغسل الأموال. فقد أعلن جهاز أمن الدولة في 20 مارس 2026 تفكيك شبكة ممولة ومدارة من قبل "حزب الله" وإيران، تعمل تحت غطاء شركات تجارية وهمية بهدف غسل الأموال من خلال تحويل عوائد تجارة مخدر الكبتاغون والنفط الإيراني المهرب إلى أصول سائلة. والعمل على تجاوز العقوبات الدولية والأميركية من خلال شراء معدات "مزدوجة الاستخدام" مثل رقائق الحواسيب المتقدمة وقطع المسيرات وشحنها إلى إيران، كما العمل لاستخدام منصات تداول العملات المشفرة لتمويل عمليات "حزب الله" الخارجية بعيدا عن الرقابة التقليدية.

أ.ف.ب
سحابة من الدخان تتصاعد جراء حريق قرب مطار دبي الدولي، 16 مارس 2026

وظهر نمط مختلف من النشاط الإيراني عبر كشف مجموعة أخرى منظمة مرتبطة دينيا بولاية الفقيه، من خلال التسلل التدريجي داخل المجتمعات المستقرة، عبر بناء شبكات، مستفيدين من الاستقرار لاستخدامهم كغطاء للحركة.

قطر 2026... ضبط خلايا "الحرس"

ومثّل الإعلان القطري في مارس أيضا عن ضبط خليتين تتبعان "الحرس الثوري" الإيراني، مثّل تحولا في العلاقات الثنائية. فبعد سنوات من التوازن الدبلوماسي، وجدت الدوحة نفسها أمام اختراق أمني مباشر تزامن مع هجمات صاروخية إيرانية استهدفت قاعدة العديد ومنشآت طاقة.

وقد كشفت الدوحة عن القبض على 10 متهمين، أقروا بتكليفهم بمهام تجسسية وتخريبية، وعُثر بحوزتهم على إحداثيات لمرافق حساسة ووسائل اتصال مشفرة. هذا التطور يؤكد أن استراتيجية "تصدير الاضطراب" الإيرانية لا تستثني أي دولة خليجية، وتعتمد على مبدأ "الخيانة من الداخل" عبر استغلال الأيديولوجيا أو المال. ويتم تجنيد أفراد هذه الخلايا غالباً عبر المنطلق الأيديولوجي، وفي مراكز دينية، أو تجمعات اجتماعية مكثفة عاطفياً، مثل مواسم الحج أو الزيارات الدينية.

هيكلية "تصدير الاضطراب"

تتكون الشبكات العاملة مع "الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله" من أشكال مختلفة، تبدأ بقيادة الظل الخفية التي تدير العمليات من خارج دول الخليج، أي من طهران أو الضاحية الجنوبية لبيروت. ويتم العمل على التواصل مع عناصر محلية أو وافدة تم تدريبها عسكرياً واستخباراتياً في معسكرات داخل لبنان أو في إيران. ويعمل إلى جانبهم جيش إلكتروني يدير الحملات الإعلامية عبر المنصات الرقمية لاستقطاب الشباب وتوجيه الرأي العام.

مع تضاؤل الموارد التقليدية نتيجة العقوبات الدولية، انتقل "حزب الله" وإيران إلى الاعتماد المكثف على الاقتصاد غير المشروع

يُغرس في المجندين أن أيديولوجيتهم هي المسار الوحيد لـ"تحرير القدس ومواجهة العدو"، مما يجعلهم ينظرون إلى دولتهم الوطنية باعتبارها عائقاً أمام مشروعهم. هذه الشبكات أو ما يُعرف بالخلايا النائمة، تعمل دائما بأسلوب العمل السري. وغالباً ما يتم التجنيد عبر عناصر "موثوقين" داخل هذه الخلايا، وفي بعض الأحيان يجري ذلك في مراكز دينية، باعتبارها تجمعات كبيرة يُستغل وجودها لهذا الغرض. وأفرادها يتوافقون مذهبياً وأيديولوجيا، وتبدأ التنظيمات بالاعتماد على عامل مشترك يجمعهم، وهو الأيديولوجيا الموحدة، أو المرجعية المشتركة، أو الإعجاب بشخصية معينة، إلى جانب النزعة نحو التطرف المذهبي والطائفي.

"الكبتاغون" والذهب وأميركا اللاتينية

مع تضاؤل الموارد التقليدية نتيجة العقوبات الدولية، انتقل "حزب الله" وإيران إلى الاعتماد المكثف على الاقتصاد غير المشروع. وتشير الدراسات الأمنية إلى أن تجارة مخدر "الكبتاغون" أصبحت ركيزة أساسية، حيث تحولت الحدود اللبنانية-السورية إلى مصنع كبير لهذا المخدر، الذي يُهرب بانتظام إلى دول الخليج.

أ.ب
متظاهر إيراني يرفع علم "حزب الله" تحت لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة مع لافتة كتب عليها بالفارسية: "مضيق هرمز سيبقى مغلقا، والخليج بأكمله أرض صيد لنا"، خلال تجمع مؤيد للحكومة في طهران، إيران، في 4 مايو 2026

وتمتد هذه الشبكات إلى أميركا اللاتينية (منطقة الحدود الثلاثية بين الأرجنتين والبرازيل والباراغواي)، حيث تتعاون مع كارتيلات المخدرات في كولومبيا وفنزويلا لغسل مئات الملايين من الدولارات عبر تجارة السيارات المستعملة والذهب وتحويلها إلى أصول سائلة.

وقد انتقلت المواجهة خلال الأشهر الماضية إلى مستوى القضاء على المجموعات في مهدها، وتطوير منظومة ملاحقة "تبييض الأموال الرقمية" والتعاون الاستخباراتي بين عواصم الخليج، بهدف شل حركة المرتبطين بـ"الحرس" و"حزب الله".

ولم تعد الدول الخليجية تكتفي بالرد الأمني، بل فرضت رقابة صارمة على الجماعات السياسية، وتشديد الرقابة على أي نشاط مرتبط بالإسلام السياسي (سواء كان سنيا أو شيعيا)، يهدف لخدمة أجندات خارجية. ملزمة البنوك ومراكز الصرافة بتقديم "تقارير المعاملات المشبوهة" فوراً لمتابعة أصحابها.

font change