"التلاوة المصرية" ومحورية النقد في إنعاش فن ينطفئ

القدرة النغمية عند مشايخ التلاوة ليست معزولة عن تطور فنون الغناء والموسيقى

غلاف "التلاوة المصرية"

"التلاوة المصرية" ومحورية النقد في إنعاش فن ينطفئ

يتصدى الباحث المصري هيثم أبو زيد لموضوع يكاد يكون يتيما لم يكتب بالعربية أحد فيه تقريبا نقدا رصينا من قبل، وهو موضوع "التلاوة القرآنية" في مصر، من الناحية الفنية وليس من ناحية أحكام التجويد ولا من ناحية الملامح الاجتماعية للتلاوة ومناسباتها. ويخصص لهذا الفن الفريد كتابا كاملا يرصد فيه "التلاوة المصرية"، ويسرد "قصة التوهج ومسارات الانطفاء".

يقارب أبو زيد هذا الفن وهو مؤهل لدراسته وتقييمه، فهو حاصل على إجازة التجويد ثم عالية القراءات من الأزهر الشريف، فضلا عن كونه ناقدا وكاتبا في مجال الموسيقى المصرية. ويقارب هذا المجال وهو عليه حريص أشد الحرص، فلا يكتفي بوصف هذا الفن وسرد قصته، بل يسعى بالكتابة إلى تغيير هذا المسار والدعوة إلى إعادته إلى سابق إشراقه.

وهو يفعل ذلك بحرص أيضا على قارئه، فيمده بكتابة جزلة تتعالى على الجفاف الأكاديمي المنفر ولا تأنف من بعض الانطباعية، التي تمنح حيوية للفصول، ولا من بعض أحكام الذائقة الفردية ما دامت منطلقة من أسس موضوعية ومؤطرة ضمنها. فانظر مثلا إلى حسن عبارته حين يقول عن الشيخ الشعشاعي إنه "كان أهم قراء مصر في التمهيد لإنهاء التلاوة. كان يستجمع كل طاقته الفنية والشعورية في الكلمات الأخيرة قبل "التصديق"... يشعرك بأنه يودعك، وبأن الوقت الجميل الذي قضيته معه قد انقضى". كما أن كتابته الممتعة تعلم القارئ العادي أيضا عن الفوارق بين الأحكام (كاختلافها في أطوال بعض المدود واختلاف اللفظات أحيانا مثل مسيطر بالسين أو بالصاد، وبعض أحكام الإدغام والحركات وسواها) التي تخضع لها القراءات المختلفة، كما في فصله "حدائق الترتيل" عن الختمات المرتلة والطرق المختلفة التي اتبعتها.

نطاق الدراسة

يضيء هيثم أبو زيد على أهمية فن التلاوة القرآنية في مصر، ومدى انتشاره في كل الأقطار العربية وفي العالم الاسلامي، والسمعة الفريدة التي اكتسبتها مصر في هذا المجال، حتى طغى أسلوب التلاوة المصرية في بعض الأقطار على الأسلوب المحلي الأقدم. وهو يحصر دراسته في إطار ما وصلنا من مقرئين سجلت تلاواتهم من مطالع عهد الإذاعة المصرية بالخصوص، فلا يسعى إلى دراسة تاريخية لتطور فن التلاوة في العموم، مثلما لا يسعى إلى تقديم كتاب متخصص في القراءات وأنماطها. بل هو يشدد على حصر الدراسة في مسار صعود فن التلاوة في مصر، بأجياله المختلفة، ثم اسباب انحداره قبل أن يقترح وسائل لإنعاشه مجددا.

يقترح الكاتب بعض الملامح العامة للتلاوة المصرية، مثل عدم التقعر في الأحكام مع الحفاظ على سلامة التجويد عموما، أي التنبه إلى المسافة ما بين الأحكام النظرية والتطبيق العملي لها، أخذا بالتسهيل المتاح، واستعراض القراءات ووجوهها المختلفة، والتغني باستخدام المقامات (معترضا على خرافة ان من الواجب اختيار مقام نغمي محدد لكل آية يفترض أن يوائم طبعه معناها، مما يحول المقرئ إلى مهرج صوتي في الواقع).

التلاوة القرآنية والإنشاد الديني والغناء الطربي الدنيوي لم تكن مجالات منفصلة، بل تغذت بعضها من بعض، وتلاقت أحيانا في شخص واحد مثل الشيخ يوسف المنيلاوي


 وفي اختيار هذا التغني وجمله تستعمل جمل نغمية تتراكم وتتوالد ويسلم بعضها بعضا، ضمن إطار نغمي يهدف أولا إلى منع الملل، وينشأ عنه تحويل علم القراءة القرآنية إلى فن حي مسموع تتلاقى فيه المتعة مع القداسة. وإذ يتميز المقرئون المصريون بزخارف صوتية وقفلات حراقة والتمهل في السير النغمي وبحسن إدارة أصواتهم لأداء مطول جدا أحيانا، فإنهم يستعينون بقدرات فذة على الارتجال، فيشدد أبو زيد على كونه "ارتجالا منضبطا" داخل نسق أدائي موروث تولد عن اكتناز لمدة قرون طويلة، وليس منفصلا عن الموسيقى المصرية بعمومها. أي إنه ارتجال لا يشذ عن هوية فنية لا تنشأ من الثبات بل من التكرار المشوب بالتجديد ويولد من تشبع القارئ المصري بتراث من التلاوة والغناء الطربي والإنشاد الصوفي والمدائح الشعبية.

MARWAN NAAMANI / AFP
امرأة مصرية تجمع الملابس أمام صورة كبيرة لأم كلثوم مرسومة على منزلها في حي كوم الغراب الفقير في القاهرة، 2 فبراير 2000

لعل الكاتب هنا يدلنا دون إطالة الى أحد مفاتيح ازدهار فن التلاوة في مصر، وإن لم يتوقف عند الجانب التاريخي فيه. فنهوض هذا الفن إنما حصل بالتوازي مع نهضة الغناء الفردي في مصر، زمن عبده الحمولي ثم الشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي وسلامة حجازي وغيرهم، ونعلم من عبد العزيز البشري أن بداية النمط الجديد لفن التلاوة على أيدي الشيخين حنفي برعي ثم أحمد ندا (وليس لهما تسجيلات) إنما كانت في الفترة نفسها وربما بنوع من التنافس لا سيما بين عبده الحمولي والشيخ أحمد ندا، مثلما نعلم أن الشيخ علي محمود كان في شبابه يحب الاستماع إلى الحمولي. وفي ظني أن التلاوة القرآنية والإنشاد الديني والغناء الطربي الدنيوي لم تكن مجالات منفصلة، بل تغذت بعضها من بعض، وتلاقت أحيانا في شخص واحد مثل الشيخ يوسف المنيلاوي. ويعني هذا أن القدرة النغمية عند مشايخ التلاوة ليست معزولة عن تطور فنون الغناء والموسيقى عموما في مصر، مثلما إن استقبالها العظيم عند باقي الشعوب لا ينفصل أيضا عن استقبال الكثير منهم لفنون الغناء المصري الطربي الذي كانت أم كلثوم علمه الأشهر.

عمالقة التلاوة

يتتبع هيثم أبو زيد عمالقة هذا الفن ويقسمهم أجيالا، منها رافعو القواعد أو من يسميهم أيضا أحيانا "عصر الاحتجاج"، أي العصر الذي تستقى منه قواعد هذا الفن ويحتج بها متى أتت منهم ويقاس عليهم من تبعهم، من أمثال المشايخ محمد رفعت، علي محمود، عبد الفتاح الشعشاعي، طه الفشني، وأبو العينين شعيشع. ثم بناة الصرح، مثل المشايخ كامل البهتيمي ومحمود خليل الحصري ومحمود علي البنا وعبد الباسط عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوي. ذاك قبل أن يتوقف مطولا عند الشيخ مصطفى اسماعيل، الذي بات صوته وأداؤه مدرسة فسيحة تسع هي في طياتها مقرئين متميزين مثل المقرئ الطبيب أحمد نعينع، قبل أن يختتم العصر المجيد لفن التلاوة بمقرئين جيدين لكن دون تمايز فعلي عمن سبقهم.

التلاوة القرآنية والإنشاد الديني والغناء الطربي الدنيوي لم تكن مجالات منفصلة، بل تغذت بعضها من بعض، وتلاقت أحيانا في شخص واحد مثل الشيخ يوسف المنيلاوي

وفي النبذات التي يقدمها عنهم لا يسعى الكاتب إلى سرد حياة كل من هؤلاء المقرئين بل إلى الإشارة إلى أبرز خصائصهم وأشكال تميزهم، وهو في هذا يعطينا لمحات بديعة في التذوق، مثل التنبه إلى أن التنقل بين المقامات ليس بالشأن المهم في ذاته، فهذا الشيخ مصطفى اسماعيل قد يبقى أربعين دقيقة في مقام واحد ينحت بداخله جملا فريدة وقفلات مطربة، أو مثل ضرورة الإنصات إلى ما قبل النقلة المقامية كي يستلذ السمع ما سوف يليها.

فالإنصات فن قائم بذاته على ما ينقل الكاتب عن الفيلسوف فؤاد زكريا. ومثل هذا الإنصات وحده يسمح بالانتباه إلى خصائص التلاوة المصرية والأصوات الفريدة فيها، كما وظيفة الصمت في تلاوة الشيخ رفعت، أو أشكال التصاعد والتدرج والتمهل، والبناء في القراءة، والتركيب والإشباع النغميين عند الشيخ مصطفى اسماعيل. وإذ يتوقف الكاتب أحيانا عند ملامح الخشوع والتهيب لدى عدد من المقرئين، إلا أنه يشدد باستمرار على أنهم أصوات فذة تؤدي فنا مميزا لكنهم ليسوا علماء قراءات متخصصين، مثلما يؤكد أن عالم القراءات ليس بالضرورة مقرئا يمكن لتلاوته أن تأخذ بمجامع القلوب.

أسباب الانهيار

يشخص أبو زيد أسباب الانهيار، بدءا بانقطاع الاصوات الجيدة المدربة والمتمكنة من الحفظ والأحكام والتي تشربت بالإنصات المطول "الجمل العمومية" للمدرسة المصرية بحيث يمكنها أن تقرأ دون أن تكون محض تقليد على أحسن الفروض. وينتقد مطولا "مدربي التلاوة" وأصحاب "دورات المقامات" من خبراء يكاد علمهم ينحصر إما في حفظ وتقليد بعض جمل المقرئين القدامى أو بعض القواعد النظرية عن التمييز بين المقامات، مما لا يؤهلهم مطلقا لتدريب وتكوين مقرئ جيد، بل يصف ذلك بأنه "التدريب المضلل".

ويتوقف عند تراخي لجان الاختبار وانهيار وظيفة الإذاعة في مصر عندما كانت حارسا للذوق كما كان محمد حسن الشجاعي (ت. 1963) الذي كان رئيس لجنة الاستماع بالإذاعة والذي رفض مطولا إجازة الكثيرين من ذوي الأصوات العظيمة كالشيخ سيد النقشبندي، الذي لم يدخل الإذاعة إلا منشدا وذلك بعد وفاة الشجاعي.

KHALED DESOUKI / AFP
رجل مصري مسن يقرأ القرآن بعد صلاة الجمعة في الجامع الأزهر في القاهرة، 2 أكتوبر 2015

يضيف أبو زيد الكثير من الملاحظات الدقيقة عن تفكك المعايير الحاكمة لهذا الفن، والدور الضار الذي نتج من الدورة الاقتصادية والتسويقية الحديثة في مضمار التلاوة، إذ بات لأصحاب السرادقات ومصوري الحفلات وسماسرة الدعاية على الإنترنت وجمهور المستمعين الفارغين الجهلة ممن يكيلون المدائح التافهة السقيمة الدور الأكبر في منح بعض المقرئين صدارة إنترنتية وفي تلميع بعض الأصوات التي لا تستحق والتي تتراوح ما بين النشاز الصوتي والإغراب فيه وبين النشاز الذوقي عن المدرسة المصرية والاستعانة بجمل سخيفة من الالحان الشائعة او القفلات الركيكة.

وربما يلمح أبو زيد إلى استنكار استدخال تأثيرات غير مصرية في التلاوة، غير إنني قد أجد أن ما يعاب في ذلك هو الفشل في الدمج والتلاقح وفي تحويل التأثير الوافد إلى جمالية منسجمة مع الإطار العام، وليس دخول مؤثر غير مصري في حد ذاته، فتاريخ الموسيقى المصرية (وهي الخزان النغمي الذي تنطلق منه التلاوة) وتراكمها مرتبط بمثل هذه التفاعلات عبر القرون، كما أن من العدل أن نحيي المدارس الأخرى بمثل ما استقبلت به المدرسة المصرية من حفاوة وتأثير في بلادها.

REUTERS/Peter Nicholls
تفصيل من مخطوطة قرآنية بعدسة مكبرة في مكتبة جامعة برمنغهام في بريطانيا، 22 يوليو 2015

مسارات المعالجة

ويحاول الباحث اقتراح مسارات لمعالجة أسباب هذا الانهيار، متأملا في أن تكون الشرائط وتسجيلات كبار المقرئين بديلا من التشرب الذي كان يحصل سابقا بمعايشة تلك الأصوات الاستثنائية والحضور الشخصي لجلساتهم، فيسمح الانصات الواعي والمطول إليها بأن يستبطن المقرئ الشاب الوقار والأدب و"ذوق" المدرسة المصرية وطابعها في بناء الجمل النغمية وفي الانتقالات وفي القفلات وفي الأناة وحسن إدارة الصوت الحسن إذا وجد، وهو اول الشروط.

استعادة التلاوة مكانتها ليست رهينة بظهور قارئ جديد بصوت عبقري فحسب، بل مشروطة بظهور عقل نقدي مواز

وبهذا يتم تحصيل ما يسميه "المشترك العام" بين كبار المقرئين، فيعصم الشاب من فخ التقليد والمحاكاة ويمنحه "فلسفة الأداء" من اجل استقلال الشخصية الفنية مع الاستمساك بالروح الجوهرية للنمط الموروث التقليدي. ويقترح اعتماد اختبار حقيقي في الإذاعة لما لها، رغم وهنها، من قيمة معنوية عند الجمهور المصري، تمنحها سلطة على إشهار الأصوات المميزة المتقنة بالفعل، مؤكدا الحاجة إلى إطار مؤسسي يحمي هذه المهنة وهذا الفن من الأدعياء والمتطفلين.

غير إن ما يستوقف المرء بالدرجة الأهم هو وعي هيثم أبو زيد الحاد بأهمية النقد. فهو يفتتح فصل "على طريق التراجع" باستنكار إنه "فن بلا نقد" ويضيف أن "استعادة التلاوة مكانتها ليست رهينة بظهور قارئ جديد بصوت عبقري فحسب، بل مشروطة بظهور عقل نقدي مواز (...) يعيد بناء الذوق الجمعي". ذلك إن تغير البيئة المحيطة بفن التلاوة وغياب الحضور المباشر للأصوات الكبيرة التي يمكن للناشئين أن يتعلموا منها، ينبغي تعويضه بالإنصات كما أسلفنا، ولكن أيضا بالفهم والتفكر والتحليل، والدفاع عن القيم التي تستحق، وتفكيك الخطابات الشائعة الزائفة مثل التمجيد الفارغ للتنقل بين المقامات في حد ذاته، أو افتراض مناسبة مقام معين لمعنى محدد، وتنقية الكتابات عن هذا الفن من الأساطير والهراء والكلام المرسل دون دليل.

فلمنح المواهب بوصلة حقيقية، ينبغي أداء مهمتين في آن واحد: تقديم نقد جدي موثق وحقيقي، يطرح رؤية عميقة للفن، ويحدد مصادره وأسسه، ويشخص مشاكله ويقترح مقاربات لها، من ناحية، ومن الناحية الأخرى مهاجمة النقد الفاسد والكتابات الخاوية مثل كتاب "الحان من السماء" الذي يخصص له أبو زيد صفحات مطولة لتفنيده، ونقد عباراته الإنشائية التي لا تفيد قارئا ولا باحثا، وإن حبذ أن يختمها بلطف الإشارة إلى فائدة الكتاب في التذكير بأسماء بعض المنسيين من المقرئين.

غلاف "ألحان من السماء"

سخف الخطاب الشائع

وفي سبيل إتاحة المجال للنقد الحقيقي، لا بد إذن من إيضاح سخف الكثير من عناصر الخطاب الشائع في أيامنا، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يتوقف عنده أبو زيد مطولا، منتقدا الالفاظ المفرغة من معانيها في معرض المديح او النقد (مثل عبارات: أهل القران، قارىء متقن، القران غالب، أستاذ الوقف والابتداء، قرآن كما أنزل، دارس موسيقى، وغيرها)، فهي إما بديهية وأدنى الشروط المطلوبة، أو هي مبالغات لا محل لها بل وتناقضات منطقية في ذاتها كوصف أحد المقرئين بأنه "ملك الخشوع"!

REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
رجل يقرأ القرآن بعد الصلاة في الجامع الأزهر في القاهرة، 23 فبراير 2026

ليس هيثم أبو زيد من أنصار تحنيط الفن ولا منحازا إلى الماضي دون تبصر. بل ينضح كتابه بالإيمان بإمكان انقاذ فن التلاوة المصرية من انحداره الحالي، وهو يطرح إذن على المقرئين الشباب أن يقتدوا بأمثال المقرئين المعاصرين أحمد نعينع ومحمود عبد الحكم. وهو لا يقبل بانحدار الذوق العام عذرا، في ظل اهتمام شباب كثيرين بالموسيقى الأقدم وكبار المقرئين والمطربين، ويؤكد أن الذوق العام ليس كتلة واحدة صماء لا تقبل التأثير عليها. وإن كان ليس بالإمكان اليوم جماهيريا إلا أن نعمل على نشر الوعي، إلا أن هذا الوعي نفسه مشروط بنقد النقد غير المبني على تعمق ودراسة وأسس معرفية ونقدية صلبة. ذلك أن "أخطر ما يواجه أي حراك إصلاحي في ميدان التلاوة ليس وجود الرداءة فحسب بل أن يتصدر لمواجهتها من يفتقدون الأدوات التي تمكنهم من التمييز بين الأداء السليم والمعيب".

أخطر ما يواجه أي حراك إصلاحي في ميدان التلاوة ليس وجود الرداءة فحسب بل أن يتصدر لمواجهتها من يفتقدون الأدوات التي تمكنهم من التمييز بين الأداء السليم والمعيب

في هذا الإطار، يشكل هذا الكتاب المرجعي للباحث هيثم أبو زيد محاولة تتجاوز عرض تاريخ فن التلاوة وكبار نجومه وأهم ملامحه، وتتجاوز حتى انتقاد انحداره ووصف تدهوره واقتراح أطواق نجاة من هذا الغرق، إلى أن يكون محاولة بارزة وبالغة الجدية لفتح طريق من أجل نقد حقيقي ومن أجل تكوين نقاد سليمين يدركون ما هو مطلوب منهم، في مواجهة سيول الغثاثة والاستسهال، من تأسيس ومعرفة ودقة ورصانة وبلاغة، وينظرون إلى هذه الشروط متحققة في كتاب "التلاوة المصرية".

فليس النقد، بحسب ما يستشف من هذا الكتاب الفريد، إلا فنا متوهجا قائما بذاته موازيا لفن التلاوة ولفن الإنصات.

font change