زيارة بابا الفاتكيان للجزائر ورسائلها الجيوسياسية

توقيت الزيارة يتجاوز الدين إلى السياسة

رويترز/أ.ف.ب/المجلة
رويترز/أ.ف.ب/المجلة

زيارة بابا الفاتكيان للجزائر ورسائلها الجيوسياسية

تستعد الجزائر لاستقبال بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر في زيارة تاريخية تمتد من 13 إلى 15 أبريل/نيسان 2026، وهي الأولى من نوعها منذ استقلال البلاد، تحت شعار "السلام عليكم".

يبدأ البابا زيارته بالعاصمة، حيث يلتقي الرئيس عبد المجيد تبون، ويزور مقام الشهيد والجامع الأعظم، قبل أن يلتقي أفراد الجالية الكاثوليكية في كنيسة سيدة أفريقيا. وفي اليوم الثاني، يتوجه إلى مدينة عنابة شرق البلاد، حيث يزور الموقع الأثري هيبون المرتبط بالقديس أوغسطين، وسيقيم قداساً في كنيسته.

وتكتسب الزيارة أبعادا تتجاوز الطابع الديني، إذ تأتي في سياق انتقادات متكررة توجهها دول غربية للجزائر بشأن حرية الأديان. فقد صنّفت وزارة الخارجية الأميركية الجزائرَ ضمن قائمة "المراقبة الخاصة" في أحدث تقاريرها الصادر في يناير/كانون الثاني 2026، إلى جانب أربع دول أخرى، بسبب "انتهاكات جسيمة لحرية الدين". كما أبدى برلمانيون أوروبيون قلقهم إزاء إغلاق بعض الكنائس وتضييق السلطات على ممارسة الشعائر المسيحية واقتناء الأناجيل.

ويجدر في هذا السياق الإشارة إلى أن الجزائر خرجت من عشرية دموية، وكانت فيها المؤسسات الدينية أحياناً مدخلاً للتطرف والتمويل المشبوه. ومن هذه الزاوية، يبدو قرار إغلاق المباني غير المرخصة التي تتلقى تمويلاً مجهول المصدر إجراءً أمنياً مبرراً لا يختلف جوهرياً عما تنتهجه دول غربية في مراقبة المساجد والجمعيات ذات التمويل الأجنبي.

علاوة على ذلك، لم تُسجَّل في الجزائر أي موجة اضطهاد منظم للمسيحيين المقيمين فيها، وغالبيتهم من الجاليات الأجنبية أو العمال الأفارقة الوافدين، الذين يمارسون شعائرهم بحرية داخل الكنائس المرخصة. وهذا التمييز الدقيق بين حماية الحرية الدينية الفردية وضبط النشاط التبشيري المنظم هو ما تغفله التقارير الغربية عن سابق إصرار، مما قد يجعل تصنيف الجزائر في قوائم الدول "المثيرة للقلق" تصنيفاً مسيّساً أكثر منه موضوعياً.

ما وراء الزيارة

يرى الدكتور فؤاد جدو، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بسكرة، أن الزيارة تحمل أبعاداً تتجاوز طابعها الديني الظاهر، مستنداً إلى عمق الموروث المسيحي في الجزائر التي شهدت ازدهار المسيحية في قرونها الأولى، وكانت مسقط رأس القديس أوغسطين وموطن تيارات فكرية دينية بارزة.

ويرفض جدو التوصيف الغربي للجزائر بوصفها دولة مقيِّدة للحرية الدينية، مستشهداً بالكنائس الكبرى النشطة في العاصمة وعنابة، ومنبّهاً إلى ضرورة التمييز بين ملف واحد أثّر في الصورة وهو مقتل رهبان تيبحيرين على يد الجماعات الإرهابية عام 1996، وبين الواقع المسيحي في مجمله.

أ.ف.ب
كاتدرائية القديس أوغسطين بعد إعادة افتتاحها في مدينة عنابة شرقي الجزائر

ويُميّز الدستور الجزائري بوضوح بين حرية ممارسة الشعائر الدينية المكفولة قانوناً، وبين أنشطة التبشير الموجهة للمسلمين التي يجرّمها القانون باعتبارها مساساً بالعقيدة. وفي هذا السياق، أقدمت السلطات عام 2019 على إغلاق 49 مبنى كانت تُستخدم أماكن للعبادة بصورة غير نظامية وتتلقى تمويلاً مجهول المصدر.

ويخلص جدو إلى أن الزيارة البابوية تمثل رداً دبلوماسياً ضمنياً على الجهات الغربية التي تُوظّف ملف الأقليات الدينية ورقةَ ضغط سياسية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

يُميّز الدستور الجزائري بوضوح بين حرية ممارسة الشعائر الدينية المكفولة قانوناً، وبين أنشطة التبشير الموجهة للمسلمين التي يجرّمها القانون باعتبارها مساساً بالعقيدة

دلالات تتجاوز البروتوكول

يصف محمد زناسني، الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية، الانتقادات الغربية الموجهة للجزائر في ملف الحرية الدينية بأنها "شماعة سياسية" توظَّف لخدمة أجندات خارجية، مستنكراً ازدواجية المعايير التي تتجاهل ما يتعرض له المسيحيون الفلسطينيون من تهجير وقتل دون أن تُحرك ساكناً.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى الدكتور خثير شين الإبراهيمي أن قيمة الزيارة لا تُقاس بما قد تُفضي إليه من اتفاقيات استثمارية مباشرة، بل بما تُضيفه إلى رصيد الجزائر المعنوي. فصورة البلاد بوصفها نموذجاً للاستقرار والتعايش تُعزز جاذبيتها في القطاعات الحساسة كالطاقة والصناعات التحويلية الموجهة نحو الأسواق الأوروبية.

أ.ف.ب
بابا الفاتيكان يلوّح للحضور في ختام قدّاسٍ نهاية العام الماضي

وتكتسب هذه القراءة ثقلاً استثنائياً في ضوء الحرب الدائرة على إيران منذ فبراير/شباط 2026، التي أعادت رسم خريطة أمن الطاقة العالمي بصورة لم تشهدها المنظومة الدولية منذ أزمات النفط في سبعينات القرن الماضي. فمع إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وتراجع صادرات النفط الخليجي بنسب حادة، باتت أوروبا تبحث باستعجال عن مصادر بديلة وموثوقة للطاقة، وهو ما يضع الجزائر في موقع استراتيجي.

مع إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وتراجع صادرات النفط الخليجي بنسب حادة، باتت أوروبا تبحث باستعجال عن مصادر بديلة وموثوقة للطاقة، وهو ما يضع الجزائر في موقع استراتيجي

فالجزائر تُعدّ من بين أكبر موردي الغاز الطبيعي إلى أوروبا، إذ تربطها بالقارة شبكة من خطوط الأنابيب البرية والبحرية، في مقدمتها خط "ميدغاز" الرابط بإسبانيا وخط "ترانسميد" الممتد عبر تونس نحو إيطاليا. ومع تصاعد الاضطرابات في منطقة الخليج وارتفاع أسعار النفط نحو 120 دولاراً للبرميل، تحوّل الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري من خيار تنويع إلى ضرورة استراتيجية.

ويُضاف إلى ذلك أن الجزائر تمتلك احتياطيات ضخمة من الغاز الصخري في منطقة أحواض تيميمون وأهنت، تُصنّفها بعض التقديرات ضمن الأكبر عالمياً، فضلاً عن قطاع متنامٍ في الطاقة الشمسية في إطار مشروع "تافسيت" وغيره من المبادرات الرامية إلى تصدير الكهرباء النظيفة نحو أوروبا عبر كابلات بحرية.

وفي هذا السياق، تتحول الزيارة البابوية إلى رسالة ضمنية موجهة نحو العواصم الأوروبية مفادها أن الجزائر ليست مجرد مورد للطاقة، بل شريك مستقر وموثوق في بيئة إقليمية تتسم بعدم اليقين. وهو ما يمنح البلاد رافعة تفاوضية حقيقية في مفاوضات عقود الطاقة طويلة الأمد مع الاتحاد الأوروبي.

وفي المحصلة، تتجاوز هذه الزيارة طابعها الديني والبروتوكولي لتُقرأ في سياق إعادة ترتيب التحالفات الدولية وتنامي التنافس بين الشمال والجنوب، وسعي الجزائر إلى إعادة تموضعها في منظومة النفوذ الإقليمي بأدوات ناعمة.

font change