شي في بيونغ يانغ… مواجهة مع بوتين أم استعادة النفوذ؟

التحالف بين البلدين أمام اختبار الوقائع الجديدة

أ ف ب
أ ف ب
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (يمين) والرئيس الصيني شي جين بينغ يتصافحان وذلك خلال زيارة نادرة للرئيس الصيني إلى كوريا الشمالية في 8 يونيو/حزيران

شي في بيونغ يانغ… مواجهة مع بوتين أم استعادة النفوذ؟

لم يغادر شي جينبينغ الصين لأكثر من نصف عام، وطوال هذه المدة، تقاطر رؤساء وقادة دول العالم إلى تشونغننهاي حيث تتركز مقار الحكم في بكين. وفي غضون أشهر قليلة استقبل شي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب قادة آخرين بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ.

وربما لهذا السبب أثارت زيارة شي إلى بيونغ يانغ حتى قبل تأكيدها، اهتماما دولياً واسعاً، فهي الرحلة الأولى لشي إلى الخارج منذ أشهر، كما أنها الأولى له إلى كوريا الشمالية منذ 2019.

وقد وضعت الأوساط الرسمية الصينية الزيارة في إطار ردّ بروتوكولي على زيارة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الأخيرة إلى بكين في سبتمبر/أيلول 2025، حين شارك إلى جانب شي وبوتين في إحياء الذكرى الثمانين لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، قرأها مراقبون وخبراء غربيون ضمن ما يُعرف اصطلاحاً بـ"تأثير المواعدة في المدرسة الثانوية"، وهو تشبيه يقوم على فكرة تحوّل فتاة في المدرسة إلى محور اهتمام الجميع بمجرد أن يبدأ شخص واحد بمواعدتها. والمقصود هنا أن الصين بدت فجأة أكثر اهتماماً ببيونغ يانغ بعد سنوات من البرود النسبي، وذلك على خلفية التقارب الروسي-الكوري الشمالي، وإبداء دونالد ترمب اهتماماً متجدداً خلال حملته الانتخابية بإحياء قنوات التواصل مع كيم جونغ أون.

ونظراً إلى الرمزية الكبيرة التي تحاط بها تحركات شي لا سيما مع تزايد الأهمية الجيوسياسية للصين، فإن الجميع ينظر إلى الزيارة على أنها مؤشر واضح وقوي إلى مدى اهتمام بكين بإعادة صياغة العلاقة مع بيونغ يانغ بناء على الوقائع الجديدة.

وإذا كانت هذه العلاقة اختصرت سابقاً لا سيما قبل سبعينات القرن الماضي بمقولة ماو الشهيرة "إذا ذهبت الشفاه، تصاب الأسنان بالبرد"، التي تضع كوريا الشمالية في قلب معادلة الأمن القومي الصيني، فإن المحاور الأربعة التي شكّلت تاريخياً العناوين الرئيسة للعلاقة بين بيونغ يانغ وبكين، أي المسألة النووية، والترابط الاقتصادي، ومثلث العلاقات الصينية–الكورية الشمالية–الروسية، والحسابات الإقليمية المرتبطة باليابان وكوريا الجنوبية، تبدو اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف وإعادة ضبط وفق متغيرات المرحلة.

أ ف ب
يتبادل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الأنخاب خلال حفل استقبال في بيونغ يانغ 19 يونيو 2024

وقد جاءت زيارة شي بعد أقل من شهر على استقباله ترمب في بكين، وكان لافتاً أن البيان الصيني الصادر عن قمتهما كان أول من أشار إلى بحث ملف كوريا الشمالية، ما استدعى توضيحاً أميركياً عبر "ورقة حقائق" نُشرت بعد يومين، أكدت أن الزعيمين ناقشا مسألة نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، وهو ما غاب عن الصياغة الصينية.

ومنذ أول تجربة نووية كورية شمالية، حافظت الصين رسمياً على دعمها لمبدأ نزع السلاح النووي، وشاركت بفاعلية في المحادثات السداسية، كما وافقت على العقوبات الأممية المفروضة على بيونغ يانغ.

إلا أن هذا الموقف بات يواجه اليوم تحديات متزايدة، لا سيما بعد أن رسخت كوريا الشمالية نفسها قوة نووية عبر زيادة إنتاج الوقود النووي والمواد المشعة، وتطويرها الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية، وقد باتت حالياً تربط أي مفاوضات مستقبلية بالاعتراف بها كدولة نووية بحكم الأمر الواقع، على غرار الهند وباكستان.

وكان واضحا في هذا السياق، تصريح كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري خلال زيارة شي أن برنامج بلادها النووي غير قابل للتراجع وأن تطوير الترسانة سيستمر.

وقد عقّدت الحرب في أوكرانيا، التي تخلت قبل عقود عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية، ثم الحرب الحالية على إيران بعد سنوات طويلة من التفاوض حول برنامجها النووي، عقدت موقف الصين، حيث ترسخت قناعة لدى كثير من الدول بأن السلاح النووي، في عالم مضطرب ومختل التوازن، قد يكون الضمانة الأخيرة لبقاء الأنظمة والدول المهددة. وقد دفع ذلك الصين نفسها نحو توسيع ترسانتها النووية، الأمر الذي يحد من قدرتها على استخدام نزع السلاح النووي كورقة لضبط سلوك بيونغ يانغ وإبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها.

ترسخت قناعة لدى كثير من الدول بأن السلاح النووي، في عالم مضطرب ومختل التوازن، قد يكون الضمانة الأخيرة لبقاء الأنظمة والدول المهددة


وفي هذا الإطار، يقول تونغ تشاو، الباحث الأول في برنامج السياسة النووية والصين التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي لـ"المجلة" إن تراجع احتمال تحقيق تقدم ملموس نحو نزع السلاح النووي الكوري الشمالي والتركيز المتزايد للصين على المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، دفعا بكين إلى التوقف إلى حدّ كبير عن التشديد على مسألة نزع السلاح النووي في الوثائق الرسمية والتصريحات العلنية، مفضّلةً إعطاء الأولوية لتعزيز علاقاتها مع كوريا الشمالية بهدف الحفاظ على النفوذ الصيني هناك وتوسيعه وهو ما يعزز قدرة بكين على إدارة علاقاتها مع كلٍّ من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، كما يرسّخ دور الصين في التأثير على التطورات داخل شبه الجزيرة الكورية وخارجها.

ويرى تشاو، أن حفاظ بكين على نفوذها داخل بيونغ يانغ أمر أساسي لتتمكن الصين من موازنة الدور الروسي المتنامي في كوريا الشمالية، والتأثير في مسار الشراكة الاستراتيجية الروسية-الكورية الشمالية، والحد من أي تداعيات سلبية قد تنجم عن تعميق التعاون بينهما على مصالحها. وبالتالي يستبعد تشاو أن يقدم شي خلال زيارته على الاعتراف العلني بحق كوريا الشمالية في امتلاك أسلحة نووية، أو أن يمارس ضغوطاً جدية على بيونغ يانغ بشأن نزع النووي.

ويخالفه الرأي أندرو كوريبكو، وهو محلل سياسي أميركي مقيم في موسكو ومتخصص في دراسة التحول الجيوسياسي العالمي نحو التعددية القطبية. ويرجح كوريبكو أن يعيد شي التأكيد على معارضة الصين للتجارب النووية والصاروخية الكورية الشمالية، ويوضح لـ"المجلة" أنه كلما اعتمدت كوريا الشمالية بشكل أكبر على روسيا لتقليص اعتمادها على الصين، قد تصبح أقل حساسية تجاه التحفظات الصينية على تجاربها الصاروخية والنووية، وهي التجارب التي ترى بكين أنها تؤدي، من دون قصد، إلى تسريع وتيرة العسكرة الإقليمية بقيادة واشنطن، بما يضر بالمصالح الأمنية الصينية.

في المقابل، يلفت كوريبكو إلى أنه من المنظور الروسي، فإن تصاعد التجارب الكورية الشمالية قد يسهم في تشتيت تركيز الأميركي بعيداً عن أوروبا، مضيفاً أن هناك مصلحة روسية في تعزيز سياسة التوازن التي تنتهجها كوريا الشمالية مع موسكو وبكين كوسيلة غير مباشرة لتخفيف بعض الضغوط الأميركية.

من مسيرة الشقاء إلى المنتجعات الساحلية

من ناحية أخرى، مرّت اعتمادية كوريا الشمالية على الصين اقتصادياً بمحطتين بارزتين. تتمثل المحطة الأولى في "مسيرة الشقاء" خلال تسعينات القرن الماضي، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، الشريك العسكري والاقتصادي الأهم لنظام بيونغ يانغ. وقد سعت الصين قدر الإمكان إلى ملء هذا الفراغ، لكن ضمن توازن سياسي دقيق يقوم على معادلة مزدوجة: منع انهيار النظام من جهة، وتفادي تحويل كوريا الشمالية إلى دولة رهينة لاعتماد كلي على بكين أو دفعها إلى سلوك أكثر تصعيداً للحصول على دعم إضافي.

أ ف ب
جسر نهر يالو المكسور (يمين) وجسر الصداقة الصيني الكوري (يسار)يمتدان فوق نهر يالو الذي يُمثل الحدود بين كوريا الشمالية والصين

أما المحطة الثانية فجاءت في عام 2007، مع تشديد العقوبات الدولية على بيونغ يانغ، ما أدى إلى تضييق واسع في هوامش تجارتها الخارجية، وتحويل الصين عملياً إلى شريان الحياة الاقتصادي شبه الوحيد، مع الإبقاء على المعادلة ذاتها: منع الانهيار دون "إنقاذ شامل".

لكن بعيداً عن هذا المسار التاريخي، تأتي زيارة شي جينبينغ بعد أن انتقل كيم جونغ أون، وفق توصيف "نيويورك تايمز"، من "جهنم مباشرة إلى الجنة" في أقل من 4 سنوات. فقد كادت سياسة إنكار فيروس كورونا في كوريا الشمالية، في مواجهة سياسة الإغلاق الصارم في الصين، أن تدفع بيونغ يانغ إلى أزمة تقارب في خطورتها مجاعة التسعينات.

ثم جاء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وحاجة روسيا إلى الذخيرة ولاحقاً إلى الجنود، ليشكّل نقطة تحول رسّخت تقارباً متسارعاً بين موسكو وبيونغ يانغ المعزولتين دولياً والمثقلتين بالعقوبات في لحظة كانت فيها بكين تثبت موقعها كقوة منافسة أولى للولايات المتحدة.

وقد مكّن هذا التحول كيم من الحصول على إمدادات روسية من الطاقة والأموال، إلى جانب تكنولوجيا عسكرية عززت موقعه. وبلغت ثقة الزعيم الكوري الشمالي حدّ افتتاح أول منتجع سياحي ساحلي في البلاد، في رسالة مزدوجة موجهة إلى ترمب، الذي تثير المنتجعات الشاطئية غريزته كمطور عقاري، وإلى شي، كإشارة إلى امتلاك بيونغ يانغ أوراقاً اقتصادية لتقليص اعتمادها على بكين. ورغم عدم تحول هذه التطورات إلى تهديد مباشر للنفوذ الاقتصادي الصيني، حرصت بكين على تثبيت موقعها، فوقع كيم خلال زيارته إلى بكين في سبتمبر/أيلول 2025 حزمة اتفاقات لتعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي، وأُعيد تشغيل "جسر الصداقة" على نهر يالو بكامل طاقته بعد إغلاقه خلال الجائحة، ما انعكس ارتفاعاً في التبادل التجاري مع بيونغ يانغ بنسبة تقارب 26 في المئة في عام 2025.

ورقة توازن عسكرية

ورغم تعقيدات العلاقة، لا تزال الصين وكوريا الشمالية تحتفظان بمعاهدة الدفاع المشترك الموقعة عام 1961، والتي تمثل الالتزام الدفاعي الملزم الوحيد لبكين مع دولة أجنبية، وقد مُددت في 2021 لعقدين إضافيين. ومن هذا المنطلق، يثير التحالف العسكري بين روسيا وكوريا الشمالية في 2024 قلقاً متزايداً لدى بكين، خشية الانجرار إلى مواجهات لا تتحكم بإيقاعها نتيجة تشابك الالتزامات العسكرية بين حلفائها. في المقابل، يمنح تطور القدرات العسكرية الكورية الشمالية، بكين ورقة توازن مهمة في مواجهة تصاعد العسكرة الإقليمية، خصوصاً مع اتهاماتها للحكومة اليابانية القومية بقيادة ساناي تاكائيتشي بإحياء النهج العسكري، ومع استمرار واشنطن في تعزيز تسليح حلفائها. وكان لافتاً في هذا السياق إعلان ترمب، قبل أيام من زيارة شي، السماح لـكوريا الجنوبية ببناء غواصة نووية، في خطوة غير مسبوقة وموجهة عملياً ضد بكين وبيونغ يانغ معاً.

رغم تعقيدات العلاقة، لا تزال الصين وكوريا الشمالية تحتفظان بمعاهدة الدفاع المشترك الموقعة عام 1961، والتي تمثل الالتزام الدفاعي الملزم الوحيد لبكين مع دولة أجنبية، وقد مُددت في 2021 لعقدين إضافيين


وربما لهذا كله يمكن النظر إلى زيارة شي جينبينغ باعتبارها محاولة صينية جدية لإعادة صياغة العلاقة مع كوريا الشمالية على إيقاع الوقائع الجديدة، والتخلي تدريجياً عن سياسة "العقاب والاحتواء" التي حكمت التعامل مع بيونغ يانغ منذ تسعينات القرن الماضي. فالصين تدرك أن كوريا الشمالية لم تعد ذلك الحليف المحاصر الذي لا يملك سوى البوابة الصينية، كما تدرك في المقابل أن ترك الساحة بالكامل أمام روسيا يحمل كلفة استراتيجية متزايدة.

ورغم أن العلاقة بين موسكو وبكين ستظل محكومة دائماً بقدر من الحذر، ليس فقط بفعل اعتبارات التاريخ والجغرافيا، بل أيضاً لأن الصين ورثت عملياً موقع الاتحاد السوفياتي السابق كقوة دولية منافسة للولايات المتحدة، فإن تنامي الثقة الاستراتيجية بين القوتين قد يدفع بكين إلى إفساح هامش أوسع للدور الروسي في كوريا الشمالية وتقاسم الأعباء معه.

ومن هذا المنظور، تبدو تصريحات شي في بيونغ يانغ حول "الارتقاء بالعلاقات" و"تعزيز التنسيق في قضايا الأمن الإقليمي" أبعد بكثير من مجرد لغة دبلوماسية بروتوكولية. أما بالنسبة إلى كيم جونغ أون، فإن الاستقبال الضخم الذي نظمه لضيفه الصيني كان يحمل رسائل لا تقل وضوحاً: فالعلاقة مع موسكو ربما منحت بيونغ يانغ أوراق قوة جديدة، لكنها تبقى عاجزة عن كسر العزلة الثقيلة التي تخنق البلاد. وحدها الصين، بثقلها الاقتصادي والسياسي والجغرافي، تملك مفاتيح إخراج كوريا الشمالية من تلك العزلة، أو إبقاء أبوابها موصدة عليها.

font change