مع احتدام الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتفاقم الصراع الإقليمي بين توجهين متباينين إزاء التعامل مع الواقع الحالي، حيث يدفع أحدهما بقوة صوب الانخراط في ثنايا الحرب ضد إيران ردا على اعتدائها على مختلف دول الخليج العربي بالإضافة إلى الأردن، فيما ينحو الرأي الآخر إلى تفادي الانجرار في حرب ليس له فيها ناقة أو جمل، كما أن نتائجها ستكون وخيمة على الطرفين العربي والإيراني وفق ما عبر عنه الأمير تركي الفيصل في مقاله الشهير على صفحات الزميلة "الشرق الأوسط" بعنوان "هكذا نجح محمد بن سلمان".
إذن نحن أمام مشروعين متباينين أيضا، أحدهما قصير النظر ولا يفكر بعواقب الأمور وانعكاساتها مستقبلا، والآخر ينظر للواقع السياسي بعين حصيفة، ورؤية مستقبلية، وإلمام واسع بحيثيات أي قرار يمكن أن يُتخذ، والفرق بين النظرتين واسع جدا، وهو ما يجعل أحدهما كبيرا والآخر صغيرا، إذ القياس ليس بالحجم والسعة، وإنما بالوعي والإدراك، الأمر الذي جعل المملكة العربية السعودية دولة كبرى في المنطقة، وأخا كبيرا لجيرانه العرب وغير العرب، انطلاقا من حصافة تاريخية، واستنادا إلى بصيرة ثاقبة في التعاطي مع مختلف القضايا، مع الإشارة إلى أن من كان مُنطلقه قائما على البناء ومساعدة الآخرين للنهوض بحياتهم وأحوالهم بشكل إيجابي، سيكون في قراراته مختلفا عمن كان منطلقه قائما على الهدم وإثارة الصراع والنزاع السلبي بين أبناء المنطقة الواحدة، والشواهد على ذلك كثيرة. وشتان بين مشروع يقوم على القتل والهدم وإعمال الدمار، ومشروع يقوم على السلام والبناء والتنمية المستدامة.
أشير إلى أن المنطقة قد شهدت ولادة كثير من المشاريع العربية ذات البعد الإقليمي، لكنها في مجموعها لم تؤسس لخير مستدام، وكان ضررها أكبر من نفعها، لكونها مشاريع أيديولوجية تستهدف تقسيم الناس بحسب انتمائهم السياسي، كما كان الحال مع المشروع الناصري الذي عمل على تقويض الحكومات المحافظة الملكية في المنطقة، فنجح في تقويض بعضها وفشل في الأخرى؛ وكما هو الحال مع المشروع البعثي الذي انقسم على نفسه بين بعثين سوري وعراقي يحارب كل منهما الآخر؛ على أن كلا المشروعين الناصري والبعثي لم يقدما أي تنمية حقيقية لمجتمعاتهما ليكونا نموذجين يُحتذى بهما. ومع اختفائهما ظهر مؤخرا مشروع توسعي بغطاء رأسمالي ودون أن تكون له أي غاية سياسية، وللأسف يرتكز على إثارة الاقتتال البيني في الدول التي يوجد فيها، ويعمل على ضعضعة الاستقرار في جنباتها، كما هو الحال في السودان وليبيا واليمن وغيرها.

