المقرئ عنتر مسلم الذي منعه الأزهر فأنصت إليه المؤمنون والملحدون

استعادة مشكلة ترجع إلى أكثر من ألف سنة

غلاف "الكروان الممنوع"

المقرئ عنتر مسلم الذي منعه الأزهر فأنصت إليه المؤمنون والملحدون

في منتصف ثمانينات القرن الماضي بلغت شهرة المقرئ المصري الشيخ عنتر مسلم (1936- 2002) أوجها على إثر تداول خبر منع الأزهر له من قراءة القرآن ومصادرة تسجيلاته المتداولة بأشرطة "الكاسيت"، وسيلة التواصل السمعي الأكثر شهرة آنذاك.

وبالرغم من إيراد الصحافة المصرية تفاصيل قيام المباحث الجنائية بعملية هذه المصادرة، ونشر تقارير عنها في صفحات الحوادث، ثم تلا ذلك إعلان اعتذار من قبل الشيخ نفسه في الصحف الثلاث (الأهرام والأخبار والجمهورية) إلا أن كل هذا كان بمثابة المحفز للقراء على البحث عن أشرطة الشيخ عنتر وسماعها.

بالطبع، وجد معظمهم أن تلاوة الشيخ عنتر لا تستحق المنع والمصادرة، بل التقدير والإعجاب. وإن بقيت تسجيلاته شبه مهربة في مصر، إلا أن شركات صوتية استمرت في طبع "كاسيتات" له في السعودية والعراق وتونس وباكستان وتركيا وإيران وغيرها، ودون أي منع أو ملاحظات من المؤسسات الدينية في هذه البلدان، حسبما يذكر طايع الديب في كتابه "الكروان الممنوع" الذي تناول فيه سيرة الشيخ عنتر.

وبما أن تقاليد قراءة القرآن بقيت عادة رمضانية كل عام، يزداد فيها النقاش عن جماليات صوت المقرئين والمقامات التي يتلون بها الآيات، فإن هذا النفاش اتسع ليشمل أهل الفن والأدب، بل وغير المتدينين وأتباع ديانات أخرى، وكان من اللافت آنذاك أن تسمع آراء أو تقرأ مقالات لأشخاص عرفوا بإلحادهم أو غير تدينهم يشاركون في هذا النقاش، ويظهرون اهتمامهم بسماع آيات القرآن بتلاوات إيقاعية، وأبرزها تلاوة عنتر مسلم.

وجه الأعمى

لم يسهم طايع الديب في إلقاء الضوء على سيرة المقرئ الشيخ عنتر مسلم في كتابه "الكروان الممنوع" فحسب، بل ساهم في تحميل آلاف الساعات القرائية بصوت الشيخ على منصة "يوتيوب" بعدما كادت تختفي لولا محبو الشيخ الموزعون في أنحاء العالم.

بدا مغرما بالموسيقى، فتعلم عزف الناي والكمان والعود، ودرس المقامات الموسيقية، وغنى أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش

 في الكتاب الصادر عن "وكالة الصحافة العربية"، يسرد الديب قصة عنتر منذ إصابته بالعمى بعد سنة من عمره، وكيف كان يتلقى التنمر من أقرب الناس إليه: "كان عمري حوالى خمس سنين، حين قال لي أبي ذات مرة فجأة: أما أنت لو ربنا يرجع لك بصرك دقيقة بس وتشوف شكلك؟ شكلك وحش أوي. قعدت أحسس على الحيطان لحد ما وصلت عند أمي، وكانت بتطبخ على الكانون (موقد)، فقلت لها: يا أمه. قالت: نعم يا عين أمك؟ سألتها: هو أنا شكلي وحش؟ ردت: أوي أوي يا عين أمك!". مع هذا لم يكن عنتر يحمل نظارة ليجمل وجهه، كما يفعل العميان عادة، والمرات الوحيدة التي لبس فيها نظارات كانت من أجل التصوير لنشر صوره على غلف "الكاسيتات".

REUTERS/Aladin Abdel Naby
عامل مصري ينظف ملصقا للموسيقار محمد عبد الوهاب قبيل افتتاح متحف للتراث الموسيقي في القاهرة، 2 يونيو 2002

التحق عنتر بالكتاب لتعلم القراءة، ثم درس بالمعهد الأحمدي في طنطا التابع للأزهر، لكن بقاءه فيه لم يدم طويلا لعدم انسجامه مع بعض تعاليمه.

وكانت شهرته بدأت حينها تتسع على نطاق المدينة. وفي الوقت نفسه بدا مغرما بالموسيقى، فتعلم عزف الناي والكمان والعود، ودرس المقامات الموسيقية، وغنى أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش في تجمعات أصدقائه وزملائه، ممتنعا عن تلبية طلب الناس الذين كانوا يوقفونه في الشارع ليغني لهم، وبدلا من ذلك كان يقرأ لهم آيات من القرآن فيكرمونه بالهدايا والطعام.

وقبل أن يتفرغ لقراءة القرآن عمل منشدا محترفا للسيرة النبوية، وكون فرقة خاصة في هذا المجال.

فن التلاوة

اللافت في سيرة الشيخ عنتر أنه ثقف نفسه من خلال تخصيص وقت للاستماع إلى أهم الكتب المتعلقة بالقراءات العشر للقرآن وكتب التفسير والأدب واللغة، من قبل أحد الأشخاص الذي كان يقرأ له يوميا، مما أعطاه مقدرة معرفية للمحاججة حول أسلوب قراءته التي تميزت بالانتقال بين قراءات عدة، بعضها لم تكن مشهورة أو تجاوزتها بعض المؤسسات الدينية الرسمية، مثل الأزهر، ظنا منها أنها تثير الشبهات بالنص القرآني. فهو، حسب الديب "يقرأ بضع آيات متصلة من أي موضع في السورة لمدة خمس دقائق، ثم يقطع التلاوة بالبسملة من جديد، ويعود ليبدأ من الموضع نفسه. فيردد الآية الواحدة ثلاث أو أربع مرات بقراءات مختلفة، وكأن لكل آية رجع صدى مختلفا في كل مرة عبر الفضاء المفتوح، حتى يركب المقام فينطلق من أدنى قرارات الصوت إلى أعالي الجوابات، ثم يصل إلى (القفلة العنترية) غير المتوقعة بالمرة، فقد تصعد فجأة إلى أعلى، وقد تنزل من شاهق".

في مجتمع تتعدد فيه مدارس القراءات والتنافس بين المقرئين، كان من الصعب بروز شخص يحاول أن يبدع في تلاوته

ظل أداء الشيخ عنتر الفريد محل إعجاب كل سامعيه منذ خمسينات القرن الماضي. وفي مجتمع تتعدد فيه مدارس القراءات والتنافس بين المقرئين، كان من الصعب بروز شخص يحاول أن يبدع في تلاوته مع وجود مقرئين مثل محمد رفعت ومصطفى إسماعيل ومحمود خليل الحصري وعبد الباسط عبد الصمد والطبلاوي ومحمد صديق المنشاوي، وتتبع بعض المنافسين ما يعتقدون أنها أخطاء قراءات من قبل عنتر، كما كان الحال مع الطبلاوي والرزيقي اللذين قاما بالتحريض على الشيخ عنتر قبل أن يزوراه إلى بيته في مدينة قطور، وهي الزيارة التي عدها بمثابة اعتذار.

كانت حياة الشيخ عنتر في معظمها أشبه بحياة البوهيمي الفنان حتى إنه تزوج أربع عشرة مرة وتعرف الى مختلف أنواع البشر: "تعايشت أثناء تلك الفترة من تجوالي في الموالد، مع أصناف عجيبة من البشر، الصوفية والمجاذيب والغجر والمداحين واللصوص والدراويش، كانوا جميعا سائحين في ملكوت الله. وتعلمت من هؤلاء الناس الغرباء أشياء كثيرة، أهمها أنك تستطيع أنك تعيش شخصيتك الخاصة في هذه الحياة، حتى ولو نظر لك الناس باعتبارك نص مجنون!".

ظل الشيخ عنتر يجول القرى فوق حماره ومع مرافقه ليقرأ في العزاءات، فيما الناس يلتفون حوله بمسجلاتهم ليسجلوا تلاوته، حتى بعد أن كان يحذرهم من القيام بذلك بعد منع الأزهر تداول أشرطته المسجلة. ومن شدة إعجاب الناس بصوته كانوا يؤجلون دفن موتاهم بضعة أيام حتى يتسنى للشيخ عنتر الحضور والقراءة في العزاء.

مراقبة الأزهر

طلب الكاتب محمود السعدني والفنانة نجاة الصغيرة من الشيخ عنتر الانتقال من مدينته إلى القاهرة ليكون قريبا من الصحافة والإعلام، فيدافع عن نفسه أمام الأزهر الذي كانت تصله اعتراضاته على أسلوب قراءته للقرآن، إلا أن عنتر لم يستجب لطلبهما. وظن، كما يورد الديب في كتابه، أن المشكلة ليست شخصية وأنها ترجع إلى أكثر من ألف سنة، مشيرا بقوله هذا إلى اختلافات الآراء حول القراءات المتعددة للقرآن دون الوصول إلى رأي واحد.

REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
مشهد عام لجامعة الأزهر في القاهرة، مصر، 17 أبريل 2016

حين ذهب الشيخ عنتر لمقابلة لجنة مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، حمل معه ثلاثة كراتين كبيرة فيها حوالى 250 كتابا أراد أن يدافع من خلال ما جاء فيها عن نهجه في القراءات، فأدهش اللجنة التي ناقشته، ليس بحججه فحسب، بل وبحفظه للمراجع التي يستند إليها، وبعضها كان قد سجلها في "كاسيتات" بصوته من ذاكرته.

لكن اللجنة لم تتراجع عن قرارها منع تداول أشرطة الشيخ عنتر، على الرغم من نشر الشيح اعتذارا بالصحف، وهو الاعتذار الذي قال مؤلف سيرته نقلا عن أحد رفاق الشيخ، إنه ندم على إعلانه بالصحف. 

وقد سجل عنتر قبل وفاته القرآن كاملا برواية حفص، حيث بدا ذلك بموافقة الأزهر. لكن "لا صوت الشيخ ولا أداؤه، في هذه التسجيلات المصطنعة كما كانا من قبل".

طلب الكاتب محمود السعدني والفنانة نجاة الصغيرة من الشيخ عنتر الانتقال من مدينته إلى القاهرة ليكون قريبا من الصحافة والإعلام، فيدافع عن نفسه أمام الأزهر

وتبقى تلك القراءات المنشورة على الإنترنت بآلاف الساعات هي التي تشد القارئ بتلاوتها النادرة، ويتمثل فيها الشيخ عنتر آيات القرآن ويتفاعل مع آياته وقصصه حزنا وفرحا، فينوع مقامات القراءة بين الصبا والبيات والرست، بصوت لا مثيل له.

font change