المشهد في وسط لندن ليلة الاثنين الأولى بعد عودة التوقيت الشتوي، يصعب أن يكون ذروة قصة حياة أحد سكانها... الظلام الذي بات يخيم مبكرا ليقضي على الفارق بين السادسة والحادية عشرة مساء، والمطر الذي ينهمر، وكأنه مصمم على أن يطمس ما بقي في ذاكرة اللندنيين من صيف كان أقرب ما عاشوه في مدينتهم لأجواء بيوت الصيف في ساحل جنوب إسبانيا، وعدم اليقين الذي تحاصرهم به عناوين الأخبار التي تتحفهم بتصريحات مسؤولين حكوميين تطالبهم بتخزين الغذاء ولبن الأطفال في المنازل تحسبا لأسوأ الاحتمالات، كانت كلها عوامل تجعل من الزحام المحيط بمسرح "بالاديوم" في وسط العاصمة حدثا ثانويا يثير ضجر المارة الذين يستكشفون للتو كيف سيكون وسط المدينة بعد تحول شارع "أكسفورد" الشهير على بعد خطوات من المسرح، إلى شارع مخصص للمشاة.
ليلة استثنائية في حياة هاري كين
وحده المظروف الذي كان أسطورة البرازيل رونالدو يقرأ منه اسم الفائز بالكرة الذهبية كان كفيلا لأن يصنع من تلك الليلة المظلمة الباردة ذروة حياة لندني يدعى هاري كين، الرجل الذي يمكنه أن يخرج من ذلك المسرح عائدا إلى مسقط رأسه في نحو عشرين دقيقة مستقلا قطار أنفاق خط فيكتوريا، لكنه كان مكتوبا له أن يخرج متوجا بلقب أفضل لاعب في العالم، كأول لاعب إنجليزي ينال هذا الشرف في ربع قرن.
قبل تلك الليلة بثلاثة وثلاثين عاما وتحديدا في صيف عام 1993، كان مستشفى "ويبس كروس" في حي ليتونستون بشرق لندن شاهدا على مولد هاري كين، في المكان ذاته الذي تصادف أن يكون مسقط رأس قائد آخر للمنتخب الإنجليزي هو ديفيد بيكهام. النشأة في ذلك الجزء من شرق العاصمة، حيث لا تزال بقية باقية من المساحات الخضراء صامدة في وجه التوسع العمراني ومشاريع الإسكان الاجتماعي، منحت هاري كين وأخاه الأكبر تشارلي ملعبهما الأول في حديقة ريدجواي، المكان نفسه حيث خطا بيكهام أيضا خطواته الأولى مع كرة القدم، التي صنعت منه أيقونة بريطانية ورثت الصخب وأضواء عدسات مصوري "الباباراتزي" التي خفتت بوفاة أميرة ويلز ديانا الدرامية.
كان فريق "ريدجواي روفرز" المحلي يزهو بكونه أول ناد يلعب له بيكهام عندما قدم إليه هاري كين طفلا في السادسة مدفوعا بتشجيع والده "بات"، الذي رأى في شجاعة هاري في اللعب لساعات مع أخيه الأكبر وأصدقائه الذين يكبرونه بأربع سنوات شيئا يمكن له أن يتحول إلى شغف أكثر استدامة. والبداية كانت مبشرة عندما وجد بات لاِبنه مكانا في أكاديمية آرسنال عملاق شمال لندن، قبل أن يضطر بعد سنة واحدة لأن يقدم لهاري خبر استغناء آرسنال عنه، باذلا قصارى جهده لأن يتفادى أن يضطره الموقف لنقل وصف مدير الأكاديمية ليام برادي لهاري بـ"البدين"، في إطار سرده لمبررات الاستغناء عنه، كان على كين هنا أن ينفصل بقصته عن تلك المسيرة الذهبية، التي لم تتنكر يوما في بداياتها لديفيد بيكهام، حتى أوصلته إلى نادي أحلامه مانشستر يونايتد، فعاد إلى فريقه المحلي، محاولا أن يجد لنفسه مكانا بين ناشئي توتنهام دون نجاح كبير، ليضطر إلى اكتشاف مسارات جديدة في شبكة مواصلات لندن توصله إلى نادي واتفورد شمال غرب العاصمة، والذي كان طريقه للعودة إلى توتنهام، بعد أداء مميز في مباراة بين الفريقين أعادته للتدريب قريبا من المنزل، مستقرا في توتنهام منذ سن الحادية عشرة، بينما كان النادي الذي يحمل اسم ذلك الجزء من شمال لندن يعاني لإقناع جماهيره بقدرته على توفير أسباب لأبنائهم ليتمسكوا بتشجيع الفريق، في وقت شهد أمجادا متتالية للجار آرسنال، الذي تحول لظاهرة عالمية بفضل الكرة الجذابة التي قدمها مستعينا بكتيبة من اللاعبين الأجانب، وفي ظل ما بدا وكأنه ثورة بدا واضحا أن تشيلسي الغريم اللدود الآخر لتوتنهام، والقابع في غرب المدينة، يحضرها مستعينا بمليارات رومان أبراموفيتش، التي جلبت كتيبة أخرى من الأجانب يقودها البرتغالي المغرور جوزيه مورينيو.
من ملاعب الهواة إلى أكاديمية توتنهام.. رحلة البحث عن المكان المناسب
في ظل تلك الأجواء التي باتت فيها الكرة الإنجليزية المستهلك الأكبر للمواهب الأجنبية من لاعبين ومدربين، كبر هاري كين بين ناشئي توتنهام، بعد أن أفقده نموه "البدانة" التي أطاحت به من أكاديمية آرسنال، دون أن يتخلى عن مواصفاته كمهاجم تقليدي، يريد أن يسير على نهج هدافين تابعهم في طفولته، مثل ألن شيرر وتيدي شيرنغهام. لكن ذلك الانبهار بتجارب الجيران دفع توتنهام للبحث خارج حدود فريق ناشئيه، بحثا في صفقات متفاوتة النجاح عمن يمكنهم تكرار التجربة، ما يبدو أنه قد أخّر الموعد الذي كان ينتظره هاري، ليعلن عن نفسه هدافا للجيل في كرة القدم الإنجليزية.


