عبد المنعم رمضان لـ"المجلة": أعيش مأزق كتابة الشعر

ليس مطلوبا من الشاعر سوى أن يكون شاعرا

Facebook-عبد المنعم رمضان
Facebook-عبد المنعم رمضان
عبد المنعم رمضان

عبد المنعم رمضان لـ"المجلة": أعيش مأزق كتابة الشعر

يعد الشاعر والكاتب المصري عبد المنعم رمضان، المولود بالقاهرة عام 1951، أحد أبرز أصوات جيل السبعينات الذي شهد تحولات مهمة في مسار القصيدة المصرية. تخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1976، وعمل بالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، قبل أن يتفرغ للكتابة والشعر.

شارك رمضان في تأسيس جماعة "أصوات" الشعرية التي حققت مع جماعة "إضاءة"، حضورا لافتا في مصر والعالم العربي. بدأ بنشر قصائده عام 1974، وأصدر العديد من الدواوين، من بينها "الحلم بظليه: الوقت والمسافة"، "قبل الماء.. فوق الحافة"، "لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي"، "غريب على العائلة"، "بعيدا عن الكائنات" و"الصعود إلى المنزل". وترجمت قصائده إلى لغات عدة، كما نال عددا من الجوائز، أبرزها جائزة كفافيس عام 2000. هنا حوار معه.

بعد هذه الرحلة الطويلة مع الشعر، ما الذي بقي على حاله منذ بداياتك، وما الذي تغير، وما المؤثرات التي أسهمت في تكوين شخصيتك الشعرية؟

في البداية لكي أعترف وأكون أمينا، أظن أن الشعر، خلال السنوات الست الأخيرة، توقف عن زيارتي تماما، لم أكتب سوى قصيدة رثاء لم أعد أمتلكها. لم يعد الشعر يقترب مني، والصعوبة الكبرى الآن هي كيفية استعادته، واستعادة الكتابة، بغض النظر عن قيمة ما سأكتبه... أنا حاليا في مأزق كتابة الشعر.

"أصوات" و"إضاءة"

شكلت دواوينك منذ السبعينات محطات متباينة في مسيرتك. كيف تنظر اليوم إلى المسار الذي قطعته وصولا إلى أعمالك الأحدث؟

لا يوجد أعمال أحدث حتى الآن، تجربتي كلها انحصرت بين بداياتي التي كانت بجهد فردي كامل، ودون معلمين مباشرين، ودون أصحاب، إلى أن التقيت الفريق الذي ظننت وظنوا معي أننا يمكن أن نكون توجها مشتركا، وهو "جماعة أصوات". في ظل "أصوات"، أخذنا نتعرف إلى الشعر باعتباره اختلافا لا باعتباره اتفاقا.

الجماعات ترسم في أذهان من يتخيلونها أنها اتفاق ما، وهذا ينطبق على جماعة "أصوات" وأيضا على جماعة "إضاءة"، الجماعتين اللتين مثلتا جيل السبعينات في الشعر المصري. الاختلافات بين شعراء كل جماعة أكبر من اختلافات الشعراء مع من هم خارجهما. كنا غير متشابهين تماما، وأظن أن هذا ما ميزنا.

حين بدأنا، كنا تحت سماء مفتوحة إلى أبعد الحدود، وفوق أرض مفتوحة إلى أبعد الحدود، هذا الوضع لم يعد موجودا في وقتنا هذا

كنا خمسة شعراء في "أصوات": أحمد طه، محمد سليمان، محمد عيد إبراهيم، عبد المقصود عبد الكريم، وأنا. ولذلك فإن تسمية "أصوات" نفسها تدل على هذا التعدد، وهي أكثر دقة من تسمية "إضاءة". في "إضاءة" كانت هناك وحدة ما، أما في "أصوات" فهناك أفراد مختلفون وحريصون على استمرار اختلافهم، وعلى ألا يكونوا أبناء عائلة واحدة، هذا ما ميزنا تماما.

ماذا بقي من تجربة "أصوات"، ولماذا يندر تكرار تجارب كهذه؟

من المؤسف أننا فقدنا اثنين من الخمسة الذين كانوا يشكلون "أصوات"، فقد رحل محمد عيد في وقت مبكر، وكان أكثرنا تطرفا، ففقدنا برحيله ذلك القدر من التطرف الذي كان يدفعنا جميعا إلى محاولة النضج وتجاوز ما اعتدناه. ثم رحل محمد سليمان أخيرا، وكان أكثرنا التصاقا بالماضي، وأكثرنا اقترابا من الذاكرة الشعرية، ففقدنا برحيله الصوت الأكثر صلة بذلك الماضي الشعري، وبقي منا ثلاثة: أحمد طه، وهو في طبيعته قليل الكتابة، وعبد المقصود، وأنا. أنا لم أكتب شيئا منذ فترة، ولا أعرف على وجه الدقة ما الذي يفعله عبد المقصود حاليا، بعدما أخذته الترجمة بعيدا واندفع إليها كثيرا.

يندر تكرار هذه التجارب، ربما لأن الظروف التي تسببت في نشوء هاتين الجماعتين والخروج على جيل الرواد لم تعد موجودة، نحن في ظرف لا أحب أن أتكلم عنه، لأن هذا الكلام قد يدخلنا في غرف السياسة وليست لدي أي رغبة في دخول هذه الغرف الآن. لكن حين بدأنا، كنا تحت سماء مفتوحة إلى أبعد الحدود، وفوق أرض مفتوحة إلى أبعد الحدود، هذا الوضع لم يعد موجودا في وقتنا هذا.

هل ترى إذن أن ظاهرة الجماعات الشعرية العربية وحتى العالمية انتهت، وانتهت معها ظاهرة البيان الأول أو البيان الشعري؟

لا أستطيع قول إنها انتهت، فالأشياء على مر التاريخ تركد أو تختفي ثم تعاود الظهور عندما تأتي الظروف التي تلائم ضرورتها. لا شيء يختفي، ولا شيء يموت. كل الأشياء يمكن أن تبعث مرة ثانية في صورة أخرى مغايرة لصورتها الأولى، لا شيء يموت، أثق بأنه لا شيء يموت.

 AFP
الشاعر السوري أدونيس في بيروت في أوائل سبعينات القرن الماضي

نحن أحفاد جيل الرواد

تنتمي إلى الجيل الذي أعقب جيل الرواد في الشعر، ما الأثر الذي تركه هؤلاء في تجربتك؟ وهل كانت العلاقة الشعرية بهم علاقة قطيعة أم استمرارية؟

للتدقيق، لم نأت مباشرة بعد جيل الرواد، إذا كنا نقصد بهذا الجيل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي في مصر، والسياب وأدونيس ويوسف الخال على المستوى العربي مثلا، فنحن لسنا تالين مباشرة لهم. نحن تالون مباشرة لجيل الستينات، الذي كان ممثله الأهم في مصر من وجهة نظرنا محمد عفيفي مطر، وهناك ممثلون عرب آخرون مثل حسب الشيخ جعفر... إلخ.

جيل الستينات كان نكوصا لا خروجا ولا تقدما قياسا بجيل الرواد، بل كان عودة ورجوعا

 جيل الرواد هو جيل أكثر ميلا إلى الأبوية، ونحن أحفاد جيل الرواد أكثر مما نحن أبناء هذا الجيل. جيل الرواد اتفق على محاولة كتابة تلك القصيدة الخارجة عن العمود إلى حد ما، ولكن بينهم من كتبوا قصيدة النثر بالتحديد وكانوا روادا فيها، مثل الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا. جيل الرواد كتب قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة. جيل الستينات، من وجهة نظري، كان نكوصا لا خروجا ولا تقدما قياسا بجيل الرواد، بل كان عودة ورجوعا. نحن، جيل السبعينات، ربما انتبهنا إلى هذا النكوص، فأردنا أن نعيد من وجهة نظرنا الخروج من أبوة الآباء التي حرص عليها جيل الستينات.

غلاف "بعيدا عن الكائنات"

توحي عناوين أعمالك بإحساس بالاغتراب والمسافة، هل تعكس هذه المفردات تحولات في رؤيتك للشعر أو في علاقتك بالحياة والوجود؟

هي تعكس أكثر مفهوما للشعر باعتباره حفرا في أعماق لا نعرف ما فيها، وتختلف كثيرا عن ذلك الحفر الذي نعرف ما سنصل إليه قبل أن نصل إليه. أنا هذا الهاجس، هاجس إعادة إنتاج ما هو معروف يخيفني، وكل القصائد التي لا أحبها في شعري هي التي يحضر فيها هذا الهاجس: أنني أكتب عما هو معروف، أنني آكل ما سبق مضغه.

هل ترى أن كل كتاب كان امتدادا لما سبقه، أم أن تجربتك قامت على القطيعة وإعادة اكتشاف الشعر في كل مرحلة؟

ثمة ارتباط يؤكد أن كاتب هذه الأعمال واحد، وثمة اختلاف يؤكد من وجهة نظري أنه كتب أعماله في أزمنة مختلفة وحفر في أراض مختلفة. ثمة ما يدل على الاختلاف، وثمة ما يدل على الوحدة، وحدة الشاعر واختلاف أزمنته.

لا أقطع علاقتي بالماضي

في ديوانك "لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي"، يحضر الماضي بوصفه سؤالا أو مواجهة. كيف تعاملت مع فكرة الماضي في تجربتك الشعرية، وهل يظل حاضرا في كتابتك مهما ابتعدت عنه؟

سؤال يصعب علي الإجابة عنه. الماضي عندي لا يموت، مع طموحي الدائم للخروج عليه، الحاضر عندي منكفئ تحت الماضي وتحت المستقبل، الماضي حاضر كعصا غليظة تخبط دائما في أرض الحاضر، والمستقبل حاضر كسماء بعيدة أطمح إلى قبولها. الحاضر بين الماضي والمستقبل لا يمكن أن ينفصل عنهما. لا أقطع علاقتي بالماضي، ولا أعتدي عليه، ولا أقطع علاقتي بالمستقبل، ولا أعتقد أن الحاضر يحيا بمفرده.

هل انتهى زمن الصراع أو السجال حول قصيدة النثر، أم تغير شكل هذا السجال، وما موقع هذه القصيدة في المشهد الشعري العربي اليوم؟

بالتأكيد قصيدة النثر تحققت إلى حد أن هناك ضرورة للخروج عليها. من سيقوم بهذا؟ لا أعرف.

لا أقطع علاقتي بالماضي، ولا أعتدي عليه، ولا أقطع علاقتي بالمستقبل، ولا أعتقد أن الحاضر يحيا بمفرده

وهذه القصيدة هي في الموقع الغالب اليوم. أما في شبابي فكانت دائما في موقع المستثنى والهامش وربما المغلوب. لكن بعض من يكتبونها يجعلون هذا الغالب غالبا مبتذلا أكثر منه غالبا عزيزا، لم يعد عزيز قوم، نجد الغالب المبتذل في غالبية ما يكتب.

هل هناك خصوصية مكانية أو جغرافية لتجارب قصيدة النثر في العالم العربي، كأن نتحدث عن سمات للقصيدة المصرية وسمات أخرى لتلك اللبنانية، أم أنها جميعا تشترك في الأساليب والخصائص؟

أظن أن شعراء الشام، ولبنان تحديدا، يحرصون على تقديم أنفسهم بوصفهم الأكثر اتصالا بما هو جديد، وربما يعود ذلك إلى طبيعة علاقتهم الثقافية بالغرب، وهي علاقة وثيقة وقديمة نسبيا. من هنا نشأت لديهم، في تقديري، رغبة في أن يكونوا دائما النافذة الأولى على التحولات الجديدة في الثقافة والشعر. لا أعرف إلى أي مدى تصح هذه الملاحظة، لكنني أشعر أنهم كثيرا ما يحرصون على ترسيخ صورتهم باعتبارهم الأكثر اطلاعا على الجديد، والأسبق إلى التقاط ما يأتي من الخارج.

الشعر والعالم

ما المطلوب من الشعر الآن في ظل ما تمر به المنطقة العربية من أزمات؟

ليس مطلوبا من الشاعر سوى أن يكون شاعرا. هو موجود لذاته، وليس مطالبا بأن يؤدي وظيفة أو ينهض بدور محدد. وحين يصطف الشاعر في خدمة دور ما، فإن هذا الدور، مهما بدا مهما في لحظته، سينتهي يوما، وينتهي معه الشعر الذي ارتبط به وأداه. لذلك لا أرى الشاعر أداة لأي غاية، ولا أعتقد أن الشعر يكتب ليؤدي وظيفة عابرة. الشاعر ليس أداة على الإطلاق، الشاعر، في جوهره، كائن شعري مستقل، ووجوده لا يحتاج إلى مبرر خارج الشعر نفسه.

 AFP
الروائي المصري نجيب محفوظ في مقهاه المفضل بالقاهرة، يوم إعلان فوزه بجائزة نوبل للآداب، 14 أكتوبر 1988

كيف وظفت قراءتك للرواية والقاهرة في تشكيل تجربتك الشعرية؟ وما الذي يوحي به تصريحك السابق: "أقرأ الرواية لأكتب الشعر، وأقرأ القاهرة لأكتب بيروت"؟

أحب قراءة الرواية، وأظن أن قراءة الرواية هي التي ميزت عندي لغة الشعر كآلة لا كأداة. فالرواية اللغة فيها بين الآلة والأداة غائبة، غالبا هي أداة وهي آلة، باستثناء الروايات القليلة جدا التي نجحت فيها اللغة في أن تكون آلة. لكن بشكل عام الروايات التي قرأناها وأحببناها، ومنها روايات نجيب محفوظ، تشكل فيها اللغة آلة إلى حد كبير جدا.

الشاعر ليس أداة على الإطلاق، الشاعر، في جوهره، كائن شعري مستقل، ووجوده لا يحتاج إلى مبرر خارج الشعر نفسه

 الرواية تحمي اللغة من أن تكون أداة، لأن اللغة عندما تكون أداة يصبح عمرها أقصر، اللغة كآلة تحفظ، يعمر العمل حتى يمتد في الأزمنة، اللغة كأداة لا تسمح للعمل بأن يمتد كثيرا.

كيف تنظر إلى مستقبل الشعر العربي والأجيال الصاعدة التي تكتب الشعر؟

لست عرافا لأتحدث عن الشعر والمستقبل. لكنني أتابع باهتمام كثيرا من أبناء الأجيال الجديدة، ولا أفضل ذكر أسماء بعينها حتى لا أغفل أحدا، وهم في الحقيقة كثيرون. أحب أن أقرأ لهذه الأجيال، لأنني أجد في نصوصهم ما يفتح أمامي مساحات جديدة للرؤية، وربما يجعلني أرى أشياء لم أكن أراها من قبل.

فالكتابة لدى الأجيال التي تأتي بعدي تمنحني، في كثير من الأحيان، فرصة لأن أرى العالم من زاوية أخرى، وأن أكتشف ما قد يفوتني حين أنظر إليه من موقعي وحده.

راهن الشعر

ما تقييمك للحركة الثقافية والمشهد الإبداعي في مصر حاليا؟ وهل هي قادرة على استيعاب كل التجارب الإبداعية؟

لا أستطيع التكلم عما يحدث الآن. من ناحية لأنني منفصل عنه إلى حد ما، ومن ناحية أخرى لأن ما يصادفني منه الآن يخيفني إلى حد كبير. فأنا بين الخوف وبين نقص المعرفة لا أستطيع أن أتكلم كثيرا عما يحدث حاليا.

غلاف "غريب على العائلة"

في ظل انحسار جمهور الشعر وتكاثر الشعراء، كما لا كيفا، على ماذا تراهن قصيدتك؟

لا تراهن قصيدتي على شيء، فربما لا يكون لها وجود غدا على الإطلاق. وأنا أيضا لا أراهن عليها، ولا أراهن على شيء. فعلى ماذا يمكن أن أراهن؟ أكتب لأنني أكتب، لا لكي أمتلك المستقبل، ولا لكي أستعيد الماضي أو أمتلك الحاضر.

عندما تصبح الكتابة إرادة، بمعنى، أريد أن أكتب فأكتب، يجب أن يتوقف الشاعر

الكتابة بالنسبة إلي ليست رهانا على زمن قادم، ولا محاولة لانتزاع شيء من الأزمنة الثلاثة، إنها ببساطة فعل الكتابة نفسه. أكتب لأنني أكتب، وهذا وحده يكفيني.

متى يجب أن يتوقف الشاعر عن الشعر أو عن النظم؟

الشاعر يتوقف عن الشعر عندما لا يكتبه الشعر، الشعر هو الذي يكتب الشاعر، عندما لا يكتبه الشعر يجب أن يتوقف، عندما تصبح الكتابة إرادة، بمعنى، أريد أن أكتب فأكتب، يجب أن يتوقف الشاعر.

font change