الفاتيكان المستمر بين "الماضي المحارب" والحاضر السلمي واللاعنفي

"لا"... ضد الحرب. أطلقها أيضا البابا الراحل قبل الأخير فرنسيس، وكررها بقوة في رسالته الشهيرة "أنتم إخوة" مركزا على أهمية الحياة

"المجلة"
"المجلة"

الفاتيكان المستمر بين "الماضي المحارب" والحاضر السلمي واللاعنفي

تبدو الكنيسة الكاثوليكية (الفاتيكان) اليوم على مسافة سنوات ضوئية من الحروب، ومما كانت تاريخيا تعلنه وتمارسه من تشجيع الحملات الصليبية التي شنها بعض الباباوات، مثل البابا بيوس الخامس (1576) الذي أعلن الحرب ضد السلطنة العثمانية في معركة ليبانتو الشهيرة، وأصبح قديسا فيما بعد، ثم البابا جوليو الثاني (1503) الذي كان يظهر في الصور حاملا السيف بيده، إذ كان معروفا عنه حبه لخوض المعارك، وغيرها من الأحداث والوقائع المشابهة. غير أن إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما في أغسطس/آب سنة 1945، دفع الكنيسة إلى التفكير بأن الحرب ستدمر العالم والبشرية.

وفيما الحرب مشتعلة هذه الأيام بين الولايات المتحدة وإيران، يعود الكلام عن مصطلح "الحرب العادلة" على أثر السجال الذي باشره الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ردا على انتقاد البابا لاون الرابع عشر للحرب، ومطالبته بالحوار والسلام، قائلا إن اسمه لم يكن مطروحا للبابوية، وإنما تم اختياره لأنه أميركي. وقد تم انتخاب لاون الرابع عشر في شهر أبريل/نيسان 2025 لخلافة البابا فرنسيس، أي بعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني من العام نفسه. وقد أعاد هذا السجال إلى الأذهان، مقولة جوزيف ستالين الشهيرة عام 1945 التي استخف فيها بأهمية ووزن البابا، الذي أعلن الحرب على الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر عندما تساءل قائلا: "كم دبابة يملك البابا؟". وجاء كلامه ردا على ما أخبره به رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في مؤتمر يالطا الشهير. غير أن هذا السجال يعيد إلى الأذهان مواقف باباوات الفاتيكان من الحروب، والذين تعاقبوا على سدة الكرسي الرسولي منذ مئات السنين.

بين القرن الخامس عشر والسادس عشر الذي عرف بعصر النهضة، تميزت تلك الحقبة بقوة الكنيسة وازدهارها، وتمكن الباباوات من فرض سطوتهم، ليس كرؤساء روحيين، بل كرجال سلطة بلا منازع، وفرضوا أنفسهم ضمن المعادلة السياسية لذلك العصر

وقبل نحو ألف سنة، قام البابا أوربانوس الثاني خلال "مجمع كليرمون" في فرنسا عام 1095 بإعلان حملة صليبية لأن "الله يريدها" كما قال. وفيما بعد عام 1503 انتخب جوليانو ديللا روفيري وأصبح لقبه جوليو الثاني وكان من عائلة أرستقراطية، وعمه كان بابا، عرف بقوة شخصيته وشدة شكيمته، وقد لقب بـ"البابا المقاتل" و"البابا الرهيب" لطبعه الحاد، وسرعة غضبه، ولنزوعه إلى استعمال القوة والسلاح للدفاع عن مصالح الكنيسة. وبين القرن الخامس عشر، والسادس عشر الذي عرف بعصر النهضة، تميزت تلك الحقبة بقوة الكنيسة وازدهارها، بعد أن تمكنت من تخطي مضاعفات الانشقاق داخلها، وفرض سيطرتها على كل العالم المسيحي، إذ تمكن الباباوات في تلك المرحلة، من فرض سطوتهم، ليس كرؤساء روحيين، بل كرجال سلطة بلا منازع، وفرضوا أنفسهم ضمن المعادلة السياسية لذلك العصر.

أ.ف.ب
خلال قداس أحد الشعانين الذي ترأسه البابا لاون الرابع عشر في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان في 29 مارس 2026

وفيما بعد قام بيوس الخامس عام 1517 بإعلان ما أطلق عليه "العصبة المقدسة" ضد العثمانيين، وكانت مؤلفة من إسبانيا وإمارات فينيسيا، وجنوا ومالطة ودوقية بارما ومانتوفا وفيرارا وأوربينو وسافويا وتوسكانا (مدينة فلورنسا) ويومها رمى البابا بيوس الخامس بثقله منعا للتأخير في انطلاقة الحملة، وهدّد المتحالفين بالحرب في حال لم يبحر المشاركون، وقام بمباركة سلاح وراية الحملة اللذين تم تسليمهما في شهر أغسطس/آب 1571 إلى يوحنا النمساوي، في كنيسة سانتا كيارا في مدينة نابولي. ولا يزال ماثلا إلى العيان رسم كبير عن معركة ليبانتو في إحدى قاعات الفاتيكان، التي انتهت بانتصار الحملة المسيحية، وتدمير أسطول الإمبراطورية العثمانية.

واليوم أمام هذا السلاح الحديث التدميري والفتاك، يصبح من الصعب الكلام عن "حرب عادلة" كما كانت تعتبر أو تصنف في تلك السنين. وبدأ التغيير يعصف بأروقة الفاتيكان، وانتقل البابا بيوس الثاني عشر من دعم الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني إلى الخلاف معه، ثم معارضته الحرب عام 1945. وفي عام 1963 قال البابا يوحنا الثالث والعشرون، الذي اشتهر كمجدد وإصلاحي، إنه في عصر الطاقة الذرية يصعب التفكير باعتبار الحرب وسيلة لإحقاق العدالة. وعلى هذا الخط يسير البابا الحالي، الذي يجعل السعي من أجل السلام عنوانا لبابويته، فقد كان لاهوتيو تلك العصور ينظرون للحروب التي كانت يومها تخاض بالسيف والعصي، وليس بالأسلحة التكنولوجية المتطورة والمسيرات عن بُعد.

رويترز
البابا لاون الرابع عشر ينزل من الطائرة البابوية لدى وصوله إلى مطار رفيق الحريري الدولي، خلال رحلته الرسولية الأولى، في بيروت، لبنان، 30 نوفمبر 2025

وقد بدأت الكنيسة باكرا بالتفكير بهول الحروب ومخاطرها، ففي عام 1917 قام البابا بينديكتوس الخامس عشر بمخاطبة المتحاربين قائلا: "إن الحرب هي مذبحة عديمة الفائدة"، كما حاول البابا بيوس الثاني عشر إقناع الدول بتحاشي الحرب العالمية الثانية، ثم مواقف يوحنا الثالث والعشرين الذي أطلق نداءاته المتكررة بدءا من عام 1958 محذرا من فظاعة الحروب وعدم عدالتها، إلى صراخ بولس السادس في الأمم المتحدة ضد الحرب في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 1965 إلى محاولات يوحنا بولس الثاني لوقف الحروب في الشرق الأوسط بدءا من لبنان.

حاول الباباوات في الماضي لعب دور السلطة الدينية والزمنية، عبر الهيمنة وفرض الدين، ويحاولون اليوم لعب دور حضاري إنساني بعد أن تخلصوا من عقلية الهيمنة والوصاية، وتسلحوا بالقوة الأخلاقية والمعنوية

حاول الباباوات في الماضي لعب دور السلطة الدينية والزمنية، عبر الهيمنة وفرض الدين، ويحاولون اليوم لعب دور حضاري إنساني بعد أن تخلصوا من عقلية الهيمنة والوصاية، وتسلحوا بالقوة الأخلاقية والمعنوية، كل ذلك انطلاقا من دولة كنيسة القديس بطرس في روما التي يبلغ عدد سكانها 826 شخصا فقط (إحصائيات روزنامة نيويورك 2010) والمؤلفون من البابا والكرادلة، وباقي رجال الدين المحيطين بالحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية. وكان نموذج تأثير يوحنا بولس الثاني في بلده البولوني، بمثابة الرد على الأرجح، على عبارة ستالين من وارسو في خريف عام 1980 عندما كان البابا يوحنا بولس الثاني (وهو أول شخص بولوني يترأس الكرسي الرسولي عام 1978) وهو الراعي لحركة "تضامن" البولندية التي خاضت نضالا سلميا ضد وصاية موسكو، لتكون تلك الحركة الاهتزاز الأول في منظومة حلف وارسو السوفياتية، بانتخاب زعيم الحركة ليخ فاليسا رئيسا عام 1990، ويعود هذا إلى الدعم الذي قدمه يوحنا بولس الثاني بنداءاته المتواصلة وزياراته المتكررة.

نعيش اليوم حربا عالمية رهيبة بالقطعة، وليس من السهل معرفة ما إذا كان عالم اليوم أكثر أو أقل عنفا مما كان عليه أمس، ولا إذا كانت وسائل التواصل الحديثة اليوم تجعلنا أكثر إدراكا للعنف، أم إننا اعتدنا عليها

لا... ضد الحرب

أطلقها أيضا البابا الراحل قبل الأخير فرنسيس، وكررها بقوة في رسالته الشهيرة "أنتم إخوة" مركزا على أهمية الحياة: "كفى عرض القوة والعضلات. إن القوة الحقيقية هي في خدمة الحياة". وسنة 2019 زار فرنسيس الأرجنتيني هيروشيما رافعا صوته وصارخا: "استعمال السلاح النووي مسألة غير أخلاقية، ولا يحق لأحد أن يهدد وجود الآخر وحياته". وقد ذهب البابا فرنسيس أكثر إلى الأمام، وكأنه حاول التكفير عن خطاب الماضي البابوي، الذي أدخل عليه إصلاحات جذرية في المفاهيم والإدارة والأسلوب، طارحا اللاعنف كأسلوب لمواجهة المشكلات التي تواجهها البشرية اليوم، موضحا أن القرن الماضي واجه حربين عالميتين، وعرف خطر وقوع حرب نووية وغيرها من الصراعات الأخرى، فيما "نعيش اليوم حربا عالمية رهيبة بالقطعة، وليس من السهل معرفة ما إذا كان عالم اليوم أكثر أو أقل عنفا مما كان عليه أمس، ولا إذا كانت وسائل التواصل الحديثة اليوم تجعلنا أكثر إدراكا للعنف، أم إننا اعتدنا عليها". وهنا يرى البابا أن المسيح نفسه قد عرف العنف، وعرف كيف يعالجه، الذي برأيه كان ولا يزال في قلوب البشر، وهنا يصر البابا على أن هذا لا يعني تسليما أو استسلاما.

يمشي البابا الحالي عمليا "بين النقاط" لأنه يحاول الاستمرار على نهج سلفه السلمي واللاعنفي من خلال مواقفه والرسائل التي يطلقها، والتي يصر عليها خلال زيارته الحالية إلى دول أفريقية

واليوم يمشي البابا الحالي عمليا "بين النقاط" لأنه يحاول الاستمرار على نهج سلفه السلمي واللاعنفي من خلال مواقفه والرسائل التي يطلقها، والتي يصر عليها خلال زيارته الحالية إلى دول أفريقية، لم يزرها سابقا غيره من الباباوات، وما يعيش ويشاهد من اضطرابات ومآسٍ حالية في أكثر من منطقة في العالم، وبالأخص في الشرق الأوسط الذي يعيش تحت وطأة حرب تكنولوجية غير مسبوقة، وما يمارس من عنف ودمار ومآسٍ بشرية.

font change

مقالات ذات صلة