الذكاء الاصطناعي… هدنة واشنطن وبكين فوق حافة الحرب التكنولوجية

قمة ترمب وشي كشفت هدنة هشة، فيما تستمر معركة الرقائق والبيانات والنفوذ

Sara Padovan
Sara Padovan

الذكاء الاصطناعي… هدنة واشنطن وبكين فوق حافة الحرب التكنولوجية

اختتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب زيارته جمهورية الصين الشعبية، التي استمرت 3 أيام، وغادر متجها إلى واشنطن، وفق ما نقلته محطة التلفزيون المركزي الصيني. لكن الزيارة، التي بدأت في 14 مايو/أيار 2026 بلقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، لم تكن سياسية فقط، بل بدت أقرب إلى عرض مكثف لطريقة جديدة في إدارة النفوذ الأميركي، حيث تحرك الرئيس ومعه وفد ثقيل من قيادات التكنولوجيا والمال والصناعة.

ضم الوفد المرافق أسماء بارزة في قلب الاقتصاد الرقمي الأميركي، تيم كوك من "آبل"، إيلون ماسك من "تسلا" و"سبيس إكس"، جينسن هوانغ من "إنفيديا"، كريستيانو آمون من "كوالكوم"، سانجاي مهروترا من "مايكرون"، و"دينا باول ماكورميك" من ميتا، إلى جانب قيادات من "بلاك روك" و"بلاكستون" و"بوينغ" و"سيتي" و"غولدمان ساكس".

وبذلك، لم تكن الزيارة مجرد محطة ديبلوماسية بين زعيمي أكبر اقتصادين في العالم، بل حملت أيضا دلالة اقتصادية وتكنولوجية واضحة، في لحظة يتداخل فيها النفوذ السياسي مع الرقائق، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، ورأس المال القادر على تمويل سباق الذكاء الاصطناعي.

"صفقات رائعة"

خلال الزيارة، عقد ترمب وشي جين بينغ جلسات موسعة ومحدودة ناقشا فيها مجموعة من الملفات الثنائية والدولية، من بينها الأزمة الأوكرانية، والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وأشار الرئيس الأميركي إلى أن مواقف واشنطن وبكين تتقارب إلى حد كبير في شأن الملف الإيراني، مؤكدا أنه يشاطر نظيره الصيني الرغبة في إنهاء المواجهة المسلحة.

كما وصف ترمب الاتفاقات التجارية التي تم التوصل إليها بين البلدين بأنها "صفقات تجارية رائعة" مشيرا إلى أن الصين "تستثمر مئات المليارات من الدولارات" في الشركات الأميركية، وأنها تعتزم، وفق ما أُفيد، طلب 200 طائرة من طراز "بوينغ". ومن جهتها، قالت وزارة الخارجية الصينية إن الزيارة ساهمت في تعزيز الثقة المتبادلة بين قيادتي البلدين، واعتبرتها خطوة مهمة في مسار تطوير العلاقات الأميركية الصينية.

تواصل الحكومة الأميركية فرض قيود على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، خشية أن تستخدم بكين هذه التكنولوجيا في تسريع قدراتها العسكرية والاقتصادية

هذا النمط من الوفود لم يظهر لأول مرة في بكين. فقد استخدم ترمب المقاربة نفسها خلال زيارته الرسمية بريطانيا في سبتمبر/أيلول 2025، حين تحرك بالتوازي مع قيادات من كبرى شركات التكنولوجيا والاستثمار، في وقت كانت فيه واشنطن ولندن تناقشان ملفات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والطاقة المرتبطة بمراكز البيانات.

من هنا، لم يعد الأمر مجرد وفد أعمال يرافق الرئيس، بل أصبح جزءا من تصور أوسع للنفوذ الأميركي، يقوم على اصطحاب الشركات التي تملك مفاتيح التكنولوجيا ورؤوس الأموال إلى قلب المفاوضات الكبرى.

AFP
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين

تعكس زيارة الصين هذه المفارقة بوضوح. فالشركات الأميركية الكبرى تريد البقاء داخل السوق الصينية، لأنها تدرك أن الخروج الكامل سيمنح المنافسين المحليين مساحة أكبر للنمو. في المقابل، تواصل الحكومة الأميركية فرض قيود على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، خشية أن تستخدم بكين هذه التكنولوجيا في تسريع قدراتها العسكرية والاقتصادية. والأكثر لفتا أن ملف حظر تصدير الرقائق، رغم كونه من أكثر نقاط التوتر حساسية بين البلدين، لم يظهر بوصفه المحور الرئيس للقمة.

تأتي الزيارة في ظل تعقيدات جيوسياسية متعددة، إذ تسعى واشنطن وبكين إلى إدارة خلافاتهما الاستراتيجية من دون قطع قنوات الحوار، خاصة في ملفات التجارة والاستثمار والأمن الدولي. لكنها كشفت أيضا أن المنافسة بين القوتين لم تعد تدور فقط حول الديبلوماسية التقليدية أو موازين التجارة، بل حول من يملك البنية التحتية العميقة للاقتصاد المقبل: الرقائق، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وسلاسل التمويل العالمية.

"انفيديا" تصطدم

بدأت هذه التحولات منذ أكتوبر/تشرين الاول 2022، حين شرعت الولايات المتحدة في التعامل مع الرقائق المتقدمة لا باعتبارها سلعة تجارية عادية، بل كأداة ضغط استراتيجية في مواجهة الصين. فقد استهدفت القيود الأولى منع بكين من الوصول إلى شرائح الحوسبة العالية القادرة على دعم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى وتشغيل أنظمة الحوسبة الفائقة. ثم جاءت قيود أكتوبر/تشرين الاول 2023 لتسد ثغرات إضافية، بعدما حاولت بعض الشركات الأميركية تصميم نسخ أقل قدرة مخصصة للسوق الصينية.

منذ ذلك الحين، لم يعد ملف الرقائق مجرد خلاف تجاري بين واشنطن وبكين، بل أصبح جزءا من محاولة أميركية لإبطاء الصين عند أكثر نقاط سباق الذكاء الاصطناعي حساسية: امتلاك القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج الكبرى وتشغيلها على نطاق واسع.

تبدو زيارة ترمب كاشفة لطبيعة العلاقة الأميركية الصينية في لحظتها الراهنة. فهناك رغبة متبادلة في إبقاء قنوات التجارة والاستثمار مفتوحة، وحديث عن صفقات كبرى واستثمارات بمئات المليارات

وفي قلب هذه المعادلة تقف "إنفيديا". فالشركة لا تنظر إلى السوق الصينية باعتبارها مجرد سوق ضخمة للمبيعات، بل بوصفها جزءا مهما من انتشار منصتها عالميا. وإذا خرجت "إنفيديا" من الصين بالكامل، فلن يبقى الفراغ طويلا، إذ ستتقدم "هواوي" وغيرها من الشركات الصينية لمحاولة ملئه.

لذلك حاولت "إنفيديا" التحرك داخل المساحة الرمادية بين التجارة والسياسة، عبر تقديم شرائح أقل قدرة أو مصممة خصيصا للسوق الصينية، مثل H20، ثم لاحقا عبر مسار H200. لكن المشكلة أن واشنطن لا تنظر إلى هذه الشرائح كمنتجات تقنية عادية. فمن منظور الحكومة الأميركية، تعني الشرائح القوية قدرة أكبر على تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أضخم، وتشغيل مراكز بيانات أكثر تطورا، وربما تسريع تطبيقات عسكرية واستخباراتية صينية.

REUTERS
أمام جناح شركة "إنفيديا" خلال معرض الصين الدولي لسلاسل التوريد في بكين

تكشف قضية H200 هذا التناقض بوضوح. فقد سمحت الولايات المتحدة لنحو عشر شركات صينية، بينها "علي بابا" و"تنسنت" و"بايت دانس" و"جي دي دوت كوم"، بشراء الشريحة، لكن "رويترز" نقلت أنه لم تحدث أي شحنات فعلية حتى الآن. وهكذا بقيت الصفقة معلقة بين موافقة أميركية مشروطة، وتردد صيني، وحسابات سياسية معقدة من الطرفين. "إنفيديا" تريد البيع، وواشنطن تريد التحكم في حدود هذا البيع، أما بكين فلا تريد أن يبدو مستقبل ذكائها الاصطناعي معلقا بقرار ترخيص أميركي يمكن تغييره في أي لحظة.

قيود أميركية

من هنا، تبدو زيارة ترمب إلى بكين كاشفة لطبيعة العلاقة الأميركية الصينية في لحظتها الراهنة. فهناك رغبة متبادلة في إبقاء قنوات التجارة والاستثمار مفتوحة، وحديث عن صفقات كبرى واستثمارات بمئات المليارات، لكن تحت السطح تستمر معركة أكثر عمقا حول من يملك مفاتيح الاقتصاد المقبل.

لم تعد المنافسة تدور فقط حول حجم التبادل التجاري أو عدد الطائرات المبيعة، بل حول الرقائق، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وسلاسل تمويل الذكاء الاصطناعي. وفي هذه المساحة تحديدا، تتحول الشركات الأميركية الكبرى من مجرد أطراف اقتصادية إلى أدوات نفوذ استراتيجية ترافق الرئيس إلى طاولة السياسة الدولية.

المفارقة أن الصين، التي تنتقد القيود الأميركية على تصدير الرقائق، بدأت بدورها تتبنى المنطق نفسه، لكن في الاتجاه المقابل. ففي عام 2025، وجهت السلطات الصينية تحذيرات إلى شركات كبرى مثل "تنسنت" و"بايت دانس" و"بايدو" في شأن شراء شريحة H20، مستندة إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي وحماية البيانات.

لم يكن الأمر حظرا شاملا في كل الحالات، لكنه حمل رسالة سياسية واضحة، فلا ينبغي بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي الصيني على شرائح أميركية قد تتحول في أي لحظة إلى أداة ضغط. ولاحقا، ظهرت تقارير عن تردد صيني في التعامل مع شريحة H200، ليس لأن الشركات الصينية لا تحتاج إليها، بل لأن بكين تريد توجيه السوق تدريجيا نحو بدائل محلية.

يمكن قراءة غياب الصفقات الكبرى في الذكاء الاصطناعي بعد القمة لا بوصفه فشلا، بل باعتباره مؤشرا الى طبيعة المرحلة الجديدة بين واشنطن وبكين

اللافت أن ملف قيود تصدير الرقائق لم يحتل موقعا رئيسا في محادثات بكين، بحسب الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير.

وهذه نقطة مهمة في قراءة القمة، فغياب الملف عن صدارة التفاوض لا يعني تراجع أهميته، بل يعكس حساسيته العالية وصعوبة حسمه عبر إعلان سياسي سريع. يدرك الطرفان أن الرقائق تقف في قلب الصراع التكنولوجي بينهما، لكن كلا منهما يفضل إبقاء الملف داخل منطقة رمادية، لا فتحا كاملا للسوق، ولا قطيعة نهائية.

وفي خضم هذا التنافس، برز خلال القمة حديث عن وضع حواجز أمان للذكاء الاصطناعي. غير أن هذا المسار لا يعني نشوء تحالف بين واشنطن وبكين، ولا يشير إلى استعداد أميركي لتقاسم قيادة الذكاء الاصطناعي مع الصين.

REUTERS
نظام CloudMatrix 384 المزود معالجات Ascend 910 للذكاء الاصطناعي في جناح "هواوي" بمعرض مؤتمر الإنترنت العالمي

ما يجري أقرب إلى تفاهم محدود حول أكثر الاستخدامات خطورة، مثل منع وصول النماذج الأقوى إلى جهات غير حكومية، أو توظيفها في هجمات سيبرانية، أو في تصميم أسلحة بيولوجية، أو في حملات تضليل واسعة النطاق. وقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن البلدين يناقشان حواجز أمان لحماية أقوى النماذج، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على التفوق الأميركي.

إنتاج تفاهمات

يمكن قراءة غياب الصفقات الكبرى في الذكاء الاصطناعي بعد القمة لا بوصفه فشلا، بل باعتباره مؤشرا الى طبيعة المرحلة الجديدة بين واشنطن وبكين.

فالرئيس الصيني شي جين بينغ حرص، خلال لقائه رجال الأعمال الأميركيين، على التأكيد أن الصين ستفتح أبوابها أكثر أمام الشركات الأميركية، في رسالة تطمئن الأسواق بأن بكين لا تريد قطيعة اقتصادية كاملة. لكن ذلك لا يعني أن كل الأبواب مفتوحة. فقبل القمة بأسابيع، منعت الصين استحواذ "ميتا" على شركة"مانوس" رغم ارتباطها بسنغافورة، لأنها تعاملت مع الصفقة كمسألة أمن تكنولوجي، لا كاستثمار تجاري عادي.

وهنا يظهر التشابه بين الموقفين الأميركي والصيني. واشنطن تسمح لشركاتها بالعمل مع الصين، لكنها تقيّد تصدير الرقائق المتقدمة عندما ترى أن الأمر يمس تفوقها العسكري أو الاستخباراتي. وبكين ترحب بالشركات الأميركية داخل السوق الصينية، لكنها تضع خطوطا حمراء أمام امتلاك أو نقل شركات ومواهب وتقنيات ذكاء اصطناعي تراها جزءا من أمنها الصناعي. في عبارة أخرى، الطرفان لا يرفضان التجارة، لكنهما يرفضان أن تتحول التجارة إلى فقدان السيطرة على أدوات القوة في عصر الذكاء الاصطناعي.

لذلك لم يكن غياب صفقة ضخمة في الذكاء الاصطناعي أمرا عابرا. فالقمة كانت قادرة على إنتاج تفاهمات في الطيران أو التجارة التقليدية، لكنها لم تكن قادرة على حل عقدة الرقائق أو ملكية شركات الذكاء الاصطناعي. هذه الملفات لم تعد تدار بمنطق السوق وحده. "إنفيديا" تريد البيع، "ميتا" تريد الوصول إلى المواهب والشركات الناشئة، و"آبل" و"تسلا" تريدان السوق وسلاسل التوريد، لكن واشنطن وبكين تضعان سقفا سياسيا فوق ذلك كله.

في هذا المعنى، يبدو ملف الذكاء الاصطناعي بين القوتين أقرب إلى ملف يُدار ولا يُحل. فلا توجد مؤشرات الى صفقة كبرى تنهي التنافس، ولا الى قطيعة كاملة تفصل الطرفين عن بعضهما. ما يجري هو إدارة محسوبة للصراع، تحاول فيها كل دولة حماية نقاط قوتها، وتقليل اعتمادها على الأخرى، ومنع الطرف المقابل من تحقيق مكسب حاسم.

ولهذا لا ينبغي انتظار نتيجة صفرية، فلا انتصار أميركي كامل، ولا اختراق صيني كامل، ولا اتفاق تجاري يمنح أحد الطرفين تفوقا واضحا. كما في تايوان والحرب التجارية وسلاسل التوريد، يتحرك الطرفان بحذر شديد. واشنطن تريد الحفاظ على تفوقها في الرقائق ومراكز البيانات والشركات الكبرى، وبكين تريد تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية وحماية سوقها ومواهبها وشركاتها الناشئة.

font change

مقالات ذات صلة