ما زال الجنوب السوري هو العقدة الأبرز في الساحة السورية، فبعد عام على أحداث السويداء الدامية والتدخل الإسرائيلي الذي عقّد المشهد أكثر، وربط الجنوب السوري بمصير التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب، تحوّل الجنوب السوري إلى خاصرة ضعيفة في مسار التعافي السوري في سياقات ضبط الأمن ومحاربة تهريب المخدرات إلى الدول العربية وقطع الطريق أمام إيران وميليشياتها من استغلال الفوضى وزعزعة الاستقرار.
ينقسم الجنوب السوري بين مناطق تخضع لسلطة الحكومة السورية، ومناطق تخضع لسيطرة فصائل عسكرية في السويداء، هذا الانقسام يخلق فرصة أمام "حزب الله" اللبناني ومحاولاته لإعادة تجنيد خلاياه وتحقيق أهدافه وأهداف إيران التي تتمركز حول نشر الفوضى الأمنية في البلاد، تعزيز إمكانية توريط سوريا في حرب إيران الإقليمية، وتخفيف الضغط على "حزب الله" اللبناني الذي يعاني من نقص الإمداد ويرزح تحت الهجمات الإسرائيلية، فضلا عن معاناته أمام التوجه الحكومي اللبناني لنزع سلاحه وبسط سيطرة الجيش اللبناني على كامل لبنان وحدوده. كما تتيح عقدة الجنوب فرصة أمام "حزب الله" وتجار المخدرات لاستئناف وتكثيف عمليات التهريب تجاه الأردن، في محاولة لترميم العجز المالي الذي يعاني منه "الحزب".
دمشق تريد إنهاء عقدة الجنوب، لما له من فوائد على توجهات الحكومة لاستكمال عمليات بسط الأمن، وضبط الحدود، والتفرغ لمواجهة التحديات الأمنية الداخلية، بما فيها تنظيم "داعش". فالحكومة السورية بالتزامن مع جهودها الأمنية تعمل على عدّة ملفات متعلقة بترتيب سياستها الخارجية ومأسسة قنوات التواصل الدبلوماسي وعلاقاتها مع الدول- خاصة الغربية- على أمل تحقيق نتائج ملموسة على مستويات عسكرية، وأمنية، واقتصادية. نتائج تأمل دمشق بأنها ستكون وقودا جديدا لقطار التعافي السوري السياسي والاقتصادي من سنوات الحرب- وما قبلها- والدمار الهائل الذي خلّفه نظام الأسد على البنية التحتية والعمرانية للمدن السورية.
الاتفاق الأمني مع إسرائيل مفتاح عقدة الجنوب؟
شكّلت الضربات التي نفذتها الطائرات الحربية الإسرائيلية ضد مواقع الحكومة السورية أثناء المعارك بين قوات الجيش السوري وفصائل في السويداء شهر يوليو/تموز العام الماضي، والتي أهمها كان استهداف مبنى الأركان في العاصمة دمشق، تحولا جوهريا في مسار التعامل مع الجنوب السوري، إذ إن إسرائيل بنشر سردية حماية الدروز، وتنفيذها لهجمات ضد الحكومة السورية بحجة حماية الدروز في سوريا، دخلت مباشرة إلى دائرة عقدة جنوب سوريا، وربطت الملف بمصير التفاهمات السورية-الإسرائيلية التي ما زالت متعثرة.
ورغم محاولات الوسيط الأميركي تذليل العقبات بين الطرفين، فإنه حتى اللحظة لا يوجد تقدم ملموس في هذا المسار. الحكومة السورية أعلنت أكثر من مرّة أنها مستعدة لإعادة ترتيب الاتفاق الأمني مع إسرائيل شريطة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها عقب سقوط نظام الأسد، فيما لم توضح إسرائيل طبيعة الاتفاق الذي تسعى إليه مع سوريا، وهو ما يراه الطرف السوري عرقلة لكل الجهود الممكنة في تحقيق تقدم في هذا المسار، ويبدو أن الجانب الأميركي بات يشعر بأن المُعطل للمسار هو الجانب الإسرائيلي، ويمكن رؤية أحد جوانب هذا المزاج الأميركي من خلال ما تم نشره في الصحف عن مطلب أميركي بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي دخلتها بعد سقوط الأسد لما يسببه هذا التدخل من توترات داخل الجغرافيا السورية، وتعقيدات للمسعى الأميركي بأن تكون سوريا مستقرة وحصنا منيعا أمام تدخلات إيران وميليشياتها.
دمشق تعلم أن ملف السويداء مرتبط بشكل ما بعملية التفاوض التي تتم بينها وبين إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا ترى أنه ارتباط كلي، لذلك هي مستمرة في محاولات التفاهم مع القوى العسكرية في السويداء، وتحاول تأكيد أن التفاهمات بينها وبين السويداء هو أمر يمكن التوصل إليه دون تدخل خارجي.

