منصات التواصل تفتح نوافذ جديدة يطلّ منها الشعر العربي

السرعة والإيجاز يفرضان إيقاعهما وشروطهما

l Majalla
l Majalla

منصات التواصل تفتح نوافذ جديدة يطلّ منها الشعر العربي

تدخل القصيدة اليوم إلى العالم العربي من باب صغير اسمه "بوست". يحدث ذلك غالبا في هدوء يومي: تكتب المقطوعة على الهاتف، تراجع بعين سريعة، ثم تطل على الناس في اللحظة نفسها، فيقرأها صديق في بيروت وتصل إلى قارئ في عمان، وتتابع طريقها على الشاشات حتى يهدأ المساء. يمنح هذا المشهد القصيدة حياة يومية، ويمنحنا نحن القراء شعورا بأن الشعر يجاورنا في الممرات التي نعبرها كل يوم، لا في المناسبات وحدها.

هنا تتصدر فكرة جديدة عن النشر بوصفه حركة داخل مسار ما، فتنشر القصيدة كأنها مسودة تتزين بشجاعتها، قبل أن يعود الكاتب إليها بعد ساعات أو أيام فيخفف كلمة أو يبدل ترتيب سطرين، أو يتركها كما هي ويراقب صداها. يشارك القارئ في هذا المسار تلقائيا حين يفتح بتعليق قصير زاوية لم ينتبه اليها الشاعر، وقد يفسر وجدان مشترك سبب انتشار مقطع بعينه، أما الصمت الطويل فيرد الكاتب إلى الكتابة لأنها ترضيه في المقام الأول. هكذا تتشكل علاقة جديدة بين القصيدة وزمنها، إذ يقف النص على حافة الحدث اليومي، يستعير لغته ثم يعيد صوغه في مقطوعة مكثفة وصورة تلمع وتترك أثرا هادئا.

تجد القصيدة العربية في هذا الفضاء ساحة مناسبة لأنها تتقن المشهد وتحتفي بالتفاصيل الصغيرة وتقيم موسيقاها داخل المقطوعة، لذلك تستجيب بسهولة لفكرة "الكتلة الكثيفة" وتستفيد من البياض الذي تمنحه الشاشة، كما يستفيد منها القارئ الذي يبحث عن معنى سريع بعيدا من الضجيج الخطابي، فيتعلم تذوق نص قصير يعود إليه عند الحاجة، فتترسخ القصيدة في الذاكرة بوصفها رفيقا يوميا.

المنصات تضيف طبقة إلى الكتابة

يفتح النشر على المنصات بابا لقراءة مختلفة، لأن الوسيط يصنع إيقاعه الخاص: تمرير سريع، تعليق ظاهر، وإعادة مشاركة قد تنقل القصيدة إلى سياق جديد. وهنا يلمع قول الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان: "الوسيط هو الرسالة"، إذ يختلف وقع السطر على صفحة ورقية ثابتة عن وقعه حين يمر بين صور وفيديوهات وأخبار عاجلة، فيتعلم الكاتب ضبط إيقاعه، ويتعلم القارئ منح انتباهه بوعي أكبر، بذلك يغدو النشر فعلا يكمل الكتابة لأن النص يعيش مع مكان ظهوره وطريقة تلقيه.

يتعلم الكاتب ضبط إيقاعه، ويتعلم القارئ منح انتباهه بوعي أكبر، بذلك يغدو النشر فعلا يكمل الكتابة لأن النص يعيش مع مكان ظهوره وطريقة تلقيه

يبدو السعودي أحمد الملا مثلا واضحا على هذه الطبقة التي يضيفها النشر إلى الكتابة، لأن نصه يبني صورته من داخله، ويستدعي معها صورة الشاعر في أعين الآخرين وما يعلق بها من توقع وتأويل وسوء فهم. ويظهر ذلك في قصيدته "تمثال الشاعر" حين يقول: "حظي قليل/مع الآن/فكلما أعلنت عن ولادة شجرة/رجمت بأحجار مقلوعة من سوري"، ثم يترك هذه الذات تتكاثر بين الحديقة والجيران والأبواب المفتوحة، بحيث يغدو الشاعر جزءا من المشهد الذي يقرأ فيه، وصوتا متداخلا مع ما يحيط به. ومن هنا تلائم هذه الكتابة فضاء المنصة على نحو خاص، لأن الحساب يقدم القصيدة مع ملامح صاحبها، ومع توقع لنبرته، ومع علاقة زمنية تجعل التلقي أكثر تشابكا بين النص وما يحيط به.

أما الفلسطينية شيخة حسين حليوى فتقدم نصا يخرج من البيت إلى الشعر من غير ضجة ويعبر إلى لغته من تفاصيل تبدو عادية قبل اكتشافها لطاقتها الخفية، فتقول: "لست صديقة الشعراء والشاعرات/أعني لا أستضيفهم في بيتي/نتحدث عن السمك الذي نلتهمه بأدب/كأنه حرية ملونة/ثم وأنا أجلي الصحون أنتقي الكلمات التي تجعل/رغوة الصابون شيئا يشبه منزلق الشعر الحديث". بذلك لا تحيل اليومي إلى زينة شعرية عابرة، بل تجعله مادة القصيدة نفسها وتستخرج من حركة منزلية مألوفة انعطافا لغويا رشيقا يفاجئ القارئ ويبقيه قريبا من النص. من هنا تلائم هذه الكتابة فضاء المنصة بوضوح، لأنها تصل مباشرة وتحتفظ بخفتها من غير تكلف أو ادعاء.

Saudipedia
أحمد الملا، شاعر سعودي

في هذا الفضاء يحيط بالقصيدة ما يمكن تسميته عتبات رقمية: عنوان المنشور، صورة الحساب، جملة صغيرة تسبق النص أحيانا، ثم تعليق أو صورة أو وسم يوجه الاستقبال من بعيد، وهو ما يجعل وقع السطر الواحد يتبدل بحسب ما يجاوره، ويظهر القصيدة حساسة لما حولها بقدر حساسيتها لكلماتها. ومن هنا تختلف نبرة القصيدة بين منصة وأخرى، فيميل بعض الشعراء في "فيسبوك" إلى نص أطول يشبه الرسالة، وفي "إنستغرام" إلى سطر مكثف يتعايش مع الصورة، وفي "إكس" إلى جملة واحدة لامعة، وكل ذلك يفيد الكاتب في توزيع طاقته بين ما يلمع سريعا وما يتسع ببطء.

يدخل اسم الشاعر هنا في لعبة مختلفة، وتضيء مقاربة ميشال فوكو حول "وظيفة المؤلف" هذا التحول، لأن الاسم يشتغل كنقطة تنظيم للخطاب، وحين يتحول إلى حساب يغدو الحضور جزءا من القراءة ذاتها، فينتج الحساب صورة للنبرة وتوقعا للمزاج وعلاقة زمنية مع المتابعين. في قصيدة لها تقول التونسية سونيا الفرجاني: "أقف إلى الشجرة في الظلام/وأنا بكاملي مغطاة بيدك التي نسيتها فوقي/أو مغلفة بخوف فقدانها"، ويكفي هذا المطلع لخلق مكان واضح في خيال القارئ ولانتشاله من التمرير إلى القراءة، لأنه يبدأ بصورة مشهدية حادة تفتح بابا إلى خوف أكثر خفاء.

الاسم يشتغل كنقطة تنظيم للخطاب، وحين يتحول إلى حساب يغدو الحضور جزءا من القراءة ذاتها، فينتج الحساب صورة للنبرة وتوقعا للمزاج

هكذا، يصبح ما يرى جزءا مما يقرأ وتتحول القصيدة إلى مشهد متعدد الطبقات يستفيد من التوتر بين الكلمة والصورة. كما تتجسد "القصيدة المفتوحة" حين يتحول الحذف إلى أداة تحرير علنية فيضغط الشاعر زر الحذف لتختفي القصيدة وتبقى آثارها في ذاكرة من قرأها، وأحيانا في لقطات شاشة تحتفظ بها الأيدي، فيصير الاختفاء نفسه حدثا في سيرة النص. إن وقع هذا كله يزداد في العالم العربي لأن القصيدة تعيش قريبا من حساسية الجمهور ومن رقابة غير مكتوبة، وهذا ما يدفع الشاعر إلى الموازنة بين الجرأة وسلامة الوصول، وإلى ترك مجال أوسع للمقطوعة من أجل الإشارة والتأويل.

 PIERRE VERDY / AFP
عالم الاجتماع بيار بورديو خلال ندوة في باريس (Photo by PIERRE VERDY / AFP)

يقرأ بيار بورديو هذا التحول من زاوية الحقل الثقافي بإنتاج المؤسسات رأسمالا رمزيا، ثم تنتج المنصات رأسمالا من نوع آخر قائما على الوصول وشبكة المتابعين والقدرة على خلق مجتمع صغير حول نصوص متتابعة، وهو ما يشكل جغرافيا جديدة للقراءة تخفف مركزية المنابر التقليدية وتمنح القصيدة فرصة تعريف نفسها بنفسها. يكتب عبد الرزاق بوكبة في الجزائر فيلتقط قارئ في عمان نصا له ويشاركه، ويكتب السعودي محمد خضر مقطعا مكثفا فيتداوله قراء من المغرب، ويكتب وسام الموسوي من العراق نصا يلتصق بأخبار يومه فينتقل إلى بيروت وغزة... على هذا النحو لا تظهر القصيدة على المنصة بوصفها نصا عابرا فقط، بل بوصفها دفترا عاما يتراكم فيه الحضور والصوت والقراءة معا.

قصيدة اللقطة

تفرض الشاشة إيقاعا قائما على اللمحة يدرب الكاتب على وضع ما كان يوزعه على صفحة في سطر واحد أو مقطوعة قصيرة من سطرين إلى ستة أسطر، وكذلك يدرب القارئ على التقاط فكرة ثم اختبارها في يومه أو إرسالها إلى صديق. من هذا الإيقاع تولد "قصيدة اللقطة"، وهي قصيدة تعرف أن جملة واحدة (أو ثلاث أو أربع جمل) قد تحمل قلب النص أو تفتح بابه، لذلك ينجذب إليها الجمهور لأنها تشبه طريقة التواصل اليومية، ويجد فيها المتخصص مادة يتتبع بها تحول الحساسية الشعرية لأن البنية نفسها تتبدل، فتشتد البداية ويقصر المقطع، ويزداد الاعتماد على الصورة المركزة وتدخل اللغة في علاقة جديدة مع البياض ومع شكل السطر.


تنتج المنصات رأسمالا من نوع آخر قائما على الوصول وشبكة المتابعين والقدرة على خلق مجتمع صغير حول نصوص متتابعة

يكتب الشاعر في هذا المناخ وهو يعرف أن قارئه يرى مئات المنشورات في ساعة واحدة، لذا يرى أن عليه وضع "مغناطيس" صغير في صدر النص، صورة غير متوقعة أو انعطافة دلالية أو جملة تشبه الاعتراف، وقد تأتي هذه الجملة افتتاحا أو خاتمة، أو سطرا وحيدا في قلب البياض، وهذا ما يحمل مكسبا جماليا حين يبقى السطر وفيا لتجربة حقيقية، كما يحمل خطرا حين ينقلب إلى صناعة جملة قابلة للمشاركة فقط.

REUTERS/Hollie Adams
تطبيقات "إنستغرام" و"تيك توك" و"سناب شات" و"يوتيوب" و"فيسبوك" و"تويتش" و"ريدت" معروضة على هاتف

يكتب السوري حسين بن حمزة لقطة شعرية تقوم على مفارقة صافية وسريعة الالتقاط حين يقول: "سيأتي يوم/أقتل فيه هذه الوحدة/وأعيش/وحيدا"، وللوهلة الأولى نمسك بحدة الكتلة وهدوئها معا، ثم نفتح وراء هذه المباشرة طبقة أعمق من العزلة والتأمل، وهنا تنجح "قصيدة اللقطة" لأنها تمنح المتلقي عبارة خاطفة من غير التخلي عن قدرتها على الامتداد في المعنى. وفي اتجاه قريب يسير المغربي عبد الرحيم الخصار حين يقول: "أنا حفيد الملك الأمازيغي القديم/الذي مات غدرا بطعنة من أيدي الرومان/هوايتي أن أضرم النار في الجليد/وأبني المصائد لطيور لا تصل الأرض..."، فتقفز الهوية إلى الواجهة ثم تنقلب إلى سؤال داخلي عن الأصل والجهة والمعنى، في حين تقول الإماراتية خلود المعلا: "أسكن البيوت التي تدخلها الشمس من سقفها/لأرى القلوب من مركزها..."، فتأتي المقطوعة هنا بوصفها لقطة مكتفية بنفسها، قبل أن تعود داخل القصيدة كلها لتعمل مفتاحا يضيء بقية الأسطر.

تكتب المصرية آلاء فودة بصوت يومي شديد القرب وترفعه إلى مستوى اللقطة التي تمسك القارئ من أول سطر وتترك له مجالا كي يكمل على مهل فتقول: «أنا هنا/أعد للبحر موجه كي يهدأ/أسد بجسدي المترهل شقوق الوقت/أسكب الماء على عتبات البيت/وأهذب شفرات العالم/لينكمش تدريجيا ونصير معا...»، وفي هذا المقطع تتجاور حركة الجسد وحركة البيت في صورة واحدة، فيغدو الفعل اليومي بابا إلى معنى أوسع وتتحول اللمسة المنزلية إلى طريقة هادئة في ترميم العالم وتلطيف عنفه. من جهة أخرى يأتي العراقي حسين بهيش إلى اللقطة الشعرية عبر مشهد كثيف يأخذ القارئ على طريق مرتجف وغابة تنطوي وضوء بعيد، فيقول: "كان الطريق يرتجف مثل شجرة مائلة/والغابة تطوي نفسها/مثل برقية للباحثين عن شيء يؤكل/كان الدليل غيمة والرداء قمرا من صوف/والحلم توتا بريا..."، هنا لا يقدم النص عبارة حادة خاطفة بقدر ما يبني منذ البدء مناخا مشهديا مشحونا، وتعمل اللقطة فيه على هيئة فضاء كامل يستدرج إليه القارئ دفعة واحدة، ثم يواصل معه التقدم في الممر نفسه. هكذا ينجح المثالان على اختلافهما في إظهار كيف تمسك القصيدة قارئها سريعا من غير أن تتخلى عن حقها في الامتداد والتعمق.

يقرأ الشاعر نصه بصوته فيصعب فصل العبارة عن صاحبها، ويضيف الصوت هنا بعدا جديدا لأن القصيدة التي كتبت لتقرأ بهدوء تدخل فجأة في حيز الأداء

تتفاعل "قصيدة اللقطة" مع الصورة والصوت معا، فيختار بعض الشعراء أن يكتبوا سطرهم فوق خلفية بحر أو ظل شجرة أو لون واحد، فتلتقط العبارة مع الصورة دفعة واحدة وتحفظ بوصفها مشهدا لا كلمات فقط، كما تعمل الوسوم والاقتباسات المصورة ومقاطع الإلقاء القصيرة بوصفها وسائط تداول جديدة، فيلتقط قارئ سطرا من قصيدة ويضعه على خلفية ويرسله، أو يقرأ الشاعر نصه بصوته فيصعب فصل العبارة عن صاحبها، ويضيف الصوت هنا بعدا جديدا لأن القصيدة التي كتبت لتقرأ بهدوء تدخل فجأة في حيز الأداء.

يبرز هذا البعد في الخليج واليمن والسودان بوضوح خاص، إذ تميل الثقافة الشفوية إلى استقبال النص حين يقال بقدر استقباله حين يكتب، فيكتب اليمني علوان الجيلاني نصا يلتقط تفاصيل المدينة أو القرية ثم يجد طريقه إلى مقطع صوتي أو فيديو قصير، وفي السودان تغنى بعض نصوص عاطف خيري أو تتداول بوصفها كلمات أغنية، فيتحول السطر إلى جزء من ذاكرة سمعية ثم يعود القارئ إلى أصله المكتوب ليكتشف طبقات أخرى. ويظهر الأمر نفسه عند شعراء من الجزائر والمغرب حين تبنى القصيدة حول جملة افتتاح واضحة ثم تركب حولها طبقات من الإيحاء، فينجح الشاعر في احترام زمنين معا: زمن التمرير وزمن القراءة.

 Wikidata
الكاتبة والشاعرة الفلسطينية شيخة حليوي

يظهر على المنصات أيضا نوع من النقد السريع يكتبه القراء في لحظة التلقي نفسها، فيشيرون إلى صورة لمعت، أو إلى سطر استوقفهم، أو إلى تكرار أضعف الأثر، فتتحول القصيدة من نص يقرأ على انفراد إلى نص تصاحبه قراءة علنية تتكون أمام العين. هنا تفيد فكرة "القراءة الاجتماعية" عند بوب شتاين لأنها تبين أن التعليقات والمحادثات التي تدور حول النص جزء من حياة القراءة نفسها، وبذلك يتجاوز القارئ دور المتلقي الصامت ويدخل في صناعة الاستجابة وتوجيه الانتباه وتسمية ما يراه موضع قوة أو ضعف. من هنا تقترب القصيدة على المنصات من ورشة مفتوحة تتجاور فيها اللحظة الانطباعية مع ملامح حكم نقدي آخذ في التشكل، وتتكون الذائقة الحديثة لا عبر القراءة الفردية وحدها، بل عبر التبادل أيضا.

الشعر يتدرب على الضوء العام

يصنع هذا التحول صورة جديدة للشعر في العالم العربي، صورة تجعل القصيدة أقرب إلى النفس اليومي وأشد اتصالا بما يمر في الشارع والبيت والأخبار، بحيث يغدو النشر السريع متيحا للشاعر أن يكتب في اللحظة التي يشعر فيها بالكلام، ومتيحا للقارئ في الوقت نفسه أن يعثر على قصيدة حين يحتاج إلى معنى صغير يرمم مزاجه، ثم أن يعود إلى القصيدة ذاتها بعد أيام ليقرأها بعين أخرى. هذا الأثر يستقر في التفاصيل الدقيقة: نبرة صوت، ترتيب أسطر، وابتسامة صغيرة يتركها النص ثم يمضي، ومن هذا التكرار تتشكل ألفة بين النص والقارئ وتتحول القصيدة إلى دفتر عام يتسع للبوح والتأمل والمفارقة.


وجدت القصيدة في الشاشة مساحة إضافية لمرونتها وجرأتها، فازدادت قدرتها على التقاط ما كان يمر من قبل عابرا أو خفيا، وعلى ترك أثر في الداخل أكثر صفاء

تستمر المؤسسات الثقافية في أداء دورها، ويظل الورق محتفظا بمتعته العميقة وهيبته الهادئة، فيما تفتح المنصات فضاء أوسع للتجريب والوصول وتكوين جمهور تمتد دوائره عبر المسافات، ومن هذا التجاور الخلاق تتكون إمكانات جديدة للشعر نفسه، إذ تغدو القصيدة قادرة على الظهور في لقطة خاطفة أو الامتداد عبر سلسلة منشورات، أو تسمع في فيديو أو تعود إلى الديوان بعد مرورها بتجربة التلقي الحي أمام الناس. في خلفية هذا كله يلمع إحساس بأن الشعر العربي يوسع مجاله ويعيد اكتشاف علاقته بالعالم، وبأن القصيدة وجدت في الشاشة مساحة إضافية لمرونتها وجرأتها، فازدادت قدرتها على التقاط ما كان يمر من قبل عابرا أو خفيا، وعلى ترك أثر في الداخل أكثر صفاء، أبعد مدى، وأشد قابلية لأن يتحول إلى معنى يرافق القارئ في يومه وتأمله ونظرته المتجددة إلى الحياة.

font change