الجنوب السوري... عقدة ثلاثية لا يحلها طرف واحد

ثلاث جبهات في مكان واحد

أ.ف.ب
أ.ف.ب
قوات الأمن السورية في مدينة السويداء الجنوبية، في 16 يوليو2025

الجنوب السوري... عقدة ثلاثية لا يحلها طرف واحد

ما زال الجنوب السوري هو العقدة الأبرز في الساحة السورية، فبعد عام على أحداث السويداء الدامية والتدخل الإسرائيلي الذي عقّد المشهد أكثر، وربط الجنوب السوري بمصير التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب، تحوّل الجنوب السوري إلى خاصرة ضعيفة في مسار التعافي السوري في سياقات ضبط الأمن ومحاربة تهريب المخدرات إلى الدول العربية وقطع الطريق أمام إيران وميليشياتها من استغلال الفوضى وزعزعة الاستقرار.

ينقسم الجنوب السوري بين مناطق تخضع لسلطة الحكومة السورية، ومناطق تخضع لسيطرة فصائل عسكرية في السويداء، هذا الانقسام يخلق فرصة أمام "حزب الله" اللبناني ومحاولاته لإعادة تجنيد خلاياه وتحقيق أهدافه وأهداف إيران التي تتمركز حول نشر الفوضى الأمنية في البلاد، تعزيز إمكانية توريط سوريا في حرب إيران الإقليمية، وتخفيف الضغط على "حزب الله" اللبناني الذي يعاني من نقص الإمداد ويرزح تحت الهجمات الإسرائيلية، فضلا عن معاناته أمام التوجه الحكومي اللبناني لنزع سلاحه وبسط سيطرة الجيش اللبناني على كامل لبنان وحدوده. كما تتيح عقدة الجنوب فرصة أمام "حزب الله" وتجار المخدرات لاستئناف وتكثيف عمليات التهريب تجاه الأردن، في محاولة لترميم العجز المالي الذي يعاني منه "الحزب".

دمشق تريد إنهاء عقدة الجنوب، لما له من فوائد على توجهات الحكومة لاستكمال عمليات بسط الأمن، وضبط الحدود، والتفرغ لمواجهة التحديات الأمنية الداخلية، بما فيها تنظيم "داعش". فالحكومة السورية بالتزامن مع جهودها الأمنية تعمل على عدّة ملفات متعلقة بترتيب سياستها الخارجية ومأسسة قنوات التواصل الدبلوماسي وعلاقاتها مع الدول- خاصة الغربية- على أمل تحقيق نتائج ملموسة على مستويات عسكرية، وأمنية، واقتصادية. نتائج تأمل دمشق بأنها ستكون وقودا جديدا لقطار التعافي السوري السياسي والاقتصادي من سنوات الحرب- وما قبلها- والدمار الهائل الذي خلّفه نظام الأسد على البنية التحتية والعمرانية للمدن السورية.

الاتفاق الأمني مع إسرائيل مفتاح عقدة الجنوب؟

شكّلت الضربات التي نفذتها الطائرات الحربية الإسرائيلية ضد مواقع الحكومة السورية أثناء المعارك بين قوات الجيش السوري وفصائل في السويداء شهر يوليو/تموز العام الماضي، والتي أهمها كان استهداف مبنى الأركان في العاصمة دمشق، تحولا جوهريا في مسار التعامل مع الجنوب السوري، إذ إن إسرائيل بنشر سردية حماية الدروز، وتنفيذها لهجمات ضد الحكومة السورية بحجة حماية الدروز في سوريا، دخلت مباشرة إلى دائرة عقدة جنوب سوريا، وربطت الملف بمصير التفاهمات السورية-الإسرائيلية التي ما زالت متعثرة.

ورغم محاولات الوسيط الأميركي تذليل العقبات بين الطرفين، فإنه حتى اللحظة لا يوجد تقدم ملموس في هذا المسار. الحكومة السورية أعلنت أكثر من مرّة أنها مستعدة لإعادة ترتيب الاتفاق الأمني مع إسرائيل شريطة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها عقب سقوط نظام الأسد، فيما لم توضح إسرائيل طبيعة الاتفاق الذي تسعى إليه مع سوريا، وهو ما يراه الطرف السوري عرقلة لكل الجهود الممكنة في تحقيق تقدم في هذا المسار، ويبدو أن الجانب الأميركي بات يشعر بأن المُعطل للمسار هو الجانب الإسرائيلي، ويمكن رؤية أحد جوانب هذا المزاج الأميركي من خلال ما تم نشره في الصحف عن مطلب أميركي بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي دخلتها بعد سقوط الأسد لما يسببه هذا التدخل من توترات داخل الجغرافيا السورية، وتعقيدات للمسعى الأميركي بأن تكون سوريا مستقرة وحصنا منيعا أمام تدخلات إيران وميليشياتها.

دمشق تعلم أن ملف السويداء مرتبط بشكل ما بعملية التفاوض التي تتم بينها وبين إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا ترى أنه ارتباط كلي، لذلك هي مستمرة في محاولات التفاهم مع القوى العسكرية في السويداء، وتحاول تأكيد أن التفاهمات بينها وبين السويداء هو أمر يمكن التوصل إليه دون تدخل خارجي.

أ.ف.ب
قوات إسرائيلية تُسيّر دوريات على طول السياج الحدودي مع سوريا قرب قرية مجدل شمس الدرزية في مرتفعات الجولان المحتلة، في 23 يوليو 2025

الحكومة السورية أعلنت أكثر من مرّة أنها مستعدة لإعادة ترتيب الاتفاق الأمني مع إسرائيل شريطة انسحابها من الأراضي التي دخلتها عقب سقوط نظام الأسد

بحسب معلومات "المجلة" فإن الجانب الأميركي بدأ منذ أكثر من شهرين يتحرك لتضييق الفجوات بين دمشق وفصائل السويداء لإنهاء الملف بما يوحد الجغرافيا السورية ويقلل مخاطر التشرذم في الجنوب الذي بدوره يشكل فراغا يسمح لـ"حزب الله" اللبناني والخلايا التابعة له بالتغلغل من جديد في المنطقة وزعزعة الاستقرار فيها، إضافة إلى تضخم تداعيات هذا الخلل الأمني في زيادة تدفق مخدرات "حزب الله" عبر الجنوب السوري إلى المنطقة والعالم. إشكالية المخدرات وتضخّم تداعياتها باتت تشكل قلقا متزايدا إقليميا ودوليا، ولعلّ أبرز معوقاته هو وجود توتر أمني وتشرذم جغرافي يمنع الحكومة السورية من بسط سيطرتها الكاملة على الحدود وتفكيك خلايا "حزب الله" التي باتت ترى في عقدة الجنوب ملاذا لها يمكن توسيعه واستغلاله بما يضمن بقاء خلايا لها في المنطقة من جهة، واستمرار عمليات التهريب من جهة أخرى.

"المجلة" علمت من مصدر غربي أن واشنطن هي الأخرى تعيد ترتيب فريقها الذي سيتحرك لدفع عملية التفاوض بين سوريا وإسرائيل، وبحسب المصدر فإن واشنطن تدرس نقل ملف المفاوضات السورية-الإسرائيلية من توم باراك إلى طاولة ويتكوف-كوشنر، إلا أن القرار ضمن الإدارة الأميركية لم يُحسم بعد بحسب المصدر نتيجة انصباب اهتمام واشنطن بالحرب المباشرة مع إيران والدفع لاتفاق أميركي-إيراني يحقق أهداف واشنطن من الحرب.

ويرى كثير من المراقبين أن واشنطن إذا كانت ترى في الحكومة السورية لاعبا رئيسا في مساعدة الجانب اللبناني في تقويض نفوذ "حزب الله" اللبناني ونزع سلاحه، فإن ذلك يتطلب بشكل أو بآخر حلّ العقدة الجنوبية في سوريا، كون أن الفوضى واستمرار التأرجح الأمني فيها سيكون نافذة لـ"الحزب" عبر خلاياه على المستوى الاقتصادي من خلال تهريب المخدرات، وعلى المستوى العسكري من خلال استغلال التشرذم وتنفيذ خلاياه هجمات في المنطقة أو إلى خارجها نحو إسرائيل.

التهريب مستمر... هل تستطيع دمشق مواجهته وحدها؟

نشاط "حزب الله" والميليشيات الإيرانية في عمليات التهريب (السلاح والمخدرات) عبر الحدود السورية هو ملف جوهري على طاولة الحكومة السورية، فالعمليات الأمنية التي تُنفذها الحكومة السورية ضد خلايا "حزب الله" في سوريا ولقطع طرق التهريب بين سوريا ولبنان تزايدت وتيرتها في الآونة الأخيرة، وسط تعزيزات عسكرية وأمنية مكثفة على المناطق الحدودية مع لبنان والعراق، واتصالات ولقاءات مسؤولين سوريين مع نظراء لهم في العراق ولبنان لتعزيز التنسيق بين الطرفين فيما يخص أمن الحدود ومنع "حزب الله" اللبناني من استخدام الأراضي السورية لخدمة إيران أو تهريب المخدرات.

دمشق أعلنت خلال الأسبوعين الماضيين عن إيقاف أكثر من 4 عمليات لتهريب المخدرات عبر الحدود اللبنانية والأردنية، ومصادرة شحنات من المخدرات في أرياف السويداء ودرعا وحمص كانت معدة للتهريب، كما أعلنت يوم الخميس 16 يوليو/تموز الجاري أنها أوقفت شحنة أسلحة كبيرة كانت مهربة من العراق إلى "حزب الله" اللبناني عبر الأراضي السورية، الأسلحة التي تتكون من صواريخ حديثة ومسيرات ورؤوس صواريخ كانت مهربة في صهريج نفط ضمن قوافل النفط العراقي الذي يعبر الأراضي السورية، وكانت الداخلية السورية قبلها بأيام قد اعتقلت ثلاثة من المهربين البارزين في الجنوب السوري بحسب معلومات "المجلة"، المُهربون مرتبطون بـ"حزب الله" اللبناني ويعملون على تهريب المخدرات التي تأتي من لبنان إلى الأردن.

كما أحبطت دمشق محاولة تهريب لمخدرات كان يتم تهريبها إلى الأردن عبر بالونات هوائية باتت تستخدمها عصابات تهريب المخدرات بكثرة مؤخرا وسط التشديد الأمني السوري والأردني على الحدود، إضافة إلى تنفيذ عمليات تهريب متزامنة بعضها باستخدام الحيوانات (الحمير) في عمليات التهريب بين لبنان وسوريا، في مسعى لتشتيت الجهود الأمنية السورية على الحدود ذات الجغرافيا المعقدة والأنفاق الكثيرة.

نشاط الحكومة السورية في مواجهة عمليات التهريب يُغضب إيران كثيرا، فمنع إمداد "حزب الله" اللبناني بالسلاح والمال يعني خلق فرصة أمام الحكومة اللبنانية لفرض السيطرة على أراضيها ونزع سلاح "الحزب"، ويبدو أن تمّكن دمشق من إيقاف الشحنة الكبيرة التي كانت موجهة لـ"حزب الله" اللبناني، وربما جزء منها لخلايا "الحزب" في سوريا، كان ضربة كبيرة للمخطط الإيراني، حيث أعلن "الحرس الثوري" الإيراني يوم الجمعة 17يوليو/تموز الجاري استهداف منطقة التنف السورية، وبرر "الحرس" هذا الاستهداف بأنه هجوم على مركز قيادة أميركي رداً على مقتل جنود إيرانيين في مدينة إيرانشهر.

نشاط الحكومة السورية في مواجهة عمليات التهريب يُغضب إيران كثيرا، فمنع إمداد "حزب الله" اللبناني بالسلاح والمال يعني خلق فرصة أمام الحكومة اللبنانية لفرض السيطرة على أراضيها ونزع سلاح "الحزب"


القاعدة على بعد نحو 24 كيلومتراً غرب معبر التنف الحدودي السوري المقابل لمنفذ الوليد العراقي، الذي مرّت منه شحنة السلاح الإيرانية قبل توقيفها من قبل دمشق، كما أن الولايات المتحدة قد أعلنت في فبراير/شباط الماضي سحب قواتها من هذه القاعدة وتسليمها إلى السلطات السورية. ما يشير في أحد جوانب الاستهداف إلى رغبة إيرانية بالانتقام من دمشق التي أحبطت وتحبط مخططاتها في المنطقة.

وعلمت "المجلة" من أكثر من مصدر بأن "حزب الله" اللبناني بات يعمل على تهريب مادة "الكريستال ميث" بشكل كبير مؤخرا، وذلك كونها ذات حجم صغير مقارنة بحبوب الكبتاغون ومادة الحشيس، ومردودها المادي أكبر، فـ"حزب الله" اللبناني يرى في عائدات صناعة وبيع المخدرات ملاذا ماليا في ظل شحّ مقدراته المالية بعد سقوط نظام الأسد وانشغال إيران الكبير بحربها مع واشنطن وخطط الترميم العمراني والاقتصادي الداخلي نتيجة الدمار الكبير في البنية التحتية الإيرانية بفعل الغارات الأميركية-الإسرائيلية.

سوريا خرجت من حرب طويلة ضد نظام الأسد وداعميه، تحاول ترميم دمارها وبناء اقتصادها من جديد، وتشهد تحولا جوهريا سياسيا على المستوى الداخلي أو العلاقات الدولية، مقدرات دمشق العسكرية ما زالت دون المستوى المطلوب لخلق طوق منيع أمام عمليات التهريب، ما يجعل التنسيق مع عمّان وبيروت والعراق ضرورة ملحّة، وعلى الرغم من أن عمّان تقدم كل الدعم العملياتي والاستخباراتي لدمشق، فإن الفجوة الموجودة على الحدود السورية-اللبنانية والعراقية تُصعّب المهمة، فالميليشيات التابعة لإيران تمتلك نفوذا كبيرا على الجانب العراقي المقابل للحدود السورية، فمرور صهريج نفط محمّل بكميات كبيرة من الأسلحة عبر المعبر الرسمي العراقي تجاه سوريا يثير أسئلة كثيرة حول نفوذ الميليشيات التابعة لإيران في المعبر والمنطقة المحيطة به، كما أن وجود "حزب الله" اللبناني على الحدود السورية-اللبنانية وسيطرته على مناطق كثيرة في المنطقة يطرح أسئلة أيضا عن مدى قدرة الجيش اللبناني وحده في ضبط حدوده مع سوريا.

يرى كثيرون أن التنسيق بين الحكومات السورية والأردنية واللبنانية والعراقية بحاجة إلى التحول إلى تحالف متين في مسار ضبط الحدود، ويحتاج إلى دعم دولي لوجستي وأمني، فمنع إيران وميليشياتها من استخدام الأراضي السورية كمعبر للأسلحة والمخدرات هو مطلب للدول الإقليمية والغربية على حد سواء، واستمرار هذه الميليشيات في عمليات التهريب يقوّض أمن الدول واستقرارها، ويتيح لإيران الفرصة في استغلال الفوضى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

"حزب الله اللبناني وخلاياه... الفوضى كخيار وحيد 

يستمر "حزب الله" اللبناني في محاولاته زعزعة جهود الاستقرار السوري، من خلال عمليات التهريب وتجنيد الخلايا وتسليحها، ورغم جهود الحكومة السورية في مواجهة هذه السلوكيات المزعزعة للاستقرار، فإن "حزب الله" اللبناني وإيران من خلفه مستمران في محاولات تعزيز نفوذهما في المناطق السورية القريبة من الحدود مع لبنان والعراق والأردن. وذلك لضمان استمرار عمليات التهريب من جهة، ولإبقاء خلايا له في الجنوب السوري مسلحة وتأتمر بقراراته، وهذا النفوذ الذي يسعى له "حزب الله" ومن خلفه إيران يمثل ورقة في سردية "المقاومة"، فإيران لتحقيق مكاسبها الاستراتيجية تعتمد على استخدام الأراضي العراقية والسورية واللبنانية كمنصات عسكرية لها للضغط على الدول العربية والغرب وإسرائيل.

كان واضحا في الآونة الأخيرة توجه الحكومة السورية إلى الكشف عن كثير من عمليات محاربة تهريب السلاح والمخدرات التي يديرها "حزب الله" اللبناني وخلاياه في سوريا وذلك في خطوة لإظهار حجم التهديد الذي يشكله "الحزب" على الأمن السوري والإقليمي من جهة، ولمواجهة سردية "الحزب" الذي يدعي بشكل دائم أنه لا يتدخل في الشأن السوري ولا يسعى لزعزعة الأمن في الأراضي السورية.

وعلمت "المجلة" أن دمشق لم تكشف بشكل كامل عن كل العمليات التي تقوم بها لإحباط مخططات "حزب الله" وعمليات التهريب التي يحاول القيام بها عبر الأراضي السورية، وبحسب معلومات "المجلة" فقد تم اعتقال خلية خلال الأسبوعين الماضيين تابعة لـ"حزب الله" اللبناني كانت تحاول نقل متفجرات من ريف حمص إلى ريف العاصمة دمشق، وفيما يبدو أن خلايا إيران كانت تريد استخدام هذه المتفجرات داخل الأراضي السورية.  

أ.ف.ب
جندي لبناني على برج مراقبة في منطقة وادي خالد في لبنان، عند الحدود اللبنانية - السورية شمال لبنان في 5 أكتوبر 2023

 

سقوط نظام الأسد شكّل ضربة كبيرة لإيران و"حزب الله" في المنطقة، وتوجه دمشق نحو المظلة العربية أثار مخاوف كبيرة في طهران وبين قادة "حزب الله" اللبناني، لأن هذا التوجه يعني عودة سورية إلى موقعها الجيوسياسي الطبيعي


سقوط نظام الأسد شكّل ضربة كبيرة لإيران و"حزب الله" في المنطقة، وتوجه دمشق نحو المظلة العربية أثار مخاوف كبيرة في طهران وبين قادة "حزب الله" اللبناني، لأن هذا التوجه يعني عودة سورية إلى موقعها الجيوسياسي الطبيعي، وهي عودة تعني بالضرورة اختناق "حزب الله" جغرافيا واقتصاديا، وانهيار المشروع الإيراني وطرق الإمداد اللوجستي والعسكري لـ"حزب الله". الأخير يبذل كل جهوده لإعادة إحياء نفوذه في سوريا وتحديدا في الجنوب غير المستقر حتى اللحظة بسبب التعقيدات الحاصلة بين دمشق وفصائل السويداء من جهة، ودخول الجانب الإسرائيلي وتوغلاته العسكرية التي تزيد من حالة الغضب الشعبي في الجنوب وتفتح أبوابا لـ"حزب الله" اللبناني لاستغلاله في محاولات التجنيد التي لم تصل إلى المستوى الذي كان يتوقعه الحزب بعد.

إحداث وتعزيز الفوضى هو خيار "حزب الله" اللبناني الوحيد-والبائس- في مواجهة التحول التاريخي الذي حصل في سوريا مع سقوط نظام الأسد والذي شكّل نقطة تحول جوهرية في السياسة الدولية حيال سوريا والمنطقة، وأعاد رسم خرائط التحالفات والنفوذ لكثير من الدول، فالمحور التقليدي (إيران وروسيا) ضعف أو أفلت نجومه، ولمعت نجوم جديدة في المنطقة. عودة سوريا إلى المظلة العربية ساهمت بشكل كبير في إعادة رسم المنطقة وقوّتها من جهة، وأعاد إلى الواجهة توجهات استراتيجية عربية كان قد غيّبها نظام الأسد من خلال فتح المجال أمام إيران- وسياستها التخريبية- وميليشياتها لاستخدام سوريا لصالحها على كل المستويات الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

تعزيز الاستقرار وبسط الأمن والتوحيد الجغرافي وإنهاء تعدد القوى العسكرية في سوريا ضمن أولويات الحكومة السورية، لأن توحيد الجغرافيا وإنهاء التعدد العسكري يتيح الفرصة أمام دمشق لإدارة مواردها بشكل فعال في ضبط الحدود، وتحييد التهديدات الأمنية الداخلية، وسحب السلاح المنفلت، ومواجهة خلايا "داعش" وإيران و"حزب الله" اللبناني في الداخل السوري، عوامل تجعل من تسريع حلّ عقدة الجنوب السوري أحد أهم الأولويات لدمشق والدول العربية وواشنطن والغرب على حدّ سواء. لتبقى الأسئلة الأبرز تدور حول إمكانية أن تبذل واشنطن جهدا أكبر وضغوطا مضاعفة على إسرائيل لفكّ عقدة ربط ملف السويداء بالاتفاق مع دمشق، وإقناع إسرائيل نفسها بأن استمرار الفوضى الأمنية وعمليات التهريب على الحدود بين لبنان وسوريا والأردن هو تهديد حقيقي لها، وأنها بحجة حماية أمنها القومي تخلق تهديدا أكبر لأمنها وأمن الإقليم على حد سواء.

font change