مصر تراهن على المشترين الأجانب لإنعاش سوق العقارات وجذب الدولار

الأسعار تفوق قدرة المواطنين والبناء مستمر

أ.ف.ب
أ.ف.ب
منظر جوي لأعمال البناء الجارية في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، على بُعد نحو 45 كيلومتراً شرق القاهرة، 13 مارس/آذار 2020

مصر تراهن على المشترين الأجانب لإنعاش سوق العقارات وجذب الدولار

قررت مصر رفع القيود المفروضة على تملك الأجانب للعقارات، في خطوة تراهن من خلالها على زيادة عائدات ما بات يعرف بتصدير العقار، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف لدى أوساط وطنية قلقة من اتساع رقعة الملكية الأجنبية داخل البلاد.

وكان قانون تنظيم تملك غير المصريين للعقارات الصادر عام 1996 يقصر ملكية الأجانب على عقارين فقط على أن يكونا في مدينتين مختلفتين، ومخصصين للسكن، مع تحديد مساحة كل منهما بما لا يتجاوز 4 آلاف متر مربع. أما التوجه الحكومي الجديد فيلغي الحد الأقصى لعدد العقارات التي يجوز للأجانب تملكها، شريطة سداد قيمتها بالعملة الأجنبية، وفق الضوابط المقررة.

وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن هذا التوجه من شأنه تنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. ويأتي ذلك فيما تسعى القاهرة إلى تعظيم عوائد بيع العقارات وزيادة مواردها من العملات الأجنبية.

الاستثمارات الأجنبية تجعل بلادنا قادرة ماليا على الوفاء بالتزاماتها الدولية

خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والبحوث الاقتصادية

ومن خلال فتح أبواب السوق العقارية المحلية أمام المشترين الأجانب، تحاول الحكومة الاستفادة من العدد الكبير من الوحدات السكنية غير المستغلة. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد هذه الوحدات يبلغ نحو 13 مليون وحدة، موزعة بين الحضر والريف، حسب عبد الخالق إبراهيم، مساعد وزير الإسكان للشئون الفنية.

رويترز

فقد ظل المصريون يعيشون، تقليديا، على نحو 7 في المئة فقط من مساحة بلادهم البالغة مليون كيلومتر مربع، ولا سيما في وادي النيل ودلتاه. وحسب خطة لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، كانت مصر تستهدف توسيع الرقعة المأهولة لزيادة نسبة المساحة المأهولة إلى 8 في المئة في نهاية 2022، مع تخصيص ما لا يقل عن ثلث الاستثمارات العامة للتنمية العمرانية في محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية.

وفي عام 2023، قال وزير الإسكان المصري آنذاك عاصم الجزار إن الرقعة المأهولة في مصر تضاعفت منذ عام 2014، لتبلغ نحو 13.7 في المئة من إجمالي مساحة البلاد، بفضل التوسع في إنشاء المدن الجديدة ومشروعات التنمية العمرانية.

وأضاف أن الدولة استثمرت نحو 1.3 تريليون جنيه في تطوير المدن، منها 975 مليار جنيه لمدن الجيل الرابع، ضمن استراتيجيا تستهدف إعادة توزيع السكان وزيادة المساحة المأهولة خارج وادي النيل والدلتا.

أسباب أعمق

تقول الحكومة إنها ستطلق منصة إلكترونية جديدة لتيسير تملك الأجانب للعقارات المحلية، في مؤشر إلى جدية التوجه الجديد نحو تصدير العقار. ويرى متخصصون أن هذه السياسة تكشف الكثير عن أولويات المرحلة الراهنة.

وبتكثيف جهودها لاستقطاب المشترين الأجانب للعقارات، تسير القاهرة على خطى دول إقليمية، وخصوصا تركيا واليونان، اللتين نجحتا خلال السنوات الماضية في جذب استثمارات أجنبية إلى أسواقهما العقارية عبر تسهيل تملك الأجانب، وربط الاستثمار العقاري ببرامج الإقامة أو الجنسية، إلى جانب الاستفادة من جاذبية الأسعار والموقع.

غير أن هذه الجهود تأتي أيضا في وقت تعمل فيه مصر جاهدة على توفير ما تحتاجه من عملات أجنبية للوفاء بالتزاماتها تجاه مؤسسات الإقراض الدولية، ولتمويل استيراد السلع الأساسية من الأسواق العالمية، وفق ما يقول متخصصون.

وقال خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والبحوث الاقتصادية، لـ"المجلة": "إن الاستثمارات الأجنبية تجعل بلادنا قادرة ماليا على الوفاء بالتزاماتها الدولية". 

وأضاف أن تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مختلف قطاعات الاقتصاد يخلق فرص عمل للقوى العاملة المحلية. وتابع الشافعي: "هذا التدفق يحسن أيضا التصنيف الائتماني لمصر، ويعزز الثقة في مناخ الاستثمار المحلي".

شملت هذه الصفقات أراضي ومشروعات في مواقع استراتيجية على ساحلي البحرين المتوسط والأحمر، من أبرزها مشروع رأس الحكمة، وذلك في إطار مساعي مصر لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي

وخلال السنوات الماضية، اتجهت مصر إلى طرح حصص في شركات وأصول مملوكة للدولة أمام مستثمرين أجانب، ولا سيما صناديق الثروة السيادية الخليجية، ضمن برنامج يستهدف جذب الاستثمار الأجنبي وتعزيز موارد النقد الأجنبي. وأسهمت هذه السياسة، إلى جانب صفقات استثمارية كبرى مثل مشروع رأس الحكمة، في استقطاب تدفقات مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات.

وشملت هذه الصفقات أراضي ومشروعات في مواقع استراتيجية على ساحلي البحرين المتوسط والأحمر، من أبرزها مشروع رأس الحكمة، وذلك في إطار مساعي مصر لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي، بالتوازي مع تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي، الذي أُقر في ديسمبر/كانون الأول 2022 ثم جرى توسيع حجمه في مارس /آذار 2024. ويأتي هذا التوجه أيضا بينما تعاني سوق العقارات المحلية ركودا يقر به بعض الاقتصاديين المحليين، في حين ينفيه المطورون العقاريون بشدة.

رويترز
منظر عام للأبراج عند غروب الشمس في ممشى نورث سكوير المطل على البحر الأبيض المتوسط، خلال فعاليات الدورة الثانية من مهرجان العلمين الجديدة 2024، في مدينة العلمين الجديدة بمصر، 8 أغسطس/آب 2024

ويشير هؤلاء الاقتصاديون إلى احتمال تشكل فقاعة عقارية، بفعل الارتفاع الحاد في أسعار العقارات وغياب طلب حقيقي كاف من المشترين المحليين. وقد يكون هذا أحد أسباب تدخل الحكومة لفتح السوق على نطاق أوسع أمام مشترين أجانب قادرين على شراء العقارات بأسعارها الحالية المرتفعة، في محاولة لتخفيف أثر تلك الفقاعة، بحسب بعض التقديرات.

الإفراط في البناء

في مسعاها إلى إنعاش الطلب في السوق العقارية، تسعى القاهرة أيضا إلى دعم قطاع التشييد والبناء، الذي يسهم بنحو 10.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوظف 10.6 في المئة من قوة العمل في مصر، البالغ عددها قرابة 35 مليون شخص، وفق أحدث البيانات الرسمية.

إلا أن هذا التوجه يسلط الضوء أيضا على القدر الكبير من الوقت والطاقة ورأس المال الذي ضخته مصر في هذا القطاع خلال العقدين الماضيين. ويرى خبراء عقاريون أن مصر بالغت في البناء خلال تلك الفترة تحت عناوين مواجهة النمو السكاني، وتوسيع المساحة القابلة للسكن، وإعادة توزيع السكان لتخفيف الضغط عن وادي النيل والدلتا. وقال خبير العقارات المستقل خالد الأسواني: "من المؤسف القول إن هذه الطفرة العمرانية لم تكن لها أي صلة بالاحتياجات الحقيقية لمعظم المصريين".

وأضاف لـ"المجلة": "كانت معظم المجتمعات العمرانية التي شيدت في تلك السنوات تستهدف، في الأساس، خلق فرص استثمارية لمن يملكون أموالا وفيرة".

في فترة 2014-2021، أشارت رئاسة الجمهورية إلى أن إجمالي تكلفة المشروعات المنتهية والجاري تنفيذها التابعة لوزارة الإسكان بلغ نحو 1.5 تريليون جنيه (أي نحو 95.5 مليار دولار وفق متوسط سعر لصرف الجنيه يدور حول 15.7 جنيها للدولار)

ولا يوجد تقدير دقيق لحجم الأموال التي أنفقتها مصر على البناء خلال العقدين الماضيين، غير أن تلك الاستثمارات أفضت إلى قيام عدد كبير من المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة. وفي فترة 2014-2021، أشارت رئاسة الجمهورية إلى أن إجمالي تكلفة المشروعات المنتهية والجاري تنفيذها التابعة لوزارة الإسكان بلغ نحو 1.5 تريليون جنيه (أي نحو 95.5 مليار دولار وفق متوسط سعر لصرف الجنيه يدور حول 15.7 جنيها للدولار) ، وتشمل الإسكان والمرافق والمدن الجديدة.

ومن أبرز هذه المشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، الممتدة على نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريبا مساحة سنغافورة أو نيروبي أو طهران. كما تشمل مدنا جديدة أخرى، بينها العلمين الجديدة على ساحل البحر المتوسط، في منطقة ارتبط اسمها بإحدى أشهر معارك الحرب العالمية الثانية.

رويترز
منظر جوي لطريق سريع في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، مصر، 31 مارس/آذار 2026

وتتجلى هذه الطفرة العمرانية أيضا في عشرات المجمعات السكنية المغلقة التي تضم وحدات وعقارات فارهة بملايين الجنيهات المصرية. ويرى منتقدون أن الإفراط في البناء يعكس خللا في ترتيب الأولويات، خصوصا في بلد يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور 7,000 جنيه (نحو 140 دولارا وقت إقراره في فبراير/شباط عام 2025).

مخاوف من الإزاحة السكانية

تفسر الفجوة الواسعة بين أسعار الوحدات الجديدة والقدرة الشرائية لمعظم المصريين لماذا بات اجتذاب المشترين الأجانب يمثل أولوية متزايدة للحكومة والمطورين العقاريين. ففي العاصمة الإدارية الجديدة، يتراوح سعر المتر المربع بين نحو 50 ألفا (نحو 1,000 دولار) و70 ألف جنيه (نحو 1,360 دولارا)، بينما يصل في بعض مشروعات القاهرة الجديدة إلى 200 ألف جنيه (3,900 دولار) للمتر، وهو ما يرفع سعر شقة متوسطة بمساحة 120 مترا إلى ما بين 120,000 و163,000 دولار في العاصمة الإدارية، وقد يتجاوز 4680,000 دولار في بعض المشروعات الراقية بالقاهرة الجديدة. يضاف إلى ذلك سعي القاهرة إلى جذب العملات الأجنبية وتعظيم عائدات تصدير العقار.

في السنوات الأخيرة، أسهم تدفق مئات الآلاف من السودانيين الفارين من الحرب الأهلية في زيادة الطلب على المساكن، ولا سيما في سوق الإيجارات في القاهرة الكبرى وبعض المدن، مما أدى إلى ارتفاع الإيجارات والأسعار في مناطق محددة

غير أن هذا التوجه يواجه معارضة من مصريين يبدون قلقهم من اتساع الملكية الأجنبية في بلادهم. وتستند هذه المعارضة أيضا إلى حسابات عملية تتعلق بالأثر المحتمل لتدفق رأس المال الأجنبي إلى السوق العقارية على أسعار السكن في مختلف أنحاء مصر.

أ.ف.ب
منظر جوي لضاحية المعادي والجزء المطل على نهر النيل جنوب العاصمة المصرية القاهرة، 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021

وفي السنوات الأخيرة، أسهم تدفق مئات الآلاف من السودانيين الفارين من الحرب الأهلية في زيادة الطلب على المساكن، ولا سيما في سوق الإيجارات في القاهرة الكبرى وبعض المدن، مما أدى إلى ارتفاع الإيجارات والأسعار في مناطق محددة، وإن كان الارتفاع العام في أسعار العقارات يعزى أيضا إلى التضخم، وانخفاض قيمة الجنيه، وارتفاع تكاليف البناء.

ويضاف الطلب الذي ولده تدفق السودانيين إلى الطلب الصادر عن جاليات عربية أخرى، ولا سيما السورية واليمنية والليبية. وتستضيف مصر أكثر من 1.09 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجل من 65 جنسية، ويشكل السودانيون أكبر مجموعة، يليهم السوريون، ثم جنسيات أخرى مثل اليمنيين والعراقيين. كما يتركز معظمهم في القاهرة الكبرى والإسكندرية ومدن أخرى. وقد أسهم هذا التركز، إلى جانب التضخم وارتفاع تكاليف البناء، في زيادة الطلب على المساكن ورفع الإيجارات في مناطق محددة. ويضيف ضغوطا جديدة على الخدمات العامة والسوق العقارية في بلد كثيف السكان.

وفي الأيام الماضية، انشغل الرأي العام في مصر بقصة رجل اضطر إلى النوم في العراء بعدما عجز عن دفع الإيجار. وقد انضم هذا الرجل، عمليا، إلى صفوف المشردين الذين تقدر بعض التقارير أعدادهم بالملايين.

font change

مقالات ذات صلة