سعيد خطيبي لـ"المجلة": أدب الجريمة ولد في العربية

بعد فوز "أغالب مجرى النهر" بـ"البوكر"

سعيد خطيبي لـ"المجلة": أدب الجريمة ولد في العربية

نال الروائي الجزائري سعيد خطيبي، الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" في دورتها التاسعة عشرة، عن روايته "أغالب مجرى النهر". خطيبي المولود عام 1984، تلقى تعليمه بين الجزائر وفرنسا، وحصل على شهادة الليسانس في الأدب الفرنسي من الجامعة الجزائرية، ثم نال درجة الماجستير في الدراسات الثقافية من جامعة السوربون بفرنسا. يعمل في مجال الصحافة منذ عام 2006، ويقيم حاليا في سلوفينيا.

أصدر خطيبي أعمالا عدة، منها "كتاب الخطايا" و"جنائن الشرق الملتهبة" و"أربعون عاما في انتظار إيزابيل" التي توجت بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2017، فضلا عن رواية "حطب سراييفو" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2020، وفي عام 2022 صدرت له رواية "نهاية الصحراء" التي حازت جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع المؤلف الشاب عام 2023. هنا حوار "المجلة" معه.

كيف استقبلت خبر الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية، "البوكر"؟

كل كاتب عربي يطمح إلى الجائزة العالمية للرواية العربية، فهي ليست مجرد جائزة، وليست مجرد فرح عابر، بل تفتح للنص آفاقا أوسع، توصله إلى شريحة أكبر من القراء، تجعل منه محور نقاش وحوار بين النقاد كذلك، بما يتيح للكاتب أن ينظر إلى عمله من زوايا مختلفة. في طبيعة الحال، فإن نظرة الكاتب إلى الرواية تتغير مع تغير وجهات النظر من طرف القراء والنقاد، لأن هذا النقاش في شأن العمل يوسع حيز النظر إليه.

كيف ترى الجوائز الأدبية عموما؟ وهل ترى أنها مؤشر عادل للتقييم، ورافعة للإنتاج الأدبي؟

الجوائز الأدبية تقف خلفها لجان تحكيم من نقاد ومن أسماء لها سمعتها في النقد والقراءة، ومن الطبيعي أن يثار ضجيج حولها، وهو نقاش صحي يصب في خدمة القراءة والمقروئية، ويوسع انتشار الكتاب لكي يصير مرافقا للإنسان العربي.

ليست مجرد نص

ماذا عن خطواتك الأولى في عالم الرواية؟ وما الذي دفعك إليه؟

أظن أن السبب الأول هو الصمت، لأنني من منطقة نائية وبعيدة عن المركز في الجزائر، حيث الصمت يطغى على الكلام، وحيث الحكايات تروى في همس، والناس يعيشون في عزلة، لا أحد يلتفت إليهم. بدأت في الكتابة لكي أروي ماذا يقول الناس في سكوتهم، أدركت أن الرواية فضاء يتسع للحال التي نعيش فيها، نعيش في سيرورة التاريخ من غير أن يصغي إلينا أحد.

الرواية ليست مجرد نص أو كتابة أدبية بل هي علم قائم في حد ذاته

أما السبب الثاني فيتعلق بالمغامرة الفنية في الكتابة. في رأيي المتواضع، ليست الرواية مجرد نص أو كتابة أدبية، بل هي علم قائم بحد ذاته، ففي الجزائر نشهد انهيارا للعلوم الإنسانية (علم الاجتماع، علم النفس، التاريخ، الفلسفة، إلخ)، وهي علوم باتت تنوب عنها الرواية. لكي نفهم الجزائر لا بد أن نصغي إلى كتابها، ولكي تحافظ الجزائر على ذاكرتها وتستشرف مستقبلها، لا بد كذلك أن تعتمد على كتابها.

غلاف "نهاية الصحراء"

كيف تشكل هذا التصور أثناء عملية الكتابة؟

في الجزائر وعلى غرار بلدان عربية أخرى، نعيش في تاريخ متشابك، لم نتعلم من زلات الماضي، ولا نزال رهينة ذاكرة معطوبة، وكذلك رهينة رواية واحدة سائدة، وهي رواية لا تعني بالضرورة أنها الحقيقة. لا يهمني أن أكتب في تماه مع ما جاء في مدونات التاريخ، بل يهمني أن أطرح سؤالا آخر: ماذا لو حصل عكس ما وصل إلينا من المؤرخين؟ الكتابة بالنسبة لي مغامرة فنية، لكنها أيضا مشغولة بسؤال الذاكرة. في كتابة ضد النسيان، أكتب عن أشياء أعرفها، عن نجاتي مثل نجاة آخرين من "العشرية السوداء"، من العنف والتطرف واستغلال الدين في شؤون السياسة. أكتب عن الحق في توسيع النظر إلى الماضي، بحكم أن التاريخ ليس مقدسا، بل يحتمل الصواب والخطأ.

Hocine ZAOURAR / AFP
سكان محليون يتفقدون مبنى مدرسة بوفريزييه التقنية في الجزائر العاصمة بعد إحراقه، 22 أغسطس 1994

العشرية السوداء

ما الذي دفعك للعودة إلى الجزائر قبيل "العشرية السوداء"، وما الذي أردت إضاءته في تلك المرحلة؟

نحن نعرف "العشرية السوداء" وما شهدته من فظائع، لكن الأمر المخفي، أو السؤال الذي يتفادى البعض الخوض فيه، هو: لماذا حصل ما حصل؟ أعود إلى ما قبل العشرية السوداء لأنني أود أن أعرف نفسي كذلك، لأن عشر سنوات ضاعت من حياتي، أريد أن أستعيد طفولتي التي أحرقتها نار التطرف، أكتب كذلك من أجل ألا تختل الذاكرة، وأن تظل العقول يقظة، إن ما حصل يجب ألا يتكرر. والرواية هي السياق الأمثل كي لا نتنازل عن ذاكرة من رحلوا من أجل نحيا.

نعرف "العشرية السوداء" وما شهدته من فظائع، لكن السؤال الذي يتفادى البعض الخوض فيه، هو: لماذا حصل ما حصل؟

ما كتب عن العشرية السوداء في الجزائر لا يساوي سوى عشرة في المائة مما حصل بالفعل. إنها فترة ترتب عنها الآلاف من الضحايا الأبرياء، كل واحد منهم يحمل قصة في قلبه. كل ضحية تستحق أن تروي قصتها. صحيح أن أعمالا مهمة كتبت عن هذه الحقبة، لكن هناك في المقابل نزعة إلى محوها من الأذهان، هناك من يود أن يطوي الصفحة بسرعة ويريد أن ينسى. صحيح أن النسيان نعمة، لكن ليس في هذه الحالة. نحن نكتب عن العشرية السوداء لكي لا تتكرر المأساة، لا من أجل إيقاظ جراح المرحلة.

غلاف "أغالب مجرى النهر"

إلى أي حد اعتمدت على الذاكرة الجماعية مقابل الخيال في بناء عالم رواية "أغالب مجرى النهر"؟

كل الرواية تخييل، فأنا أبدأ منه وأنتهي إليه. لكنها كذلك صدى للأصوات غير المسموعة، فالكاتب هو الصوت الذي ينوب عن أولئك الذين يقيمون في الهامش، يكتب عنهم في ضجيجهم وفي همسهم. ولدت وكبرت في أعماق الجزائر، من داخل البلد وليس من المركز، أعرف تفاصيل تغيب عمن يعيش في واجهة البلد، بالتالي فإن كتابتي أيضا تقيم جنب أولئك الذين سلب منهم صوتهم وسلب منهم الحق في الكلام أو في الحكي.

نجد في الرواية سرديتين متقاطعتين وعابرتين للأجيال، سردية الابنة وسردية الأب، فماذا كنت تقصد من هاتين السرديتين؟

قصدت منهما ما يساور بال الكثير من الجزائريين: أن الزمن يتقدم، بينما الأزمات لم تتغير. لم نتصالح مع الماضي ولم نعجل في حل القضايا الشائكة، مما جعلها تكبر وتزيد حدة. بين جيل الآباء وجيل الأبناء، تغير الزمن، لكن النقاش لا يزال يراوح مكانه، لا نزال حبيسي ذاكرة معطوبة، نناقش مسائل الماضي العالقة بما يحجب الرؤية نحو الحاضر والمستقبل.

أدب الجريمة

ما الذي دفعك إلى توظيف البناء البوليسي في الرواية؟ وكيف تفسر التأخر النسبي لانتشار أدب الجريمة في الرواية العربية الحديثة، مقارنة بالغرب؟

هذه مفارقة عربية محضة، لأن أدب الجريمة ولد في العربية، بفضل "ألف ليلة وليلة"، النص المؤسس في السرد العربي. إذا عدنا إلى هذا النص فسوف نجد فيه كل عناصر أدب الجريمة، منذ شهريار القاتل المتسلسل الذي يقتل كل يوم امرأة، وصولا إلى بنية النص، قد يغيب عن الاذهان أن واحدة من أشهر روايات نجيب محفوظ تدخل في خانة أدب الجريمة، نقصد منها "اللص والكلاب"، وكذلك كتب يوسف إدريس في هذا التوجه رواية "الحرام" وينطبق الحال على توفيق الحكيم في مسرحية "يا طالع الشجرة".

لا نزال حبيسي ذاكرة معطوبة، نناقش مسائل الماضي العالقة بما يحجب الرؤية نحو الحاضر والمستقبل

 ثم حصلت قطيعة لها أسبابها، مع محاولات بين حين وآخر لبعث هذا الأدب، فبنية أدب الجريمة نجدها بوضوح في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، وكذلك في بعض روايات عبد الرحمن منيف. لا بد أن ندرك أن هذا الأدب له نشأة عربية، والكاتب العربي يتحمل مسؤولية القطيعة، وما قمت به في روايتي ليس سوى امتداد لهذا التاريخ العربي العريق في أدب الجريمة.

غلاف "أربعون عاماً في انتظار إيزابيل"

هل ترى أن الكتاب العرب يفضلون الخوض في الجرائم النفسية والاجتماعية بدلا من السياسية، ربما بسبب الرقابة؟

بل صارت هناك رقابة من نوع آخر، رقابة من بعض القراء في مواقع التواصل الاجتماعي، تتصدى لكل محاولة لإخراج الرواية العربية من سباتها، ولإخراجها من الأنماط المتكررة. إنهم قراء تعودوا على شكل واحد من الرواية، يغلب عليه الحشو واللعب على العواطف، وعندما يصادفون رواية من نوع آخر يحملون الكاتب أكثر مما يحتمل، ويصير محل تهمة لأنه خرج عن النمط المعتاد.

 هذا الأمر يقلص حرية الكاتب في أثناء العمل، يتعرض للتخويف. في المقابل هناك شريحة أوسع من القراء تدافع عن حرية الكاتب وتدفع به أن يقدم أفضل ما لديه.

إلى أي حد يمكن اعتبار الجريمة في الرواية العربية انعكاسا حقيقيا لظواهر العنف الموجودة في الواقع الاجتماعي؟

لا بد أن نتحلى بالصراحة مع أنفسنا، فنحن نعيش في عالم مضطرب، يسير على إيقاع جرائم بمختلف أنواعها كل يوم، هل نغفل النظر إليها؟ هل ندعي أننا مجتمعات متنزهة عن الخطأ؟ كلا، لأن الكاتب جزء من هذه المجتمعات الإنسانية. فالكتابة عن العنف لا يقصد منها العنف في حد ذاته، بل تفكيك مظاهره وآلياته وفهمه، أن يتحول العنف إلى زاوية ننظر منها إلى تشابك العلاقات الإنسانية.

غلاف "حطب سراييفو"

هل مطلوب من الروائي أن يتبنى رؤية أيديولوجية واضحة أو يحمل انشغالا فكريا وفلسفيا عميقا؟ وهل يكفي تناول القضايا الكبرى ليضمن للعمل الأدبي مكانة رفيعة؟

الروائي مطالب بأن يكون حرا، بأن يصغي إلى شخصياته في تناقضاتها، بأن يركز عمله على الأبعاد الفنية في الكتابة، بأن يوسع أفق النظر عندما يكتب، وأن يتحرر من كل موقف أو سياسة، لأن الأدب في حد ذاته أرفع مراتب السياسة. ولذلك، فالروائي مطالب بأن يكون صادقا مع نفسه ومع القارئ عندما يكتب.

مع القارئ

ما علاقتك بالقارئ أثناء الكتابة، هل تتعامل معه بحذر وخوف، أم تحاول كسب رضاه، أم تنطلق في كتابتك بحرية تامة؟

عندما أشرع في الكتابة، لا أفكر في القارئ، بل في النص. لكن أشعر أنني محظوظ نظرا إلى الاهتمام الذي تحظى به أعمالي في الجزائر وفي أرجاء العالم العربي، إذ تصلني دعوات كثيرة من نوادي للقراءة في الجزائر وخارجها.

ما قمت به في روايتي ليس سوى امتداد لهذا التاريخ العربي العريق في أدب الجريمة

من الطبيعي أن تصادف قارئا لم يعجبه عملك، لأن الأدب تحكمه الأذواق في بعض الأحيان، لكنني أشعر براحة جراء الرسائل الكثيرة التي تصلني من قراء. وهذا هو جوهر الأدب، أن يكون سببا في تحريك النقاش، أن تصير رواية محل جدل، أن تثير الأسئلة والقلق الفكري، لأن الرواية التي تثير جدلا وخلافات، ولا تحدث انقساما بين القراء، هي رواية غير صادقة في فحواها.

غلاف "جنائن الشرق الملتهبة"

 أين يقف الأدب العربي اليوم على خريطة الأدب العالمي؟

عكس النظرة المتشائمة التي يميل إليها البعض، فإنني متفائل في شأن الأدب العربي على خريطة الأدب العالمي. فنحن جزء من المغامرة الإنسانية في هذا الكون، خضنا تجارب تتشارك فيها شعوب أخرى، نحن كذلك صورة عن الآخرين، وما يكتب في الأدب العربي يستحق أن يقرأ خلف الحدود، لا بد أن المشكلة تتعلق بالمؤسسات وليس في الكتاب، في هذه المؤسسات التي لا تؤمن بالكاتب العربي ولا تدعم الترجمة، هي مؤسسات تنفق أموالا طائلة عندما يتعلق الامر بالسينما مع أنها سينما متعثرة، وعندما يتعلق الأمر بالأدب تغمض أعينها.

وكيف تنظر إلى دور النقد في هذا السياق؟

النقد هو كتابة إبداعية قائمة بذاتها، فالكاتب يصدر عمله، لكنه يظل في الهامش إلى أن يضيء عليه ناقد، فالنقد ينفذ في أعماق الكتابة، يضيء مناطقها المظلمة.

في لحظة معينة نحتاج إلى مغادرة المكان الذي نعيش فيه كي تتضح الرؤية نحوه

 لقد عرف النقد العربي مراحل مزدهرة في الماضي، ثم تراجع، إذ يتعلق السبب بتقلص مساحات النقد، نظير تراجع دور الصحف وكذلك المؤتمرات العلمية. مع ذلك لا يزال النقد يقاوم ويغالب مجرى التحولات التي نحيا فيها.

Ramzi Boudina / REUTERS
مشهد عام لمدينة الجزائر ومينائها التجاري، 24 أغسطس 2022

كيف تؤثر إقامتك في المهجر الاختيارية على كتاباتك؟

الأدب الجزائري في تعريفه هو أدب مهجري، معظم كبار الكتاب الجزائريين عاشوا في المهجر، ومن المنطقي أن أجد نفسي في ترحال، من أجل تعميق التجربة، من أجل فهم نفسي وفهم المكان الذي أكتب عنه. ففي لحظة معينة نحتاج إلى مغادرة المكان الذي نعيش فيه كي تتضح الرؤية نحوه.

font change

مقالات ذات صلة