35 عاما على رحيله... محمد عبد الوهاب والتطوير الموسيقي العابر للأجيال والحدود

امتلك سر البقاء معاصرا ومتقدما على ملحني زمنه

35 عاما على رحيله... محمد عبد الوهاب والتطوير الموسيقي العابر للأجيال والحدود

قبل نحو سبعين عاما، كتب محمد عبد الوهاب أن الجمهور في بلده مصر يجد "الموسيقى الرفيعة بمقاييسها العالية" ـ ويقصد أساسا الموسيقى الغربية السمفونية ـ متناثرة في الأفلام السينمائية، فتنفذ إلى ذهنه و"قد لا ينتبه إليها ولكنها تترك في قرارة نفسه أثرا لا يمحى يصبح جزءا من طبيعته"، فإذا تيسرت حاله أمكنه أن يستمع إلى المجموعات الموسيقية ـ ويقصد الأوركسترا ـ "فصارت إذن الموسيقى الغربية كالموسيقى الشرقية جزءا من تراث الشعب لا تنتظر غير الملحنين والمؤلفين" (محمد عبد الوهاب، تصدير كتاب "كيف تتذوق الموسيقى" للمؤلف الموسيقي الأميركي آرون كوبلاند وترجمة محمد رشاد بدران، مطبعة مصر، 1957).

كان عبد الوهاب، الذي تحل اليوم الذكرى الخامسة والثلاثون لوفاته، آنذاك قد جاوز الخمسين بالتأكيد، رغم اختلاف الآراء في تقدير ميلاده، أوائل القرن الماضي، وتربع على سدة الملحنين معتزلا الغناء في الحفلات ومكتفيا ببعض التسجيلات. أي أنه كان آنذاك يتكلم من موقع من أنجز قدرا كبيرا من مسيرته المهنية الموسيقية بنجاح باهر، وإن كانت الأيام لا تزال تخبئ له فرص تعاون كثيرة مع كبار، لا سيما أم كلثوم. فأهمية هذا التصدير إنه يكشف لنا رؤية عبد الوهاب نفسه لموسيقاه وتجربته.

وإذا تذكرنا أن عبد الوهاب كان، على ما يروي في مكان آخر، يدرس مع العظيم الآخر محمد القصبجي عزف العود وتفكيك القطع الغربية بأن يجربا عزف خطوطها المختلفة معا، وأنه، في المشهد المسرحي الذي مثل فيه بروفا لتسجيل "من غير ليه" حيث يقاطعه المذيع مفيد فوزي كان يدندن على العود، منذهلا من الجمال الموسيقي، سيريناده لشوبرت، فإن بالإمكان فهم الأثر الكبير الذي تركته الموسيقى الغربية الأوركسترالية على كبير الملحنين العرب.

يكشف هذا التصدير بداية عن نظرة خاصة بعبد الوهاب لمسألة الهوية، فحين يقول إن الموسيقى الغربية باتت جزءا من تراث الشعب (العربي) لأنه يستمع إليها في الأفلام والاسطوانات (وقد نضيف اليوم المسلسلات و"نتفليكس" ومقاطع الـ"تيك توك"...الخ) فهذا يعني أن هذا التراث ليس مقفلا على "الموروث".

كل ما أسمعه يصير ملكي

التراث هنا، كما يبدو من جملة عبد الوهاب، هو المادة الأولية التي تنتظر الملحنين والمؤلفين كي ينشئوا، انطلاقا منها، أعمالهم الجديدة. إنه بمعنى ما "الهوية" العميقة التي ينطلقون منها كي يتفردوا ويضيفوا ويعيدوا تشكيلها. لكن هذين التراث والهوية، ليسا مغلقين ولا جامدين. كل ما أسمعه، يصير ملكي، يقول عبد الوهاب، ناقلا معيار النجاح من "التقليد" وإعادة تأويل القديم، إلى انتاج جديد معاصر، والمعاصرة هنا هي الاستفادة من المسموع الجديد الذي أتاحته الوسائط الحديثة (بدءا من المسرح والأوبرا، وصولا إلى التسجيلات على المنصات المختلفة).

حين يقول إن الموسيقى الغربية باتت جزءا من تراث الشعب (العربي) لأنه يستمع إليها في الأفلام والاسطوانات، فهذا يعني أن هذا التراث ليس مقفلا على "الموروث" 

يذكر هذا بقول آرون كوبلاند نفسه : "أنت تصنع الموسيقى التي تراها طبيعية بالنسبة لك. ثم تأمل أنها قد تلهم المستمع ببلدك وزمنك وشخصيتك". يدل كوبلاند إذن أن ربط الموسيقى ببلد أو زمن أو شخصية هو من صنع المستمع، لا المؤلف. على المؤلف أن ينتج ما يجده هو طبيعيا، أي متوافقا مع تراثه، مع ما استقر في أذنه ووجدانه، ومع فهمه واستماعه وطرائق زمنه وتقنياته. على المؤلف ألا يخضع لنظرية مسبقة أو لهوية وطنية جامدة، فهو لا يشارك في الأولمبياد حاملا راية البلد، بل ينتج فنه. اشتباك هذا الفن مع كل ما سبق هو ما يجعله مرتبطا إذن لا فقط بالبلد، وبالشخصية، بل أيضا بالزمن، حيث يقف المؤلف على تقاطع كل تلك الخطوط.

عبد الوهاب نفسه ابن كل تلك الخطوط (ولا تكفي مقالة قصيرة بالطبع لعرض تاريخه ومنجزه الضخم في الغناء والتلحين والمسرح والسينما والإنتاج والعمل النقابي). وهو نفسه إذ يعرض لبداياته، في التصدير نفسه، يقول عن المسرح الذي عمل فيه صغيرا، إنه "فن غربي خالص انتقل إلى الشرق وفهمه الناس".

أول النجوم

حرص عبد الوهاب، لا سيما بعد اتصاله بعلية القوم، وخاصة بأحمد شوقي، على الاستماع إلى أسطوانات كبار العازفين، وإلى الحفلات الموسيقية التي كانت تقام بالقاهرة، كما التحق هو نفسه بمعهد يدرس النظريات الغربية. بالتوازي، كان عبد الوهاب أيضا يدرس في نادي الموسيقى العربية، ويتعلم على الشيخ درويش الحريري (وقد غنى من ألحانه موشح "حبي زرني" ودور "أحب أشوفك")، ويجلس بين يدي الشيخ علي محمود، غير مفوت فرصة للاطلاع والفهم والنهل من ينابيعهم الغزيرة، وشارك ايضا في بعض أعمال مؤتمر الموسيقى العربية الأول سنة 1932، لا سيما حيث أفتى هو وأم كلثوم بعدم صلاحية البيانو الشرقي ذي الأرباع الصوتية المتساوية للغناء الشرقي.

AFP
أم كلثوم مع محمد عبد الوهاب في أحد لقاءاتهما النادرة في القاهرة خلال الستينيات

وفي المسرح الغنائي، أكمل عمل سيد درويش (ذلك المنفتح أيضا على موسيقات الأقوام المختلفة والحالم بالدراسة في إيطاليا لولا وفاته المبكرة) في مسرحية مع منيرة المهدية، قبل أن يصبح أول نجوم السينما الغنائية المصرية، مقدما فنا غنائيا يحتاج إلى التوافق مع متطلبات السينما، تقنية ومفهوما، بانيا بالطبع على ما كان المسرح الغنائي قد أنتجه.

في المسرح الغنائي، أكمل عمل سيد درويش في مسرحية مع منيرة المهدية، قبل أن يصبح أول نجوم السينما الغنائية المصرية

لا يعاب على عبد الوهاب اطلاعه وتأثره وحتى "سرقاته" التي اعترف بها أو لم يعترف (وفي تراث العرب الشعري مثلا دزينة من أصناف السرقات منها ما هو مكروه، ومنها ما هو محمود إذا أضاف ولم ينقص). وليس تنزيهه عن العيب بسبب شهرته، بل بسبب نجاحه الفني في إنشاء مشروع خاص، وجماهيري، لم يصدم الجمهور ولم يمتنع عن تقديم الجديد المنفتح إليه. أي أن عبد الوهاب لم يعلق في المفاضلة بين الشرق والغرب، وفي معظم الأعمال نجح، حيث فشل كثيرون غيره، في أن يتجاوز مسألة تقديم شذرات متجاورة من العالمين إلى انتاج "صوت" خاص بموسيقاه، صار عمليا صوت الشرق كله، مع تأثر تركيا، حيث كانت تعرض أفلامه بل وتدبلج أحيانا أغنياته، ولبنان وسائر البلاد به.

 SAMI SOLH ALBUM / AFP
رئيس الوزراء اللبناني سامي الصلح يكرّم الموسيقار محمد عبد الوهاب في بيروت خلال الخمسينيات، وقد أدخل مع أحمد شوقي الألحان الغربية إلى الأغنية العربية

ولا يعاب عليه أيضا "إفساد الموسيقى المقامية"، فهو في الحقيقة أرسخ فيها من كل منتقديه، وأدق أبعادا وأوسع حفظا، وهو في الواقع أعمق فهما لما يشكلها، أي الأجناس الموسيقية أو الوحدات التركيبية التي تتألف من تراكيبها موسيقانا، وقد تشرب عميقا من أساتذته المشايخ خصوصا ومن الموشحات مسائل علاقات الكلام ونبره بالايقاع وتركيب الجملة الموسيقية (وإن كان قد استدخل، تفاعلا مع زمنه، العديد من الإيقاعات الغربية الرائجة). ولئن رفض "السير المقامي" الملزم الذي يقول به بعض المنظرين، فذلك ليس بمنكر عليه، إذ أن الموروث نفسه لا يدل على وجود مثل هذا السير الملزم (وهذا نقاش يطول)، بل إن نماذجه تدل على التنوع الكبير لما قد يندرج حتى تحت اسم نغمة واحدة كالحجاز أو البياتي مثلا.

تغييران بارزان

ومن النزاع حول أعماله المبكرة، مثل "يا جارة الوادي" وما رواه هو في إحدى الجلسات عن طريقة أدائه لموشح "املا لي يا دري"، يبدو أن التغييرين البارزين اللذين خرج بهما عن القواعد المسبقة كانا  من جهة أولى عدم التزام العودة في آخر العمل إلى جنس بدايته، أي فتح العمل على انطلاقة خطية لا دائرية، وقد قام القصبجي بعمل مشابه بكسر ضرورات العودة إلى فقرات لازمة عندما طور قالب "المونولوغ" الغنائي، وهو عمل غنائي دون لحن يستعاد بعد كل فقرة، بعكس الطقاطيق، ومن جهة ثانية عدم إجهاد الصوت بالعرب والعفقات والذبذبات والزخرفات الفائضة، وهذا أيضا قامت به أم كلثوم لا سيما مع القصبجي، أي عملية تشذيب الأداء الصوتي وتطويعه وإخضاعه إلى عقل المطرب أو المطربة وإلى اختياراتهما الذوقية بحيث تصبح كل زخرفة إضافة في موضع مقصود ومحتفى به.

AFP
أم كلثوم مع الملحن محمد القصبجي في الخمسينيات.

 وفي تقديري أن هذا من تأثير فن الإنشاد، لا سيما الشيخ علي محمود، وكأنه جسر بين الأجيال. ويكفي لإبراز ذلك مقارنة أعمال الست مع القصبجي أو بعد منتصف الثلاثينيات، وكذلك أعمال عبد الوهاب منذ مطلع الثلاثينيات، بأساليب غناء منيرة المهدية وعبد الحي حلمي وغيرهما من أساطين المذهب الغنائي الأسبق.

لا يعاب عليه "إفساد الموسيقى المقامية"، فهو في الحقيقة أرسخ فيها من كل منتقديه، وأدق أبعادا وأوسع حفظا، وهو في الواقع أعمق فهما لما يشكلها

كذلك تحت اشراف عبد الوهاب والقصبجي، دخل التوزيع الموسيقي عالم الأغنية وظهرت أجيال من الموزعين مثل عزيز صادق وفؤاد الظاهري وأندريا رايدر وعلي إسماعيل وإبراهيم حجاج وغيرهم، وعلى أيدي الموزعين ظهرت بدايات أفكار الموسيقى التصويرية المحلية أيضا في الأفلام السينمائية بدل الاكتفاء بنقل موسيقى أجنبية كما هي.

كما خاض عبد الوهاب، وشريكه في هذه المعركة كالعادة محمد القصبجي، مجال إطالة المقدمات الموسيقية للأغاني، وقدم نحو خمسين من القطع الموسيقية البحتة، الراقصة وغير الراقصة مثل "فنتازيا"، وهي من أوائل أعماله، واسمها يدل على التأثر بالموسيقى الغربية، و"بلد المحبوب" و"عزيزة" و"حبي" و"ليالي لبنان" وسواها. وفي سياق مواز قدم السنباطي بعض القطع القليلة جدا، مثل "لقاء الحبيبين"، وكذلك القصبجي أيضا مثل سماعي الراست أو قطعة "ذكرياتي" التي يبدو أنها كانت مقدمة "رق الحبيب" قبل استبدالها.

يكفي الاستماع إلى هذه الأعمال، وإلى مقدمات أغنياته (مثل الكرنك، أو الفن، أو النهر الخالد)، ومقارنتها بما كان يقدم سواء قبله أو في زمنه من قطع موسيقية بسيطة تستعمل أحيانا مقدمات للغناء أو للوصلة مثل الدواليب أو بعض السماعيات الدارجة (وهنالك سماعيات في غاية الجمال طبعا لا سيما شغل جميل بك الطنبوري وطاطيوس أفندي، لكن الإنتاج المحلي لم يكن غالب الأحيان مساويا لها)، للتنبه إلى ما أدخله من التعقيد في الشكل والقالب ومن التطوير في "صوت الفرقة" بعد انتهاء عصر "التخت" واستغلال ما تتيحه الفرقة الموسعة من إمكانات، فطبع عمليا بصمته على صوت الموسيقى في الشرق لنحو سبعين عاما (حتى دخول الآلات الكهربائية).

عمل عبد الوهاب يظل وافر الدلالة على بلده وشخصيته وزمنه، ويظل في الوقت عينه جديدا شاهدا على العظمة التي يتيحها الانفتاح والتهجين والتلاقح الحضاري

تقصر هذه العجالة عن استيفاء الجوانب الكثيرة والمعقدة لإرث عبد الوهاب، الموسيقي والغنائي والسينمائي والتلحيني الذي مد ظله علينا قرنا من الزمان، وعلاقاته بالأجيال المتتابعة من الملحنين الذي امتلك وحده سر البقاء معاصرا لكل منهم في زمنه، بل ومتقدما عليهم في استشرافه الاحتمالات الآتية التي يفتتحها كل جيل فيسبقهم إليها.

AFP
محمد عبد الوهاب يعزف العود في القاهرة خلال الثمانينيات، وقد ترك التمثيل ليتفرغ للتلحين والغناء

عمل عبد الوهاب، كعمل الكبار في كل فن وفي كل عصر، يظل وافر الدلالة على بلده وشخصيته وزمنه، بل أزمنته المتعددة، ويظل في الوقت عينه جديدا شاهدا على العظمة التي يتيحها الانفتاح والتهجين والتلاقح الحضاري، بينما يترك للاحقين عبء البحث عن مساراتهم الخاصة بتحويل ارثه نفسه ـ الذي صار تراثنا الموروث ـ لا إلى قيد عليهم بل إلى منارة لهم ودليل.

font change

مقالات ذات صلة