لبنان... ماذا لو فشلت واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق

ورقة تفاوضية وساحة لحرب بالوكالة

المجلة
المجلة

لبنان... ماذا لو فشلت واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق

سوء التقدير الذي يمكن أن يقع فيه اللبنانيون أو أي متابع لتفاصيل الحرب في لبنان هو الجزم بأن هذه الحرب ستكون قصيرة، أي إنها لن تتجاوز بضعة أسابيع أو أشهر قليلة، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، يدفع لإبرام اتفاق بين لبنان وإسرائيل بتعليق الحرب، أو وقفها إلى الأبد. علما أن الاحتمال الثاني يبتعد أكثر فأكثر، إذ لا يبدو أن هذه الحرب ستقفل الحساب بين "حزب الله" وإسرائيل، على الرغم من أن الإنهاك بدأ يصيبهما كما جميع الأطراف في المنطقة التي لم يسبق أن شهدت حربا إقليمية بهذا الحجم ولا بهذه المدة الزمنية إذ تكاد تبلغ الثلاث سنوات.

وقد ازدادت المخاوف من عودة التصعيد إلى الخليج بعد تحول مضيق هرمز، الاثنين، إلى بؤرة مواجهة مفتوحة، بعدما أطلقت قوات إيرانية صواريخ "كروز" ومسيّرات وزوارق صغيرة باتجاه سفن تابعة للبحرية الأميركية وأخرى تجارية، بالتزامن مع بدء الجيش الأميركي مهمة "مشروع الحرية" لإعادة تشغيل الملاحة وإخراج السفن العالقة في المضيق الحيوي. وفي المقابل أعلن الجيش الأميركي أنه دمر ستة زوارق إيرانية صغيرة واعترض صواريخ كروز وطائرات مسيّرة أطلقتها طهران. وجاء التصعيد ليضع وقف إطلاق النار الهش تحت ضغط مباشر، مع توسع دائرة النار إلى سفن تجارية وإلى الإمارات.

بالتالي تواصل المنطقة العيش على وقع التأرجح بين اللاسلم واللاحرب وهي حالة بدأت، بحسب "أكسيوس" تغضب الرئيس ترمب ولذلك قرر تحريك المياه الراكدة من خلال "مشروع الحرية"، فإما أن تنجز إيران الصفقة، وإما "سيدمرها" كما قال الاثنين، ولكنه سبق أن قال كلاما مشابها مرات عدة ومن ثم تراجع عنه، إلا أنّ ذلك لا يعني أنه لن يكون مستعدا لتوجيه ضربات سريعة ضدّ منشآت إيرانية لدفع النظام الإيراني إلى إبداء مرونة أكبر في المفاوضات. مع العلم أنه كان أعلن، الأحد، أن مسؤولين أميركيين يجرون مناقشات "إيجابية للغاية" مع إيران بشأن خطوات محتملة لإنهاء الحرب، وهذا في وقت أشارت فيه تقارير إلى استعدادات عسكرية مشتركة لواشنطن وتل أبيب تحسبا لاحتمال استئناف الهجوم ضد إيران.

لا يجب استبعاد احتمال أن يبقى "الملف الإيراني" ومعه المنطقة معلقة بين الحرب والسلم لفترة طويلة، فلا تتجدد الحرب ولا يتم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران

أيا يكن من أمر فإن اعتبار أن العالم، وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة، لن يتحمل المزيد من الخسائر واضطراب الأسواق وموجات التضخم، وأن إيران الواقعة أيضا تحت حصار غير مسبوق مستعدة لفعل أي شيء لفكه وسترضى بعد وقت قصير بأي عرض يقدم لها لتحقيق ذلك، هذا الاعتبار القائم على أن جميع الأطراف لا بد أن تبحث عن اتفاق وأن ذلك لن يستغرق وقتا طويلا، هو في أقل تقدير اعتبار متعجّل. فحتى الآن لا يبدو أن النظام الإيراني، الذي قبض عليه "المتشددون" في وارد التراجع، بل هو سيسعى إلى التأقلم مع الوضع الجديد، وقد اعتاد العيش تحت العقوبات وإن كان الحصار أشد ضررا وأكثر وقعا وصعوبة في الالتفاف عليه، ولكن يجب إبقاء احتمال أن تقدر طهران على التعايش معه قائما. وفي مطلق الأحوال فإن النظام الإيراني لا يمكنه التراجع إلى الحد الذي يرضي إدارة دونالد ترمب، وهو لذلك لا يزال يتحدث عن مطالب أميركية مفرطة.

وليس قليل الدلالة في هذا السياق، أن يكون المقترح الإيراني الأخير للحل يقضي بتأجيل البحث بالملف النووي إلى ما بعد اتفاق ابتدائي مع الأميركيين يؤدي، في مبادئه الرئيسة، إلى فك الحصار الأميركي عن إيران مقابل تحرير إيران الملاحة في مضيق هرمز ووقف الحرب. وفي المقابل فإن الرئيس ترمب لا يستطيع أن يقبل باتفاق بشروط أقلّ على إيران من اتفاق باراك أوباما في 2015، في وقت أن إسرائيل تعتبر أن أي اتفاق مع إيران لا يعالج مسألة تخصيب اليورانيوم ومنظومات الصواريخ والوكلاء، "سيشكل خطراً عليها أكثر من كونه حلاً". بالتالي إذا كانت الشروط الأميركية تبدو أخفّ من الشروط الإسرائيلية في أي اتفاق مع طهران، فمن الصعب التصور كيف يمكن لترمب أن يقبل باتفاق لا يظهره منتصرا في الحرب من خلال تثمير نتائجها العسكرية التي يعتد بها في مضمون الاتفاق، تلك الحرب التي اندفع إليها بخلاف وعوده الانتخابية ومن دون استراتيجية خروج، وهو ما يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية عليه في داخل الولايات المتحدة عشية الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

رويترز
مشيعون يحضرون جنازة لعناصر من حزب الله، قُتلوا خلال الحرب مع إسرائيل، في المنصوري، جنوب لبنان، 23 أبريل 2026

الأكيد إذن أن ترمب لا يمكنه سلوك طريق "الاتفاق السيئ"، الذي تخيره إيران بينه وبين "العملية (العسكرية) المستحيلة"، لمجرد الاعتقاد بأن وقف الحرب سيقلب المشهد الانتخابي لصالحه. لا بل إن أي اتفاق من هذا النوع سيكون بمثابة هزيمة استراتيجية له ولـ"ماغا" وللجمهوريين بل وللولايات المتحدة نفسها، وسيكون كل الكلام الأميركي عن إضعاف إيران وتكبدها خسائر عسكرية واقتصادية فادحة من جراء الحرب بلا طائل ويفتقر إلى الصدقية، وهذا في وقت يصعب التصور كيف يمكن لإيران تعويض خسائرها وإعادة بناء ما دمرته الحرب من دون اتفاق مع واشنطن يرفع عنها العقوبات ويعيد إدخالها في الأسواق الدولية. مع العلم أنه ليس من المؤكد ما إذا كانت واشنطن تطمح إلى اتفاق يتيح كل ذلك لإيران أم إنها تراهن على أن تؤدي نتائج الحرب إلى مفاقمة النقمة الداخلية على النظام الإيراني في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة، وربما سقوطه حتى.

في مطلق الأحوال فإنه لا يجب استبعاد احتمال أن يبقى "الملف الإيراني" ومعه المنطقة معلقة بين الحرب والسلم لفترة طويلة، فلا تتجدد الحرب ولا يتم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران على "الحل النهائي" بل ربما يتم التوصل إلى تفاهمات موضعية و"على القطعة" تعيد فتح مضيق هرمز، مع إبقاء الضغوط الاقتصادية وسيف الحرب مسلطة فوق رأس نظام "الحرس الثوري" في إيران. والسؤال ماذا سيكون عليه الوضع في لبنان أمام احتمال كهذا؟  

إيران لا تريد أي اتفاق لبناني مع إسرائيل بمعزل عن اتفاقها مع الولايات المتحدة، في استعادة لتجربة سوريا، إبان عهدي الأسد الأب والابن، مع لبنان، وذلك من خلال شعار "تلازم المسار والمصير"، في أي مفاوضات مع إسرائيل

لا ريب في أن بقاء التوتر قائما في الخليج وتجميد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قد يحول جنوب لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة بين الجانبين، في عودة إلى الوضع السابق والذي استمر ومن دون انقطاع زهاء أربعة عقود، أي منذ ثمانينات القرن الماضي. وهذا ما بدأت ملامحه تتكون الآن في جنوب لبنان، فمقابل عودة الاحتلال الإسرائيلي بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات، يعيد "حزب الله" إنتاج سردية المقاومة وتكتيكاتها أيضا، في استرجاع لنمط الثمانينات والتسعينات؛ أي إنه لم يعد يقدم نفسه كجيش مقابل الجيش الإسرائيلي كما دأب على الفعل بين حربي 2006 و2024. بل عاد إلى أنماط حرب العصابات والخلايا المستقلة وأسلوب الكر والفرّ، وقد نجح بعد إعلان وقف إطلاق النار الأخير، في استخدام سلاح المسيرات بحيث خلق واقعا أمنيا صعبا على إسرائيل في جنوب لبنان، ما يضعها أمام سيناريو حرب استنزاف في حال استطال الستاتيكو القائم.

وهذا ما يحاول بنيامين نتنياهو تجنب الوقوع فيه، ولكنه محاصر بالخطوط الحمراء التي وضعها دونالد ترمب أمامه في لبنان، ولذلك فهو بات في وضعية ارتباك، إذ لا يسعه الانسحاب من جنوب لبنان من دون تحقيق أهداف الحرب، ولو في أخفض سقوفها، أي درء خطر "حزب الله" عن مستوطنات الشمال وليس القضاء عليه أو نزع سلاحه، كما أنه لا يستطيع متى شاء أن يوسع دائرة هجماته خارج "المنطقة العازلة" لاستهداف المزيد من البنى التحتية العسكرية لـ"الحزب"، ولاسيما مع بروز خطر المسيرات الانقضاضية، وذلك بفعل الحظر الذي يفرضه عليه ترمب منذ إعلان وقف إطلاق النار. وليس قليل الدلالة في هذا السياق ما سربته "القناة 12" من أن نتنياهو طلب من ترمب تقييد سقف المفاوضات مع لبنان بمدة لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة، وذلك لكي يتمكن من توسيع هامش حرية الحركة للجيش الإسرائيلي داخل لبنان، تجنبا للوقوع في فخ الاستنزاف داخل "الخط الأصفر"، بما يرتبه ذلك من تداعيات سياسية على معسكر "بيبي" عشية الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وبدا خلال الساعات الماضية أن واشنطن قد منحت تل أبيب مزيدا من الهامش في حركتها داخل لبنان، إذ توسعت دائرة التهديدات الإسرائيلية لتشمل قضاءي صور والنبطية في الجنوب.

رويترز
يتصاعد الدخان في بلدة حبوش جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية، كما يُرى من النبطية، لبنان، 1 مايو 2026

إيران في المقابل تدعم "حزب الله" في خيار استمراره في المواجهة، فأولويتها الآن وقبل التوصل إلى اتفاق شامل مع واشنطن، هو أن تستمر الحرب في لبنان بالوتيرة الحالية، أي أن لا يحصل اتفاق بينه وبين إسرائيل يعيد تكريس حرية الحركة لها كما في المرة السابقة، أي في نوفمبر 2024، بما يعيد إنتاج الهزيمة العسكرية لـ"حزب الله" ويعمقها أكثر. فإذا كانت إيران قبل الحرب الأخيرة ضدها لم تخاطر بالانجرار إلى الحرب الإقليمية للدفاع عن "الحزب" وتحسين شروطه، فهي بعد الحرب عليها، لا تستطيع التخلي عن "الحزب" بعد أن أعلنت بنفسها أنه دخل الحرب دفاعا عنها، وإلا كان ذلك انكشافا لضعفها وتراجعها أمام الولايات المتحدة وإسرائيل. مع العلم أن "رويترز" كانت نقلت، الاثنين، عن أكثر من 12 مسؤولاً في "الحزب" قولهم إن "ما جرى قد يتيح فرصة لإعادة خلط الأوراق عبر ربط الساحة اللبنانية بالمسار الإيراني في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل". ويستند هذا التقدير، بحسب هؤلاء، إلى قناعة بأن انخراط "الحزب" في الحرب سيجعل لبنان جزءاً من جدول أعمال أي مفاوضات أميركية-إيرانية، بما قد يؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق نار أكثر تماسكا من تفاهم 2024.

بالتالي من الواضح أنّ رهان "حزب الله" الرئيس هو على اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران يشمل لبنان، كما قال أيضا النائب في كتلة "حزب الله" إبراهيم الموسوي. لكن ما يجب أخذه في الاعتبار هنا هو أنّ إيران لا تريد أي اتفاق لبناني مع إسرائيل بمعزل عن اتفاقها مع الولايات المتحدة، في استعادة لتجربة سوريا، إبان عهدي الأسد الأب والابن، مع لبنان، وذلك من خلال شعار "تلازم المسار والمصير"، في أي مفاوضات مع إسرائيل. إيران تسعى الآن إلى إعادة إنتاج هذا الشعار، أي إنها ترفض أي مسار لبناني للتفاوض مع إسرائيل مستقل عن مسار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.

قد لا يستمر الرئيس الأميركي في كبح إسرائيل إذا لم يلمس استعدادا أو قدرة لبنانية لـ"اتفاق واسع" مع إسرائيل، ولاسيما إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران

هذا الموقف الإيراني يحوّل لبنان مرّة جديدة إلى ورقة من أوراق إيران التفاوضية، وإلى ساحة صراع بالوكالة، بينها من جهة، وبين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية، وهذا هو التحدي الرئيس أمام مسار المفاوضات المباشرة الذي تخوضه الدولة اللبنانية مع إسرائيل بوساطة أميركية، وهو مسار لم يبدأ عمليا بعد ولكن عقد اجتماعان تحضيريان له حتى الآن ومن المتوقع أن يعقد اجتماع ثالث الأسبوع المقبل للإعلان عن تمديد الهدنة الهشة مرة ثانية.

أ.ف.ب
يمر السكان النازحون بسياراتهم أمام المباني المدمرة أثناء عودتهم إلى مدينة النبطية جنوب لبنان في 18 أبريل 2026

وفي ظل تعقيدات المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن، والتساؤلات بشأن قدرة إيران على الرد على "مشروع الحرية" بما قد يكرس أكثر اختلال موازين القوى بينها وبين الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن تدفع طهران بقوة أكبر نحو تصليب المواجهة في جنوب لبنان في محاولة لاستنزاف الجيش الإسرائيلي وإرباك حكومة بنيامين نتنياهو. وهذه استراتيجية إيرانية سيدفع ثمنها لبنان وجنوبه المحتل والذي يتعرض كل يوم لجنون القصف والتدمير الإسرائيليين مع ارتفاع مستمر لحصيلة الضحايا المدنيين. في وقت لا تستطيع طهران تحسين شروط وقف إطلاق النار في لبنان بحيث يقيد إسرائيل أكثر، لا بل ما يحصل هو العكس تماما، إذ كلما زادت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتعقدت المفاوضات أكثر توسع هامش الحركة الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، والأدهى أن أي تصعيد إضافي في الخليج قد يسقط الضوء الأحمر الأميركي أمام إسرائيل لعدم استهداف الضاحية الجنوبية وبيروت الإدارية.

أما مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة فهو يخضع باستمرار للضغوط الأميركية والإسرائيلية، فبين إصرار إدارة ترمب على عقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ونتنياهو في البيت الأبيض، وبين رفض عون لعقد هذا اللقاء الآن، يصبح من الصعب تقدير مستقبل هذه المفاوضات، في حال لم يشعر ترمب بأنها ستقدم له "صورة نصر". والأدهى أن الرئيس الأميركي قد لا يستمر كبح إسرائيل في لبنان إذا لم يلمس استعدادا أو قدرة لبنانية لـ"اتفاق واسع" مع إسرائيل، ولاسيما إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران. بالتالي فإن الخيارات أمام لبنان تضيق أكثر فأكثر، فبين استخدام إيران للجنوب كورقة تفاوضية، وبين وضع الولايات المتحدة وإسرائيل سقفا عاليا للمفاوضات مع لبنان، فإنه لا يبقى أمام الرئيسين عون ونواف سلام سوى السير بين الألغام الداخلية والخارجية الكثيرة. فالمفاوضات طريقهما الوحيد للانفكاك عن المسار الإيراني، ولكنها في الوقت نفسه عرضة للضغوط الأميركية والشروط الإسرائيلية، وبين الإثنين تكمن "شياطين" الحرب الأهلية، فهل من مخرج من هذا "المأزق التاريخي"؟

font change

مقالات ذات صلة