على مدى عقود، ظل الهجوم البري الأميركي على إيران يمثل أقصى درجات التصعيد، إذ عُد خيارا باهظ الكلفة إلى حد يمنع حدوثه، ومهددا للاستقرار إلى درجة تصعب معها السيطرة على تداعياته. لكن هذا التصور أخذ يتبدد اليوم. ومع تصاعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، صار ما كان يعد مستحيلا بالأمس احتمالا قائما اليوم. ولم يعد الجدل يقتصر على إمكان اندلاع هجوم بري فحسب، بل امتد إلى نقطة انطلاقه المحتملة، وإلى ما إذا كان قادرا على انتزاع مكاسب استراتيجية حقيقية.
للوهلة الأولى، توحي إيران بأنها تتيح أكثر من مدخل محتمل، من الخليج وخليج عمان إلى الحدود الغربية. لكن هذا الانطباع مجرد وهم. فالجغرافيا التي تجعل الهجوم ممكنا في الظاهر هي نفسها التي تجعله، في العمق، هزيمة استراتيجية. إذ تدفع البنية العسكرية للمكان أي قوة مهاجمة إلى مسارات ضيقة محكومة بنقاط اختناق ساحلية، ومنشآت طاقة، ومعابر حدودية، وهي نقاط لا تقود إلى نصر بقدر ما تفتح الباب أمام تصعيد أشمل. وما يبدو تعددا في الخيارات ليس في الحقيقة إلا تضاريس مثقلة بالعواقب.
يتجلى هذا المنطق بوضوح في خمس عقد رئيسة: جزيرة خرج، ومضيق هرمز، وجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وممر تشابهار كونارك، ومحور عبادان خرمشهر. وتبدو هذه العقد، للوهلة الأولى، مداخل محتملة، لكن أيا منها لا يقود إلى نجاح استراتيجي واضح.
جزيرة خرج
تجسد جزيرة خرج بوضوح كيف ينقلب التفوق الظاهر إلى مأزق استراتيجي. فهي الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية، إذ يمر عبرها نحو 90 في المئة من صادرات الخام، ما يجعلها نقطة اختناق كلاسيكية يفضي تعطلها إلى شلل واسع. وتقع الجزيرة في عزلة نسبية عن الداخل الإيراني، ويبلغ طولها نحو 8 كيلومترات، فيما يتراوح عرضها بين 4 و5 كيلومترات، ما يجعلها رقعة صغيرة مكشوفة ومزدحمة بالمنشآت الحيوية.

وهي، بذلك، تمثل مركز الثقل الاقتصادي لإيران، إذ تتجمع فيها عناصر القوة الاقتصادية، كما تنكشف فيها، في الوقت نفسه، مكامن الهشاشة. ومن منظور عملياتي خالص، تبدو هدفا قادرا على إحداث أقصى قدر من الاضطراب من دون الحاجة إلى توغل فوري وعميق داخل الأراضي الإيرانية.




