خمسة سيناريوهات لحرب برية أميركية على إيران

جغرافيا معقدة لا تتيح ممرات واضحة وآمنة

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
قوات بحرية أميركية على متن السفينة "يو إس إس تريبولي" تصل إلى منطقة القيادة المركزية، 27 مارس 2026

خمسة سيناريوهات لحرب برية أميركية على إيران

على مدى عقود، ظل الهجوم البري الأميركي على إيران يمثل أقصى درجات التصعيد، إذ عُد خيارا باهظ الكلفة إلى حد يمنع حدوثه، ومهددا للاستقرار إلى درجة تصعب معها السيطرة على تداعياته. لكن هذا التصور أخذ يتبدد اليوم. ومع تصاعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، صار ما كان يعد مستحيلا بالأمس احتمالا قائما اليوم. ولم يعد الجدل يقتصر على إمكان اندلاع هجوم بري فحسب، بل امتد إلى نقطة انطلاقه المحتملة، وإلى ما إذا كان قادرا على انتزاع مكاسب استراتيجية حقيقية.

للوهلة الأولى، توحي إيران بأنها تتيح أكثر من مدخل محتمل، من الخليج وخليج عمان إلى الحدود الغربية. لكن هذا الانطباع مجرد وهم. فالجغرافيا التي تجعل الهجوم ممكنا في الظاهر هي نفسها التي تجعله، في العمق، هزيمة استراتيجية. إذ تدفع البنية العسكرية للمكان أي قوة مهاجمة إلى مسارات ضيقة محكومة بنقاط اختناق ساحلية، ومنشآت طاقة، ومعابر حدودية، وهي نقاط لا تقود إلى نصر بقدر ما تفتح الباب أمام تصعيد أشمل. وما يبدو تعددا في الخيارات ليس في الحقيقة إلا تضاريس مثقلة بالعواقب.

يتجلى هذا المنطق بوضوح في خمس عقد رئيسة: جزيرة خرج، ومضيق هرمز، وجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وممر تشابهار كونارك، ومحور عبادان خرمشهر. وتبدو هذه العقد، للوهلة الأولى، مداخل محتملة، لكن أيا منها لا يقود إلى نجاح استراتيجي واضح.

جزيرة خرج

تجسد جزيرة خرج بوضوح كيف ينقلب التفوق الظاهر إلى مأزق استراتيجي. فهي الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية، إذ يمر عبرها نحو 90 في المئة من صادرات الخام، ما يجعلها نقطة اختناق كلاسيكية يفضي تعطلها إلى شلل واسع. وتقع الجزيرة في عزلة نسبية عن الداخل الإيراني، ويبلغ طولها نحو 8 كيلومترات، فيما يتراوح عرضها بين 4 و5 كيلومترات، ما يجعلها رقعة صغيرة مكشوفة ومزدحمة بالمنشآت الحيوية.

(رويترز)
صورة من الأقمار الصناعية لمحطة نفط في جزيرة خرج، إيران، 25 فبراير 2026

وهي، بذلك، تمثل مركز الثقل الاقتصادي لإيران، إذ تتجمع فيها عناصر القوة الاقتصادية، كما تنكشف فيها، في الوقت نفسه، مكامن الهشاشة. ومن منظور عملياتي خالص، تبدو هدفا قادرا على إحداث أقصى قدر من الاضطراب من دون الحاجة إلى توغل فوري وعميق داخل الأراضي الإيرانية.

الهجوم البري على إيران مطروح نظريا، لكنه محفوف بالخسائر ولا يحقق مكاسب استراتيجية حقيقية

إلا أن هذا تحديدا هو ما يجعلها شديدة الخطورة. فضرب خرج لن يظل عملا عسكريا محليا، لأن استهداف الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية سيهز أسواق الطاقة العالمية فورا، ويثير مخاوف أوسع على أمن البنية التحتية في الخليج. والأهم من ذلك أن مثل هذا الهجوم سيدفع نحو تصعيد أوسع، إذ يرجح أن ترد إيران باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة.

وتتجلى المفارقة هنا بوضوح. فالعامل نفسه الذي يجعل خرج هدفا مغريا، وهو موقعها المحوري في اقتصاد إيران، هو ما يجعل أي هجوم عليها كفيلا بتدويل الصراع سريعا. فهي ليست هدفا عسكريا فحسب، بل شرارة قد تقلب مسار المواجهة بأكمله.

مضيق هرمز

لا يزال مضيق هرمز الساحة الأشد حساسية في هذا الصراع. إذ يمر عبر هذا الممر المائي الضيق نحو خُمس تدفقات النفط العالمية، ما يجعله أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم. وكثيرا ما يُنظر إليه بوصفه أداة تحكم تمنح قدرا هائلا من النفوذ الاستراتيجي.

غير أن هذا التصور مضلل. فمضيق هرمز ليس نقطة منفردة يمكن الاستيلاء عليها، بل فضاء بحري إقليمي معقد. وأي محاولة جدية للسيطرة عليه ستستلزم عمليات تستهدف بندر عباس، حيث يقع أكبر موانئ إيران، وكذلك جزيرة قشم، أكبر جزر البلاد.

(رويترز)
سفينة شحن قرب مضيق هرمز كما ترى من رأس الخيمة، الإمارات، وسط الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، 11 مارس 2026

وتشكل هاتان المنطقتان ركنا أساسيا في البنية الدفاعية الإيرانية في الخليج. وعلى هذا الأساس، فإن السيطرة على المضيق تعني عمليا خوض حرب على الأرض.

استهداف جزيرة خرج يهدد أسواق الطاقة ويصعد الصراع، بينما السيطرة على هرمز تتطلب حربا واسعة دون ضمان نتائج حاسمة

وهنا يظهر المأزق الجوهري. فالحفاظ على السيطرة يقتضي إضعاف الدفاعات الساحلية، وكبح القدرات الصاروخية، وشل أدوات الحرب البحرية غير المتكافئة، مع إبقاء وجود عسكري دائم في بيئة شديدة التنازع. وما قد يبدو أداة لفرض النفوذ من دون غزو شامل، لن يلبث أن ينقلب إلى حملة طويلة تستنزف الموارد، وتتشابك مباشرة مع البنية الدفاعية الإقليمية لإيران، وتخلف اضطرابا مزمنا في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.

 الجزر الثلاث

تشكل جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى البوابة الغربية الاستراتيجية إلى مضيق هرمز. وعلى خلاف خرج أو هرمز، لا تنبع أهميتها من ثقل اقتصادي كبير، بل من وزنها الرمزي ومكانتها الجيوسياسية.

ولن يفضي الاستيلاء على هذه الجزر إلى تحول حاسم في ميزان القوى العسكري، كما أنه لن يفتح ممرا إلى الداخل الإيراني. غير أن وقوعها عند تقاطع السيادة الإيرانية مع مطالبة إقليمية قديمة من دولة الإمارات يجعل أي تحرك ضدها مثقلا بعواقب سياسية جسيمة.

(أ.ف.ب)
ميناء تشابهار جنوب شرق إيران، منفذ حيوي للتجارة رغم العقوبات الأميركية، 25 فبراير 2019

لذلك، فإن ما قد يبدو خطوة رمزية محدودة الكلفة قد ينتهي إلى توسيع نطاق الحرب من دون أن يحقق أي تحسن فعلي في الموقع الاستراتيجي للولايات المتحدة. وهذا ينسجم مع النمط الأوسع، فسهولة هذا النوع من الأهداف لا تعني جدوى أكبر، بل قد تعني، على العكس، عائدا استراتيجيا أقل واحتمالا أعلى لاتساع الحرب في ظروف غير مواتية.

 تشابهار كونارك

تقع أقل نقاط الدخول تداولا على الساحل الجنوبي الشرقي لإيران، حيث يبرز ممر تشابهار كونارك بوصفه مسارا مختلفا للتوغل. فقياسا إلى الخليج المكتظ بالحضور العسكري، تبدو هذه المنطقة أكثر انفتاحا جغرافيا، وأقل ازدحاما، وفي الظاهر أكثر ملاءمة للعمليات الخارجية.

السيطرة على الجزر تتطلب استنزافا طويلا يؤدي لتصعيد سياسي دون مكاسب، وتشابهار يبدو ممرا أسهل ظاهريا لكنه محفوف بتعقيدات واسعة

لكن هذه السهولة تنطوي على قيد جوهري. فتشابهار تتيح الوصول من دون أن تمنح نفوذا. فهي، على خلاف جزيرة خرج، لا تقع في قلب شريان النفط الإيراني، وعلى خلاف مضيق هرمز، لا تشرف على نقطة اختناق عالمية حاسمة. أما قياسا إلى الساحل المطل على الخليج، فإن هذه المنطقة تضم قدرا أقل من البنية التحتية الحيوية، وإن لم تخل من موانع دفاعية طبيعية.

غير أن المعضلة الأساسية تكمن في المسافة. فحتى لو نجحت قوة مهاجمة في ترسيخ موطئ قدم هناك، فستبقى بعيدة عن مراكز الثقل السياسي والاقتصادي في إيران، ما يحول هذا التقدم الأولي إلى حملة طويلة ومكلفة لوجستيا. وهكذا، فإن المسار الذي يبدو الأيسر من الناحية العملياتية هو نفسه الأضعف من حيث الجدوى الاستراتيجية.

 عبادان خرمشهر

إذا اتخذ الهجوم البري منحى أكثر جدية، فإن محور عبادان خرمشهر في جنوب غرب إيران، الغني بالنفط، قد يكون المسار الأرجح. فهو يمثل أقصر ممر يربط الخليج بأراض ذات قيمة استراتيجية.

(رويترز)
طلاب يزورون متحف حرب في خرمشهر لإحياء ذكرى الحرب الإيرانية-العراقية، 14 مارس 2007

إلا أن هذا المحور لا يمكن الوصول إليه بمعزل عن محيطه. فالأرجح أن أي تقدم نحوه سيبدأ من الكويت، ثم يمر عبر جنوب العراق والبصرة قبل أن يدخل إقليم خوزستان (الأهواز)، في مسار يعيد إلى الأذهان الطريق نفسه الذي سلكه صدام حسين عند دخوله الحرب على إيران عام 1980.

تشابهار سهل الوصول لكنه ضعيف الجدوى، بينما محور عبادان خرمشهر أقصر طريق لكنه يمر بمسار معقد ومحفوف بالمخاطر

غير أن الأراضي العراقية اليوم، بعد ستة وأربعين عاما، ليست مجرد ممر محايد. فالأرجح أن تواجه أي حملة ضغوطا من ميليشيات موالية لإيران، ولا سيما "الحشد الشعبي"، قبل أن تبلغ القوات الأميركية الأراضي الإيرانية. ولن تنحصر ساحة القتال في حرب تقليدية بين دولتين، بل قد تأخذ شكل صراع مجزأ ومتعدد الطبقات داخل فضاء جيوسياسي شيعي متصل يمتد من جنوب العراق إلى جنوب غرب إيران.

وبذلك، فإن الطريق الذي يبدو الأقرب إلى داخل إيران هو نفسه الأكثر عرضة للاشتعال، لأنه قد يفتح الباب أمام حرب أوسع تمتد عبر العراق وإيران معا. فالسمات نفسها التي تجعل هذا المحور مغريا من الناحية العملياتية هي التي تجعله بالغ الخطورة سياسيا وعسكريا. وهنا يبلغ وهم الحسم مداه، كما يبلغ الخطر ذروته.

وثمة عنصر آخر لا بد من أخذه في الحسبان، وهو الدور المحتمل للكرد في أي من هذه السيناريوهات الخمسة. فقد يتزامن أي توغل أميركي مع انتفاضة كردية على امتداد الحدود الغربية لإيران، بما يرهق القدرة الدفاعية الإيرانية ويفرض عليها القتال على جبهات متعددة.

(أ.ف.ب)
عنصر من "الحشد الشعبي" يراقب الحدود العراقية-السورية في القائم، 23 يناير 2026

ولطالما شهدت الحدود الغربية لإيران صراعا مع جماعات كردية، منها "الحزب الديمقراطي الكردستاني" الإيراني، و"حزب الحرية الكردستاني"، و"حزب الحياة الحرة الكردستاني"، و"منظمة النضال الكردستاني" الإيراني (خبات)، وفصيل "كومله الإصلاحي"، و"حزب كومله"، وهي جماعات يقال إنها تتجه نحو مزيد من التنسيق في مواجهتها مع طهران.

العراق ليس ممرا محايدا في حرب خوزستان، وأي تقدم بري سيواجه ميليشيات وتصعيدا إقليميا

غير أن هذا الخيار تعترضه قيود كبيرة. فهذه الجماعات منقسمة، وتفاوت قدراتها واضح، ولا يزال من غير المحسوم مدى استعدادها لخوض مواجهة واسعة مع طهران. يضاف إلى ذلك أن لدى حكومة إقليم كردستان العراق أسبابا قوية لتجنب التصعيد، في ظل ما قد يستدعيه من ردود. وفي المقابل، قد تدفع الميليشيات الموالية لإيران في العراق بهذه المنطقة إلى أن تصبح ساحة اشتباك جانبية. كما تضيف معارضة تركيا لتسليح الكرد قيدا آخر. والأهم أن هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية داخل إيران، إذ قد تعيد تقديم الصراع بوصفه دفاعا عن وحدة البلاد، بما يعزز التماسك الوطني بدلا من إضعاف الدولة.

مجتمعة، لا تقدم نقاط الدخول هذه طريقا إلى النصر بقدر ما تقدم خريطة للتصعيد. فكل منها يفتح منفذا، لكن من دون أن يتيح عملا محدودا يمكن توقع عواقبه. فالمسارات التي تجعل الدخول ممكنا هي نفسها التي تجعل تحقيق النجاح بالغ الصعوبة، وتجعل الحفاظ عليه أشد صعوبة. كما أن الأهداف القادرة على توليد ضغط مؤثر قد تفضي في الوقت نفسه إلى اضطراب اقتصادي وإقليمي أوسع، بينما لا تنتج المحاولات الساعية إلى حصر الصراع ضمن حدود الاحتواء أثرا استراتيجيا حاسما. وعلى هذا النحو، تنكمش هذه الخيارات جميعا إلى معضلة واحدة: إما القبول بأثر محدود، وإما الانزلاق إلى تصعيد خارج السيطرة.

ولا شك أن مثل هذا التصعيد سيمتد إلى منظومة الطاقة الأوسع في الخليج، وسيولد ضغطا مضادا عند مضيق باب المندب، حيث لا يزال الحوثيون الموالون لإيران يملكون القدرة على تعطيل حركة الملاحة. وستكون المحصلة أزمة تمتد عبر أكثر من نقطة اختناق، بتبعات عالمية.

(رويترز)
دونالد ترمب يخاطب قوات أميركية في قاعدة العديد بقطر، 15 مايو 2025

وثمة خطر آخر يتمثل في احتمال الوقوع في الفخ. فكما حذر جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، فإن الاستيلاء على جزر في مضيق هرمز قد يحول القوات الأميركية من عنصر قوة إلى أهداف مكشوفة، ويتركها في وضع مكشوف وضعيف في مواجهة الألغام والصواريخ وأسراب الطائرات المسيرة.

الخيارات مقيدة والانقسامات والمخاطر الإقليمية تحولها لتصعيد من دون حسم، مع تهديد الطاقة عالميا

وبالطبع، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات جوية محدودة ضد مواقع مثل نطنز أو فوردو. غير أن مثل هذه العملية تنطوي على مخاطر جسيمة، إذ يرجح أن نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب قد وُزعت بالفعل على مواقع مجهولة، بما يزيد احتمالات سوء التقدير ويعجل بالتصعيد. وقد تختار أيضا تنفيذ إنزالات جوية باتجاه طهران.

لكن أي محاولة لتجاوز الجغرافيا واختزال الصراع ستصطدم بمنظومة أعدت نفسها منذ زمن لمواجهة مثل هذه السيناريوهات. فالجمهورية الإسلامية، التي صاغتها الثورة ورسختها عقود من الحرب غير المتكافئة، مهيأة لامتصاص الضغط وخوض القتال عن قرب. وما قد يبدأ بوصفه عملية سريعة قد ينقلب في وقت قصير إلى مقاومة طويلة ولامركزية، وربما إلى قتال من بيت إلى بيت، بما يعمق معضلة السيطرة بدلا من أن يبددها.

قد تبدو الحرب البرية على إيران اليوم أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى. لكن هذا التصور يقوم على فهم مضلل للجغرافيا. فإيران لم تكتف، على مر الزمن، بالتكيف مع جغرافيتها، بل أحالتها إلى سلاح. فالجبال والصحارى والسواحل والجزر ونقاط الاختناق ليست عناصر صامتة في ساحة المعركة، بل أدوات فاعلة ضمن استراتيجية دفاعية صممت لامتصاص الضغط، وتفريق القوة، وفرض الكلفة. وبهذا المعنى، لا تشكل جغرافيا إيران مجرى العمليات العسكرية فحسب، بل تدفعها أيضا إلى أن تتخذ طابعا تتردد أصداؤه على مستوى العالم.

font change

مقالات ذات صلة