فعلى سبيل المثال، يرى آمبروز إيفانز-بريتشارد، في مقال له بصحيفة "التلغراف"، أن خطوات ترمب قد تقوده إلى لحظة تاريخية تذكر بأزمة السويس سنة 1956، أي إلى مشهد يتبدد فيه النجاح العسكري السريع تحت وطأة ضغوط اقتصادية عالمية أوسع، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تراجع مهين وتحول في موازين السياسة الدولية.
وقد يكون من السابق لأوانه الجزم بصحة هذه التقديرات، فما دمنا نجهل كيف ستنتهي هذه الحرب، لا يمكن إطلاق أحكام واثقة على الكيفية التي قد يتبدل بها المشهدان السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، لا يبدو تشبيه هذه اللحظة بأزمة السويس بعيدا تماما من الواقع. فمن الجلي منذ الآن أن الحرب مرشحة لأن تدفع نحو تبدلات سياسية واقتصادية، حتى لو ظل مدى هذه التبدلات مجهولا لسنوات.
لا رجعة إلى الوراء بالنسبة إلى إيران
يبدو أن البلد القابع في قلب هذا الصراع هو الأشد عرضة للتحول بفعل تداعياته. وقد يتخذ هذا التحول صورة تغيير للنظام، وهو ما سعت إليه إسرائيل والولايات المتحدة، أو قد ينزلق إلى حرب أهلية. لكن المؤشرات حتى الآن لا توحي بأن أيا من هذين الاحتمالين بات وشيكا. والأرجح أن النظام سيبقى، بصورة أو بأخرى، لكن بقاءه لن يعني عودته إلى ما كان قائما قبل الحرب. فعلى الصعيد الداخلي، قد يكون الجدل الذي وسم السياسة الإيرانية طوال العقود الماضية، حول الانفتاح على الولايات المتحدة وحلفائها والتفاوض معهم، قد اقترب من الحسم، مع تمسك المتشددين بأن الأيام قد أثبتت صحة شكوكهم القديمة. أما ما إذا كان هؤلاء المتشددون الصاعدون سيتجهون إلى مزيد من القبضة الصارمة في الداخل، أو سيقدمون بعض التنازلات لإضعاف حركة المعارضة التي كانت تهدد النظام قبل الحرب، فذلك ما لم يتكشف بعد.
أما على المستوى الإقليمي، فإن استعداد إيران لمهاجمة جيرانها الخليجيين، رغم محاولاتهم قبل الحرب سلوك طريق التهدئة والوساطة، لن يغيب سريعا عن الذاكرة. وصحيح أن ثمة أوجها من الشبه مع الكيفية التي صار بها صدام حسين منبوذا بعد حرب الخليج، إلا أنه من المستبعد أن تتوافق الأمم المتحدة على عقوبات خانقة تماثل تلك التي فرضتها على العراق. كذلك لن يقطع حلفاء رئيسون، مثل الصين وروسيا، صلاتهم بطهران، وهو ما قد يجعل إيران أكثر إرباكا وأشد استعصاء مما كانت عليه الدولة البعثية المنهكة في العراق. فإذا احتفظت، ولو بجزء من قدرتها على إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ، وعلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وعلى استئناف برنامجها النووي، فإن إيران الجريحة الناقمة قد تغدو عامل اضطراب أكبر في الشرق الأوسط مما كانت عليه من قبل.

