العلاقة بين البيت الأبيض والفاتيكان... في أسوأ حالاتها

ترمب يهاجم البابا ليو ويطالبه بتحسين أدائه كرئيس للكنيسة الكاثوليكية

إدواردو رامون
إدواردو رامون

العلاقة بين البيت الأبيض والفاتيكان... في أسوأ حالاتها

في واحدة من الوقائع النادرة في التاريخ المعاصر، شن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هجوما عنيفا على البابا ليو الرابع عشر، رأس الكنيسة الكاثوليكية بعد أن انتقد الأخير سياساته المناهضة للمهاجرين وحربه على إيران.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يهاجم فيها ترمب بابا روما إذ تصادم مع البابا فرانسيس الراحل حول برنامجه بشأن الهجرة خلال حملته الانتخابية عام 2016 بعد أن علق البابا قائلا إن "أي شخص يفكر في بناء جدران فاصلة على الحدود ليس بمسيحي". ووصف ترمب تصريحات البابا بأنها "مخزية."

وينتهج البابا ليو المسار الإنساني نفسه الذي سلكه سلفه البابا فرانسيس.

لكن الهجوم الذي شنه ترمب على البابا ليو هو الأعنف على الإطلاق من قبل رئيس أميركي على رأس الكنيسة الكاثوليكية.

بدأت حملة الرئيس الأميركي على البابا بعد أن دأب الأخير على انتقاد سياسات ترمب العنيفة إزاء المهاجرين والحرب في غزة واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ثم الحرب على إيران.

أدان البابا الحرب مع إيران، داعيا إلى الجنوح للتفاوض ووقف إطلاق النار. ووصف تهديد ترمب بمحو حضارة إيران بأنه "مرفوض"، داعيا إياه إلى إنهاء هذا الصراع

ففي سبتمبر/أيلول من العام الماضي صرح البابا ليو بأن من يعاملون المهاجرين بطريقة غير إنسانية في الولايات المتحدة ليسوا من أهل الحفاظ على الحياة، في إشارة إلى شعار الجمهوريين المناهض للإجهاض. وفي الشهر نفسه دعا البابا ليو الرابع عشر إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن وحماية المدنيين من الصراع الذي وصفه "بالهمجي". وطالب بوضع حد للمأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون الذين قال إن لهم الحق في العيش على أرضهم بسلام، معربا عن تعاطفه الشديد معهم.

وفي خضم حملة ترمب على المهاجرين غير القانونيين في شيكاغو، مسقط رأس البابا ليو، كان الأخير يستقبل مجموعات من الكاثوليك الذين جاءوا من مدينة إلباسو في تكساس في أكتوبر/تشرين الأول يشكون خوفهم من الذهاب إلى القداس في الكنائس خشية الاعتقال من قبل سلطات الهجرة. وفي العاشر من أبريل/نيسان الماضي كتب البابا على وسائل التواصل "إن الرب لا يبارك أي صراع ولا يؤيد أولئك الذين يشهرون السلاح ويسقطون القنابل، ولا يقبل صلوات من يشنون الحروب".

أ.ف.ب
صورة للرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة، وصورة أخرى مُولّدة بالذكاء الاصطناعي نشرها على منصته "تروث سوشيال" تُصوّره في هيئة السيد المسيح بعد انتقاده للبابا، تُظهر هذه الصورة التوضيحية، في 13 أبريل 2026

وأدان البابا الحرب مع إيران، داعيا إلى الجنوح للتفاوض ووقف إطلاق النار. ووصف تهديد ترمب بمحو حضارة إيران بأنه "مرفوض"، داعيا إياه إلى إنهاء هذا الصراع.  

أثارت هذه التصريحات حفيظة ترمب الذي وصف البابا بأنه "ضعيف إزاء الجريمة" و"فاشل في السياسة الخارجية". وعليه أن "يحسن من أدائه كبابا للكنيسة، وليس كسياسي"، محذرا من أن هذا "يضر به وبالكنيسة الكاثوليكية عموما".

وقال ترمب إنه لا يحب أن يكون هناك بابا لا يرى أي غضاضة في امتلاك إيران للسلاح النووي، ويدين الهجوم الأميركي على فنزويلا التي تدخل كميات هائلة من المخدرات إلى الولايات المتحدة "وتفرغ سجونها من القتلة والمجرمين وتجار المخدرات على حدودنا". وأضاف أنه "لا يريد بابا ينتقد رئيس الولايات المتحدة لمجرد أنه يقوم بما انتخب من أجله... رئيسا حقق أرقاما قياسية في مكافحة الجريمة وخلق أفضل سوق للأسهم في التاريخ".

وأشار ترمب إلى أنه يفضل شقيق البابا، لويس بريفوست، الذي يؤيد حركة "ماغا"، مدعيا أنه لولاه "لما أصبح ليو بابا للفاتيكان". وأوضح أنه انتخب رئيسا للكنيسة لأنه أميركي وأن من انتخبوه رأوا أن تلك هي أفضل طريقة "للتعامل مع دونالد ترمب". وزاد ترمب في هجومه على البابا الذي قال إنه ليس من المعجبين به ونعته بأنه "شديد الليبرالية".

ثم نشر ترمب رسما مخلقا بالذكاء الاصطناعي يصوره على هيئة قديس يمتلك قدرات خارقة على الشفاء كالمسيح بينما يحلق فوقه العلم الأميركي والنسر وقوات أميركية.

سياسيا، يميل ما يقرب من 53 في المئة من الناخبين الكاثوليك إلى التصويت للجمهوريين مقابل 43 في المئة يصوتون غالبا للحزب الديمقراطي. ويتباين الانتماء الحزبي بين الكاثوليك حسب العرق

وردّ البابا بأنه "لا يخشى من إدارة ترمب ولا من أن يصدح بالحق". وتعهد بأن يواصل رفع صوته بمعارضة الحرب، والدعوة إلى السلام والحوار والتوصل إلى حلول عادلة للمشاكل. ولفت إلى أن الكثير من الأبرياء يقتلون ويتعين أن يهب إنسان ما ليقول إن ثمة سبيلا أفضل للتوصل إلى حلول. وحاول البابا تجنب ذكر ترمب، إلا أنه دعا في قداسه يوم 11 أبريل/نيسان الذي بدأت فيه المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان إلى "الكف عن عبادة الذات والمال واستعراض القوة وإشعال الحروب".     

وفي خطبة لاحقة أثناء زيارته للجزائر، انتقد البابا ما وصفه بالانتهاكات المستمرة للقانون الدولي وإحياء الممارسات الاستعمارية، داعيا زعماء العالم إلى إعلاء مبادئ العدل والتضامن. 

ونددت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بهجوم ترمب على البابا واعتبرته "غير مقبول". وقالت في بيان: "إن البابا هو رأس الكنيسة الكاثوليكية ومن الطبيعي أن يدعو إلى السلام وأن يدين كافة أشكال الحرب".

ويشكل الكاثوليك نحو 20 في المئة من الأميركيين إذ يبلغ عددهم حوالي 70 مليونا، ومن بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس. وكشف استطلاع للرأي أجرته "أسوشييتد برس" أن أكثر من 50 في المئة من الناخبين الكاثوليك صوتوا لترمب في 2024، بيد أن غالبية زعمائهم يرفضون الحرب.

ويقدر عدد الكاثوليك في العالم بما يتراوح بين 1.3 مليار إلى 1.5 مليار شخص، مقابل ما بين 800 مليون إلى مليار بروتستانتي.

رويترز
البابا ليو الرابع عشر يلقي خطابا انتقد فيه قادة العالم لما وصفه بإنفاق مليارات الدولارات على "القتل والدمار"، وذلك خلال اجتماع من أجل السلام مع أهالي بامندا في كاتدرائية القديس يوسف في بامندا، الكاميرون، في 16 أبريل 2026

وتأسست الولايات المتحدة على المذهب البروتستانتي الذي ينتمي إليه نحو 45 في المئة من الأميركيين البالغين، وإن كانت السنوات الأخيرة قد شهدت تراجعا في أعداد المنتسبين إلى المذهبين الرئيسين حيث ارتفعت نسبة اللامنتمين إلى أي منهما إلى نحو 26 في المئة من إجمالي السكان الذين تجاوز عددهم 330 مليونا. ويتركز أغلبية البروتستانت بمختلف طوائفهم من المعمدانيين، والميثوديين، واللوثريين، والمشيخيين، والخمسينيين، والأنجليكانيين/الأسقفيين، وغير الطائفيين، في الحزام الإنجيلي بالجنوب، بينما يتمركز الكاثوليك في الشمال الشرقي والوسط الغربي والوسط الشرقي. ووفقا لإحصائيات الفاتيكان، تضم الولايات المتحدة واحدة من أكبر كتل الكاثوليك في العالم، لا يسبقها سوى البرازيل والمكسيك والفلبين.

وتكشف إحصائيات "معهد بيو للأبحاث" أن البيض يشكلون 54 في المئة من الكاثوليك الأميركيين، ويليهم ذوو الأصول الأسبانية (36 في المئة)، ثم الآسيويين (4 في المئة) ثم السود (2 في المئة). ويمثل المهاجرون من الجيل الثالث وأطفالهم زهاء 40 في المئة من الكاثوليك.

سياسيا، يميل ما يقرب من 53 في المئة من الناخبين الكاثوليك إلى التصويت للجمهوريين مقابل 43 في المئة يصوتون غالبا للحزب الديمقراطي. ويتباين الانتماء الحزبي بين الكاثوليك حسب العرق إذ يميل 60 في المئة من البيض الكاثوليك إلى الحزب الجمهوري بينما ينتمي نحو 36  في المئة منهم إلى الحزب الديمقراطي. ويقول 56 في المئة من الكاثوليك ذوي الأصول الأسبانية إنهم يميلون للحزب الديمقراطي.

ويكاد يكون الرئيسان الوحيدان للولايات المتحدة اللذان ينتميان إلى المذهب الكاثوليكي هما جون كنيدي وجو بايدن.

وكان البروتستانتي وودرو ويلسون هو أول رئيس أميركي يلتقي بابا الفاتيكان في حاضرته بإيطاليا وذلك في عام 1919 خلال جولته بأوروبا في أعقاب الحرب العالمية الأولى حينما كانت القارة مدمرة وتعج بالاضطرابات.

شهدت ولايتا رونالد ريغان العصر الذهبي للعلاقة بين البيت الأبيض والفاتيكان حيث التقى الرئيس الأميركي بالبابا يوحنا بولس الثاني أربع مرات

وشكل اللقاء بين ويلسون والبابا بنيديكت الخامس عشر التقاء بين رؤيتين عالميتين للسلام، اختلفتا أحيانا واتفقتا أحيانا أخرى لكنهما ساهمتا بالتأكيد في رسم أطر علاقة ظلت صامدة لأكثر من قرن.

وكانت زيارة كنيدي للبابا بولس السادس عام 1963 محط أنظار الأميركيين وتهكم الكثير من وسائل الإعلام التي تساءلت عما إذا كان كنيدي سينحني  ليقبل خاتم البابا كما يفعل الكاثوليك. لكن الزعيمين اكتفيا بالمصافحة الحارة. ولم تكد تمر خمسة أشهر على الزيارة حتى اغتيل كنيدي وبكى البابا بكاء شديدا بعد أن أدان الجريمة، حسبما ذكر المقربون منه.    

وخلال زيارة الرئيس ليندون جونسون للفاتيكان عام 1967، أعرب البابا بولس السادس عن غضبه ومعارضته لحرب فيتنام.

والتقى الرئيس ريتشارد نيكسون مرتين بالبابا بولس السادس في الفاتيكان حيث بحثا في الأولى عام 1969 الحرب الدائرة في فيتنام مع وعود بتحقيق السلام هناك. لكنهما عندما التقيا مرة أخرى عام 1970 كانت الحرب لا تزال مستعرة واحتدم الغضب بينهما خلال الاجتماع.

وخلال زيارة الرئيس جيرالد فورد للفاتيكان عام 1975، دعا البابا بولس السادس إلى أن تلقي الولايات المتحدة بثقلها لتوحيد أوروبا الممزقة بفعل الحرب الباردة، وتحقيق السلام بين مصر وإسرائيل لتشجيع التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين.    

وفي عام 1979، إبان ولاية الرئيس جيمي كارتر، كان يوحنا بولس الثاني هو أول بابا يزور البيت الأبيض، وبعدها استقبله البابا بالفاتيكان حيث أدان كارتر توسع الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط وغزوه لأفغانستان. كما حثه البابا على تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

رويترز
البابا يوحنا بولس الثاني يصافح الرئيس الأميركي رونالد ريغان خلال لقائهما في الفاتيكان في 6 يونيو 1987

وشهدت ولايتا رونالد ريغان العصر الذهبي للعلاقة بين البيت الأبيض والفاتيكان حيث التقى الرئيس الأميركي بالبابا يوحنا بولس الثاني أربع مرات، اثنتين منهما في الفاتيكان واثنتين بواشنطن. وجرى لقاؤهما الأول في 7 يونيو/حزيران 1982 بالفاتيكان بعد أن نجا كلاهما من محاولة اغتيال عام 1981 واعتبرا الاجتماع المغلق الذي جمعهما بمثابة إشارة إلهية كي ينجزا ما بعثا من أجله. وعلى مدى السنوات التالية، ساهمت العلاقة الوثيقة بين إدارة ريغان والكرسي البابوي في إعادة تشكيل أوروبا في خضم اضطرابات الحرب الباردة. وبعدها بعامين، دشن الجانبان علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء حيث أصبح ويليام ويلسون أول سفير أميركي للكرسي البابوي، لينهي قرونا من دبلوماسية المبعوث الخاص للرئيس لدى الفاتيكان.

وخلال ولاية الرئيس جورج بوش الأب، ألقت الحرب في العراق بظلالها على لقاءيهما عامي 1989 و1991 حيث دوت أصداء دعوة البابا يوحنا بولس الثاني للسلام إبان حرب الخليج الأولى التي وصفها بأنها "مغامرة لا عودة منها".

وكان لقاء الرئيس بيل كلينتون بالبابا يوحنا بولس الثاني أربع مرات، منها مرة واحدة بالفاتيكان عام 1994، تتويجا للمسؤولية المتبادلة باعتبارهما قوتين عظميين تعليان القيم الأخلاقية. وتصدرت قضية الإجهاض جدول المباحثات بينهما.

رغم أن زعيمي البيت الأبيض والفاتيكان لم يكونا أبدا على وفاق تام بشأن كل القضايا، فإن ثمة شيئا مشتركا جمعهما على الدوام، فيما عدا ما تشهده العلاقة الحالية من تردٍ لم يسبق له مثيل

وضرب الرئيس جورج بوش الابن الرقم القياسي في اللقاء بالبابوين يوحنا بولس الثاني وبنيديكت السادس عشر. وجاء لقاؤه الأول بالبابا يوحنا بولس الثاني في مايو/أيار 2002 بعد عدة أشهر من هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول حيث أخفق البابا في إثناء بوش عن غزو العراق. وندد البابا بالحرب في لقاء تال في يونيو/حزيران 2004. وأهداه الرئيس بوش "وسام الحرية" في آخر لقاء لهما. والتقى بوش بخلفه البابا بنيديكت مرتين في عامي 2007 و2009 وانصبت المحادثات على التوترات في الشرق الأوسط واختلاف الرؤى بينهما بشأن العراق والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أما الرئيس أوباما فالتقى برئيس الكنيسة الكاثوليكية ثلاث مرات، أولها بالبابا بنيديكت السادس عشر عام 2009 ثم بالبابا فرانسيس مرتين في عامي 2014 و2015. واحتلت قضايا الإجهاض والاستنساخ والحريات الدينية صدارة المناقشات.

رويترز
البابا فرنسيس يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء خاص في الفاتيكان، 24 مايو2017

وكان التوتر بين البيت الأبيض والبابا قد احتدم بالفعل قبل زيارة الرئيس ترمب للفاتيكان في 24 مايو/أيار 2017 حيث انتقد البابا فرانسيس وعود ترمب أثناء حملته الانتخابية لبناء جدران فاصلة على الحدود مع المكسيك. وقال إن من "يبني جدرانا بدلا من الجسور ليس بمسيحي". ورد ترمب على "تويتر" واصفا بيان البابا بـ"المشين". وانتهى اللقاء بينهما بالتقاط صورة بين ترمب والسيدة الأولى ميلانيا مع البابا الذي علت وجهه ملامح عابسة باتت هي الذكرى الباقية من الزيارة.   

وفي خضم أزمة "كوفيد"، التقى الرئيس جو بايدن بالبابا فرانسيس في الفاتيكان خلال زيارته لأوروبا لحضور قمة مجموعة العشرين ومؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ حيث ناقشا "التزامهما المشترك بحماية كوكب الأرض والوضع الصحي، ومكافحة جائحة (كوفيد-19)، بالإضافة إلى قضية اللاجئين، وكيفية مساعدة المهاجرين".

وظلت قضية اللاجئين والمهاجرين هي الشغل الشاغل للبابا فرانسيس، إلى جانب نشر السلام والتآخي بين الدول والمواطنين والتآزر في مواجهة الكوارث البشرية والطبيعية، وهي ذات القضايا التي وسعت الفجوة بين ترمب والكنيسة الكاثوليكية حتى بلغت أسوأ مستوى من التوتر بين الجانبين منذ عقود.

ورغم أن زعيمي البيت الأبيض والفاتيكان لم يكونا أبدا على وفاق تام بشأن كل القضايا، فإن ثمة شيئا مشتركا جمعهما على الدوام، فيما عدا ما تشهده العلاقة الحالية من تردٍ لم يسبق له مثيل.

font change

مقالات ذات صلة