لم يغادر شي جينبينغ الصين لأكثر من نصف عام، وطوال هذه المدة، تقاطر رؤساء وقادة دول العالم إلى تشونغننهاي حيث تتركز مقار الحكم في بكين. وفي غضون أشهر قليلة استقبل شي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب قادة آخرين بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ.
وربما لهذا السبب أثارت زيارة شي إلى بيونغ يانغ حتى قبل تأكيدها، اهتماما دولياً واسعاً، فهي الرحلة الأولى لشي إلى الخارج منذ أشهر، كما أنها الأولى له إلى كوريا الشمالية منذ 2019.
وقد وضعت الأوساط الرسمية الصينية الزيارة في إطار ردّ بروتوكولي على زيارة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الأخيرة إلى بكين في سبتمبر/أيلول 2025، حين شارك إلى جانب شي وبوتين في إحياء الذكرى الثمانين لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.
في المقابل، قرأها مراقبون وخبراء غربيون ضمن ما يُعرف اصطلاحاً بـ"تأثير المواعدة في المدرسة الثانوية"، وهو تشبيه يقوم على فكرة تحوّل فتاة في المدرسة إلى محور اهتمام الجميع بمجرد أن يبدأ شخص واحد بمواعدتها. والمقصود هنا أن الصين بدت فجأة أكثر اهتماماً ببيونغ يانغ بعد سنوات من البرود النسبي، وذلك على خلفية التقارب الروسي-الكوري الشمالي، وإبداء دونالد ترمب اهتماماً متجدداً خلال حملته الانتخابية بإحياء قنوات التواصل مع كيم جونغ أون.
ونظراً إلى الرمزية الكبيرة التي تحاط بها تحركات شي لا سيما مع تزايد الأهمية الجيوسياسية للصين، فإن الجميع ينظر إلى الزيارة على أنها مؤشر واضح وقوي إلى مدى اهتمام بكين بإعادة صياغة العلاقة مع بيونغ يانغ بناء على الوقائع الجديدة.
وإذا كانت هذه العلاقة اختصرت سابقاً لا سيما قبل سبعينات القرن الماضي بمقولة ماو الشهيرة "إذا ذهبت الشفاه، تصاب الأسنان بالبرد"، التي تضع كوريا الشمالية في قلب معادلة الأمن القومي الصيني، فإن المحاور الأربعة التي شكّلت تاريخياً العناوين الرئيسة للعلاقة بين بيونغ يانغ وبكين، أي المسألة النووية، والترابط الاقتصادي، ومثلث العلاقات الصينية–الكورية الشمالية–الروسية، والحسابات الإقليمية المرتبطة باليابان وكوريا الجنوبية، تبدو اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف وإعادة ضبط وفق متغيرات المرحلة.

وقد جاءت زيارة شي بعد أقل من شهر على استقباله ترمب في بكين، وكان لافتاً أن البيان الصيني الصادر عن قمتهما كان أول من أشار إلى بحث ملف كوريا الشمالية، ما استدعى توضيحاً أميركياً عبر "ورقة حقائق" نُشرت بعد يومين، أكدت أن الزعيمين ناقشا مسألة نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، وهو ما غاب عن الصياغة الصينية.
ومنذ أول تجربة نووية كورية شمالية، حافظت الصين رسمياً على دعمها لمبدأ نزع السلاح النووي، وشاركت بفاعلية في المحادثات السداسية، كما وافقت على العقوبات الأممية المفروضة على بيونغ يانغ.
إلا أن هذا الموقف بات يواجه اليوم تحديات متزايدة، لا سيما بعد أن رسخت كوريا الشمالية نفسها قوة نووية عبر زيادة إنتاج الوقود النووي والمواد المشعة، وتطويرها الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية، وقد باتت حالياً تربط أي مفاوضات مستقبلية بالاعتراف بها كدولة نووية بحكم الأمر الواقع، على غرار الهند وباكستان.
وكان واضحا في هذا السياق، تصريح كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري خلال زيارة شي أن برنامج بلادها النووي غير قابل للتراجع وأن تطوير الترسانة سيستمر.
وقد عقّدت الحرب في أوكرانيا، التي تخلت قبل عقود عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية، ثم الحرب الحالية على إيران بعد سنوات طويلة من التفاوض حول برنامجها النووي، عقدت موقف الصين، حيث ترسخت قناعة لدى كثير من الدول بأن السلاح النووي، في عالم مضطرب ومختل التوازن، قد يكون الضمانة الأخيرة لبقاء الأنظمة والدول المهددة. وقد دفع ذلك الصين نفسها نحو توسيع ترسانتها النووية، الأمر الذي يحد من قدرتها على استخدام نزع السلاح النووي كورقة لضبط سلوك بيونغ يانغ وإبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها.
