يضعنا الكاتب الجزائري سمير قسيمي منذ السطور الأولى لروايته "الكهل الذي نسي" (دار نوفل- بيروت) في مهب أسئلة وجودية مغرقة بالألغاز يصعب تفكيك أركانها بسهولة، أسئلة تتعلق بالهوية والذاكرة والنسيان: طبيب عسكري، ومصحة، ومريض بذاكرة معطوبة. وعلى الضفة المقابلة يدير "العقيد" اللعبة من بعد بتوقيعه ملفات المرضى وتحديد مصائرهم بجرة قلم واحدة، وكأن البلاد بأكملها مصحة خانقة بلا نوافذ، وذلك باستدعاء ظلال العشرية السوداء التي أثقلت تاريخ الجزائر في تسعينات القرن المنصرم بالاضطرابات والعنف الدامي. فاتورة ضخمة، كان على معظم الروائيين الجزائريين أن ينال حصته من آلامها وأوجاعها بجرعات متفاوتة بين نص وآخر، لكن صاحب "كتاب الماشاء" يغوص عميقا في تشريح هذا المستنقع بحبر مختلف سواء لجهة بناء الحكاية وهدمها أو لجهة التقنيات السردية المبتكرة.
الملف رقم 362/ج
هكذا تتسرب سيرة المريض الذي بلا اسم على هيئة ومضات تشع وتنطفئ وفقا لعمل الذاكرة، فما بدأ بخط مستقيم ودائرة ونقطة فوق ورقة بيضاء في الطفولة البعيدة، سيتحول إلى أفعى تلتهم نفسها، إلا أن هذه الدائرة التي رسمها الطفل ستقودنا إلى متاهة بلا طريق للنجاة، ذلك أن ملف المريض الذي حمل الرقم 362/ج، وضع الطبيب أمام اختبار شاق من دون أن يتمكن من ترويض هذه الحالة المستعصية على الشفاء بوصفها "محاولة عبثية لاستنطاق النسيان".
هذه الوليمة من الأسى التي رافقت الطفل المولود في العام 1979 لأب يعمل حمالا في سوق نيلسون في العاصمة الجزائر وصولا إلى الكهولة، تنطوي على عذابات نفسية مرهقة وفانتازيا بخلائط عصية على الاحتمال، إذ تمحى تدريجيا سيرة الشاب نظرا لضبابية المشهد، وذلك في إشارة صريحة الى جيل أجهضت أحلامه خلال سنوات العنف، وها هو يسعى إلى ترميم تلك الحقبة المضطربة بذاكرة مشتتة، وبصراع محتدم بين وقائع دامية خبرها عن كثب من جهة، واستنفار السلطة لوأد كل ما يؤذي صورتها من طريق تصدير خطاب مضاد يعمل على محو ما حدث، وتأصيل أرشيف مزور للنسيان، من جهة ثانية.



