غاز الخليج... مفتاح النفوذ الدولي في خضم الصراعات الجيوسياسية

احتياطيات ضخمة وسط منطقة مضطربة تعيد رسم معادلات الإمداد

"المجلة"
"المجلة"

غاز الخليج... مفتاح النفوذ الدولي في خضم الصراعات الجيوسياسية

في خضم أزمة الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، تظهّر مدى انكشاف العالم بأسره أمام اضطرابات إمدادات الوقود الأحفوري، من النفط إلى الغاز. وإذا كانت دول الخليج معروفة تاريخيا بدورها في تزويد الدول المستهلكة النفط، فقد برزت في السنوات الأخيرة أيضا كمورّد رئيس للغاز الطبيعي.

تملك دول الخليج احتياطيا من الغاز الطبيعي بلغ 44.2 تريليون مليار متر مكعب عام 2023، وهو ما يمثل نسبة 21.4 في المئة من إجمالي الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي. تتوزع على مختلف دول المنطقة ومنها قطر والسعودية والإمارات والكويت.

إن أهم الحقول المعروفة جنوب بارس، باحتياطيات نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز، ويعتبر أكبر حقل غاز في العالم وهو حقل مشترك بين قطر وإيران. أما السعودية، فلديها حقل الجافورة وهو من حقول الغاز الصخري (Shale gas)، كذلك هناك حقول الغاز غير التقليدية في شمال السعودية وجنوب الغوار. أما الكويت، فقد ثبت أن لديها حقل الدرة المشترك مع السعودية وهو حقل بحري، في حين لدى الإمارات حقول بحرية منها كركرة وطبقات.

بالتالي، نحن أمام قدرات كبيرة على إنتاج الغاز الطبيعي وتحويل جزء منه إلى غاز مسال وتصديره إلى المستهلكين في آسيا وأوروبا. إلا أن العمل في عدد من هذه الحقول هو رهن الحرب، كون حركتها معطلة بسبب الاعتداءات الإيرانية.

إن أهم الحقول المعروفة جنوب بارس، باحتياطيات نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز، ويعتبر أكبر حقل غاز في العالم وهو حقل مشترك بين قطر وإيران

تقديرات أوبك لاحتياطيات الغاز في دول الخليج لعام 2024 

الترتيب الدولة

الكمية/مليار متر مكعب

1 قطر

23,831

2 السعودية 9,727
3 الإمارات العربية المتحدة 8,210
4 الكويت 1,784
5 عمان 644

بلغت احتياطيات دول الخليج من النفط الخام 511.9 مليار برميل عام 2023، ما يمثل نسبة 32.6 في المئة من إجمالي الاحتياطي العالمي للنفط الخام.

الخليج بين هيمنة النفط وصعود الغاز في أسواق متقلبة 

ويبلغ إنتاج حقول الغاز في دول الخليج نحو 464 مليار متر مكعب سنويا. وتعدّ قطر من أكبر منتجي الغاز الطبيعي عالميا، إذ بلغ إنتاجها نحو 170 مليار متر مكعب في 2024، ما يمثل قرابة 4 - 5 في المئة من الإنتاج العالمي، ويضعها في المرتبة السادسة بعد كندا (194 مليار متر مكعب)، والصين (248.4 مليار متر مكعب) وإيران (262.9 مليار متر مكعب) وروسيا (629.9 مليار متر مكعب) والولايات المتحدة الأميركية (1.03 تريليون متر مكعب).

أ.ف.ب
منشآت النفط في الظهران، شرق المملكة العربية السعودية، 11 فبراير 2018

إلا أن قطر تمد العالم بـ 20 في المئة من احتياجاته من الغاز الطبيعي المسال. تعتمد الأسواق الآسيوية على صادرات الغاز القطرية إذ تستورد أكثر من 80 في المئة في المئة من الغاز القطري المصدر.

وتشير بيانات حديثة إلى أن الاتحاد الأوروبي استورد نحو 7 في المئة من احتياجاته من الغاز الطبيعي المُسال من قطر خلال شتاء 2025/2026، ما يعادل 4 في المئة من إجمالي وارداته من الغاز الطبيعي خلال الفترة نفسها. وإذا استمر توقف الإنتاج القطري حتى ديسمبر/كانون الأول 2026، فقد ينشأ عجز عالمي في إمدادات الغاز المُسال بنحو 26 مليار متر مكعب، وقد يرتفع الطلب الأوروبي الفوري على الغاز المُسال إلى نحو 56 مليار متر مكعب. 

بالإضافة إلى ذلك، تعتمد بلدان أخرى اعتمادا شبه كلي على الصادرات من الغاز من دول الخليج. وفقا لبيانات شركة "كيبلر" (Kepler)، توفّر قطر والإمارات العربية المتحدة معا 99 في المئة من واردات باكستان من الغاز الطبيعي المُسال، و72 في المئة من واردات بنغلادش، و53 في المئة من واردات الهند.

معضلات الطلب المحلي

يبدو أن هناك تسارعا في الطلب على الغاز في دول الخليج بما يعني استخدام نسبة مهمة من الإنتاج لمواجهة الاحتياجات المحلية أو الوطنية. نتج هذا الوضع من زيادة أعداد السكان في دول المنطقة واستخدام الغاز في محطات توليد الطاقة الكهربائية. فبقدرة إنتاجية بلغت 181 ألف ميغاواط في عام 2024، وبمتوسط نمو سنوي قدره 3.2 في المئة خلال الفترة (2020–2024)، واصلت محطات توليد الكهرباء في دول مجلس التعاون توسعها.

ويمكن الزعم بأن في إمكان قطر مواجهة الطلب المحلي وفي الوقت نفسه، توفير كميات من الغاز للتصدير وجني عائدات للبلاد. وقد نجحت دول الخليج خلال السنوات الماضية في التوسع في استخدام الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء بدلا من زيت الوقود (Fuel oil)، نظرا لانخفاض انبعاثاته وكفاءته الأعلى، وإن كانت بعض الدول لا تزال تعتمد جزئيا على الوقود السائل في مزيج الطاقة.

توفّر قطر والإمارات معا 99 في المئة من واردات باكستان من الغاز الطبيعي المُسال، و72 في المئة من واردات بنغلادش، و53 في المئة من واردات الهند

ولا يزال الطلب المحلي في دول الخليج يعتمد على الإنتاج داخل كل منها ولكن يمكن تطوير شبكة إمدادات غاز من الدول ذات الفائض، مثل قطر، للوفاء بمتطلبات مختلف دول الخليج. على سبيل المثل، بلغت حصة الغاز 96.7 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في عام 2023 في قطر. لا شك أن الاعتداءات الإيرانية على مدينة رأس لافان الصناعية أحدثت أضرارا كبيرة نتجت منها خسائر فادحة وتعطيل قدرات قطر التصديرية.

رويترز
مشهد يُظهر مدينة رأس لفان الصناعية شمال الدوحة، قطر، 6 فبراير 2017

وقدرت السلطات القطرية أن الأضرار ستعطل صناعة الغاز والتصدير لمدة قد تتراوح من ثلاث إلى خمس سنوات وخسائر مالية قد تصل إلى 20 مليار دولار سنويا.

حقل الدرة البحري مع السعودية

كانت الكويت تتوجه للاستثمار في إنتاج الغاز بعدما اتضح أن حقل الدرة البحري المشترك مع السعودية، وهو حقل اكتشف عام 1967، ويقدر احتياطه من الغاز من 11 إلى 20 تريليون قدم مكعب، بالإضافة إلى احتياطيات من النفط تقدر بـ 300 مليون برميل. يقع هذا الحقل في المياه الإقليمية للكويت والسعودية. 

وزعمت إيران أن لها مشاركة في المياه الإقليمية ولا بد أن تؤخذ حقوقها في الاعتبار. إنما لا قيمة قانونية لهذه المزاعم وهي مبنية على مطامع ليس لها مشروعية مقنعة. وتجدر الإشارة إلى أن إيران لا تزال ترفض مطالب الكويت والسعودية لترسيم الحدود البحرية.

أ.ف.ب
شاحنة أمام منشأة تابعة لشركة "أدنوك" للغاز، أبوظبي، 3 مارس 2026

وبدأت الكويت والسعودية عمليات التطوير المشترك عبر عمليات الخفجي المشتركة (KJO)، وهي شركة مملوكة مناصفة بين "أرامكو" و"الشركة الكويتية لنفط الخليج". وكان من المأمول أن يبدأ الإنتاج والتشغيل الكامل خلال الفترة 2026 – 2027. و يمكن الإنتاج أن يستخدم لتلبية الطلب على الغاز في البلدين خصوصا في ما يتعلق باحتياجات محطات توليد الطاقة الكهربائية. ويقدر الإنتاج المتوقع في هذا الحقل بمليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا، وما يعادل 84 ألف برميل من المكثفات يوميا.

تحديات جيوسياسية... وآفاق اقتصادية

يمثل الغاز في الخليج مكاسب مستقبلية في السنوات والعقود المقبلة ، بقدر ما يمثل تحديات جيوسياسية. وكما سبق الإشارة فإن قطر تعتبر عملاقا في إنتاج الغاز على المستوى العالمي. أما السعودية فوجدت في حقل الجافورة مصدرا مهما للغاز غير التقليدي الصخري وهي تعمل من أجل أن يكون الإنتاج مناسبا للطلب المحلي المتزايد. كذلك تحاول الإمارات أن تعزز قدراتها الإنتاجية من الغاز بما يؤدي إلى اكتفاء ذاتي. وتشير تقارير إلى أن المخزونات الطبيعة من الغاز في دول المنطقة قد تتجاوز ما هو معلوم، لكن الاستفادة من هذه الاحتياطيات الطبيعية لا بد أن تقاس بتطورات اقتصاديات الغاز في العالم والمنافسة المحتملة من منتجين آخرين. 

وفي ضوء ما تختزنه دول الخليج من احتياطيات من الغاز الطبيعي، تبدو المنطقة مرشحة للعب دور أكثر تعقيدا في معادلة الطاقة العالمية. فالغاز غدا أداة لإعادة تشكيل مزيج الطاقة، وتعزيز أمن الإمدادات، وفتح مسارات جديدة للتكامل الصناعي والتقني. ومع تسارع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، ستتحدد مكانة الخليج بقدرته على الموازنة بين تعظيم القيمة من موارده الهيدروكربونية والاستثمار في التقنيات النظيفة. في هذا السياق، قد يصبح الغاز جسرا استراتيجيا لإعادة تعريف دور المنطقة في اقتصاد الطاقة العالمي. 

font change