قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر من مرّة إنه اقترح تدخل سوريا في لبنان لنزع سلاح "حزب الله" اللبناني، وعدّ في معرض كلامه خلال قمّة "مجموعة السبع" في باريس مؤخرا أن سوريا "ستؤدي عملا أفضل" من إسرائيل في لبنان.
تصريحات الرئيس الأميركي المتكررة حول فكرة دفع سوريا للتدخل من أجل تقويض سلطة "حزب الله" وسحب سلاحه أثارت قلقا في لبنان، ودفعت الحكومة السورية إلى تأكيد أنها ليست بوارد إعادة سيناريو "الوصاية السورية" على لبنان، وصاية امتدت لعقود زمن نظام الأسد، وخلّفت وراءها آلاف القتلى والمفقودين اللبنانيين على يد نظام الأسد وداخل أقبية سجونه.
قبل أيام، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال مقابلة تلفزيونية، إن "سوريا جزء من الحل، وليست جزءا من المعاناة اللبنانية"، مضيفا أن "الوضع في لبنان يحتاج إلى حلول مشتركة، ويمكن جدا الاعتماد على سوريا في البحث عن مسار آمن للحل"، وأوضح أن دور سوريا يكون من خلال "إعادة دعم الدولة اللبنانية، وإعادة تقوية مؤسساتها، والبحث عن صلات وصل ما بين الأطراف السياسية والقوى الفاعلة في لبنان بما فيها (حزب الله) للبحث عن حل آمن يؤمن به الجميع". حديث الرئيس الشرع لا ينفي أن سوريا ستلعب دورا في حلّ المعضلة اللبنانية، سيّما أن أمن سوريا مرتبط بأمن لبنان، وحاجة سوريا ملحّة لتفكيك سلاح "حزب الله" اللبناني الذي بات يعزز قوّاته على الحدود السورية ويحاول تجنيد خلايا جديدة له داخل الأراضي السورية، إضافة إلى استمرار محاولاته في تهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود.
بحسب معلومات "المجلة"، فإن الحكومة السورية تحاول تأطير الرغبة الأميركية ضمن حدود لا تخلق حالة من الفوضى الجديدة في سوريا وعلى حدودها، ولا تعيد حالة النزاع والتوتر السوري-اللبناني إلى الساحة من جديد، بالتزامن مع اجتماعات مكثفة عُقدت بين المسؤولين السوريين واللبنانيين خلال الشهرين الماضيين لتعزيز التعاون والتنسيق بين الطرفين حيال ملف أمن الحدود وطبيعة الدعم السوري الممكن للدولة اللبنانية خلال الفترة الماضية. التنيسق الوثيق بين لبنان وسوريا أكده الرئيس اللبناني جوزيف عون يوم الثلاثاء 24 يونيو/حزيران الجاري خلال استقباله وزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن في قصر بعبدا.
كذلك يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا مطلع الشهر المقبل، فعلى الرغم من أهميتها الاقتصادية والسياسية لفرنسا التي تحاول العودة إلى سوريا بقوّة، حيث سيرافق ماكرون ممثلون عن أكثر من خمسين شركة فرنسية تريد الاستثمار في سوريا الجديدة، إلا أن الزيارة ستشهد أيضا مباحثات سورية-فرنسية متعلقة بالملف السوري اللبناني وممكنات التعاون السوري الأوروبي في صياغة حدود الدور السوري في لبنان بالتعاون مع الحكومة اللبنانية.
واشنطن بين الضغط والتفهّم
منذ نحو عام، ألمح مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توم باراك إلى أن لبنان "إذا لم يتحرك" فإنه "سيعود إلى بلاد الشام من جديد"، وهي تصريحات أثارت كثيرا من التأويلات والانتقادات، وعلى الرغم من أن باراك حاول تخفيف حدّتها إلا أن الأشهر التي تلت ذلك التصريح كانت مليئة بإشارات من الرئيس الأميركي نفسه بأن واشنطن تريد أن تتولى سوريا مهمة نزع سلاح "حزب الله" اللبناني.
التصريحات الأميركية رافقتها مباحثات سورية-أميركية مستمرة منذ أشهر في محاولة من قبل دمشق لفهم المقصد الأميركي من جهة، والتأكيد على أن سوريا ليست مستعدة ولا تريد أن يكون دورها في لبنان عسكريا، وذلك لعدّة اعتبارات تأخذها دمشق بعين الاعتبار، أبرزها أن دمشق تريد علاقة تعاون وتنسيق أمني واقتصادي مع لبنان يفتح لسوريا نوافذ فرص اقتصادية تساعدها في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد والإعمار، يضاف لها أن سوريا لا تريد فتح جبهة عسكرية وأمنية ضدها، فتدخّل سوريا العسكري في لبنان سيعيد للعقل اللبناني صورة نظام الأسد وتدخله الدامي في لبنان، ويُقوّض فرص التعاون السوري مع الحكومة اللبنانية ومكونات لبنان كافة.


