هاري كين... الرجل "العادي" الذي هزم الأساطير

جدّد هاري كين عقده مع بايرن ميونخ حتى 2029، بعد فوزه بـ”الكرة الذهبية” لعام 2026. كيف تحوّل اللاعب “العادي” من مطاردة الألقاب إلى قمة كرة القدم العالمية؟

رويترز
رويترز
هاري كين، لاعب بايرن ميونخ، يحتفل بعد فوزه بجائزة الكرة الذهبية للرجال

هاري كين... الرجل "العادي" الذي هزم الأساطير

المشهد في وسط لندن ليلة الاثنين الأولى بعد عودة التوقيت الشتوي، يصعب أن يكون ذروة قصة حياة أحد سكانها... الظلام الذي بات يخيم مبكرا ليقضي على الفارق بين السادسة والحادية عشرة مساء، والمطر الذي ينهمر، وكأنه مصمم على أن يطمس ما بقي في ذاكرة اللندنيين من صيف كان أقرب ما عاشوه في مدينتهم لأجواء بيوت الصيف في ساحل جنوب إسبانيا، وعدم اليقين الذي تحاصرهم به عناوين الأخبار التي تتحفهم بتصريحات مسؤولين حكوميين تطالبهم بتخزين الغذاء ولبن الأطفال في المنازل تحسبا لأسوأ الاحتمالات، كانت كلها عوامل تجعل من الزحام المحيط بمسرح "بالاديوم" في وسط العاصمة حدثا ثانويا يثير ضجر المارة الذين يستكشفون للتو كيف سيكون وسط المدينة بعد تحول شارع "أكسفورد" الشهير على بعد خطوات من المسرح، إلى شارع مخصص للمشاة.

ليلة استثنائية في حياة هاري كين

وحده المظروف الذي كان أسطورة البرازيل رونالدو يقرأ منه اسم الفائز بالكرة الذهبية كان كفيلا لأن يصنع من تلك الليلة المظلمة الباردة ذروة حياة لندني يدعى هاري كين، الرجل الذي يمكنه أن يخرج من ذلك المسرح عائدا إلى مسقط رأسه في نحو عشرين دقيقة مستقلا قطار أنفاق خط فيكتوريا، لكنه كان مكتوبا له أن يخرج متوجا بلقب أفضل لاعب في العالم، كأول لاعب إنجليزي ينال هذا الشرف في ربع قرن.

قبل تلك الليلة بثلاثة وثلاثين عاما وتحديدا في صيف عام 1993، كان مستشفى "ويبس كروس" في حي ليتونستون بشرق لندن شاهدا على مولد هاري كين، في المكان ذاته الذي تصادف أن يكون مسقط رأس قائد آخر للمنتخب الإنجليزي هو ديفيد بيكهام. النشأة في ذلك الجزء من شرق العاصمة، حيث لا تزال بقية باقية من المساحات الخضراء صامدة في وجه التوسع العمراني ومشاريع الإسكان الاجتماعي، منحت هاري كين وأخاه الأكبر تشارلي ملعبهما الأول في حديقة ريدجواي، المكان نفسه حيث خطا بيكهام أيضا خطواته الأولى مع كرة القدم، التي صنعت منه أيقونة بريطانية ورثت الصخب وأضواء عدسات مصوري "الباباراتزي" التي خفتت بوفاة أميرة ويلز ديانا الدرامية.

كان فريق "ريدجواي روفرز" المحلي يزهو بكونه أول ناد يلعب له بيكهام عندما قدم إليه هاري كين طفلا في السادسة مدفوعا بتشجيع والده "بات"، الذي رأى في شجاعة هاري في اللعب لساعات مع أخيه الأكبر وأصدقائه الذين يكبرونه بأربع سنوات شيئا يمكن له أن يتحول إلى شغف أكثر استدامة. والبداية كانت مبشرة عندما وجد بات لاِبنه مكانا في أكاديمية آرسنال عملاق شمال لندن، قبل أن يضطر بعد سنة واحدة لأن يقدم لهاري خبر استغناء آرسنال عنه، باذلا قصارى جهده لأن يتفادى أن يضطره الموقف لنقل وصف مدير الأكاديمية ليام برادي لهاري بـ"البدين"، في إطار سرده لمبررات الاستغناء عنه، كان على كين هنا أن ينفصل بقصته عن تلك المسيرة الذهبية، التي لم تتنكر يوما في بداياتها لديفيد بيكهام، حتى أوصلته إلى نادي أحلامه مانشستر يونايتد، فعاد إلى فريقه المحلي، محاولا أن يجد لنفسه مكانا بين ناشئي توتنهام دون نجاح كبير، ليضطر إلى اكتشاف مسارات جديدة في شبكة مواصلات لندن توصله إلى نادي واتفورد شمال غرب العاصمة، والذي كان طريقه للعودة إلى توتنهام، بعد أداء مميز في مباراة بين الفريقين أعادته للتدريب قريبا من المنزل، مستقرا في توتنهام منذ سن الحادية عشرة، بينما كان النادي الذي يحمل اسم ذلك الجزء من شمال لندن يعاني لإقناع جماهيره بقدرته على توفير أسباب لأبنائهم ليتمسكوا بتشجيع الفريق، في وقت شهد أمجادا متتالية للجار آرسنال، الذي تحول لظاهرة عالمية بفضل الكرة الجذابة التي قدمها مستعينا بكتيبة من اللاعبين الأجانب، وفي ظل ما بدا وكأنه ثورة بدا واضحا أن تشيلسي الغريم اللدود الآخر لتوتنهام، والقابع في غرب المدينة، يحضرها مستعينا بمليارات رومان أبراموفيتش، التي جلبت كتيبة أخرى من الأجانب يقودها البرتغالي المغرور جوزيه مورينيو.

من ملاعب الهواة إلى أكاديمية توتنهام.. رحلة البحث عن المكان المناسب

في ظل تلك الأجواء التي باتت فيها الكرة الإنجليزية المستهلك الأكبر للمواهب الأجنبية من لاعبين ومدربين، كبر هاري كين بين ناشئي توتنهام، بعد أن أفقده نموه "البدانة" التي أطاحت به من أكاديمية آرسنال، دون أن يتخلى عن مواصفاته كمهاجم تقليدي، يريد أن يسير على نهج هدافين تابعهم في طفولته، مثل ألن شيرر وتيدي شيرنغهام. لكن ذلك الانبهار بتجارب الجيران دفع توتنهام للبحث خارج حدود فريق ناشئيه، بحثا في صفقات متفاوتة النجاح عمن يمكنهم تكرار التجربة، ما يبدو أنه قد أخّر الموعد الذي كان ينتظره هاري، ليعلن عن نفسه هدافا للجيل في كرة القدم الإنجليزية.

بدا صعود كين المتسارع إلى مصاف النجوم الكبار، وكأنه ردة عن زمن سابق، قوبل فيه أبسط بوادر تألق النجوم الإنجليز بهالة إعلامية عظمت من قدراتهم قبل الأوان

كان عليه أولا أن يتعرف على المزيد من المسارات في مواصلات لندن، منتقلا على سبيل الإعارة إلى ليتون أورينت، بالقرب من منزل العائلة، الفريق الذي قضى بين صفوفه موسما واحدا، كان كافيا لأن يدفعه للتكفل برعاية قميص النادي، عندما واجه خطر الإفلاس في ظل المعاناة من تبعات وباء كورونا، ثم انتقل لجنوب المدينة حيث لعب لميلوول، الفريق الذي يعتز جمهوره بشعار "لا أحد يحبنا، ولا نهتم بذلك"، ليقضي فترة في الدرجة الثانية تكفي لأن يتعلم أن مشهد المهاجم الذي يحتفل بتسجيله الهدف قد لا يأتي أبدا، إن لم يعد ذات المهاجم لمعاونة زملائه في مواقف صعبة يمرون بها على أرض الملعب، ذات الرحلة شملت محطات أعير خلالها هاري كين إلى نوريتش أولا، ثم إلى ليستر سيتي ثانيا، هناك جلس على دكة البدلاء جارا لشاب آخر يدعى جيمي فاردي، دون أن يدرك الاثنان أنهما سيتجاوران في هجوم المنتخب الإنجليزي في غضون سنوات قليلة، عندما يصبح هاري كين هداف الكرة الإنجليزية الأول مع توتنهام، في الوقت نفسه الذي يشهد صنع فاردي لأكبر معجزة في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، عندما توج فريقه ليستر بطلا للبطولة الكروية الأقوى في العالم.

مهاجم تقليدي في زمن النجومية الصاخبة

تزامنت عودة هاري كين إلى توتنهام مع فلسفة جديدة، بدأ ناديه في تبنيها بعدما أدرك أنه لم يعد قادرا على مجاراة الأموال الطائلة التي ينفقها عمالقة "البريميرليغ" من حوله. ومستعينا بالمدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، بدأ النادي إعطاء الأولوية للمواهب الشابة من داخل إنجلترا وخارجها، واضعا كين في قلب المشروع كمهاجم الفريق الرئيس، بعدما فشلت التجارب المتتالية مع عدد من المهاجمين الأجانب من أصحاب التكلفة العالية.

رويترز
هاري كين، لاعب توتنهام، يسير بجوار الكأس عقب خسارة نهائي دوري أبطال أوروبا

وبمظهره التقليدي وتصريحاته المتواضعة المقتضبة وأسلوب لعبه غير المتكلف والباحث عن الفعالية والتهديف بأبسط الطرق، مر كين سريعا من اختبار الانطباعات الأولى، ليثبت مكانته مهاجما أساسيا لناديه وهدافا من هدافي الدوري الإنجليزي الكبار، حتى وإن كان أقصى طموح فريقه إنهاء الموسم بين الأربعة الأوائل للحضور في دوري أبطال أوروبا، طموح ضمنت أهداف كين لفريقه أن يتحقق في أغلبية المواسم، مثلما أوصلت في عام 2019 توتنهام إلى أن يلعب نهائي دوري أبطال لأول مرة في تاريخه.

بدا صعود كين المتسارع إلى مصاف النجوم الكبار، وكأنه ردة عن زمن سابق، قوبل فيه أبسط بوادر تألق النجوم الإنجليز بهالة إعلامية عظمت من قدراتهم قبل الأوان، حتى عطلت تطور بعضهم وأدت ببعضهم الآخر إلى دائرة النسيان، بينما أسهمت في أحسن الأحوال في وضع حياة هؤلاء اللاعبين الشخصية في دائرة الضوء في بحث يومي محموم عن صورة غلاف لصحيفة الصباح.

كان هذا بالضبط ما ينقض منتخب إنجلترا الذي كان يعيد بناء سمعته بعد فترة من الإخفاقات هيمنت خلالها على نتائج المنتخب الذوات المتضخمة للنجوم الكبار، والفضائح المتتالية التي قدمها هؤلاء خارج الملعب لمراسلي الصحف والإذاعات، حتى تحول معسكر المنتخب إلى ما يشبه برامج تلفزيون الواقع التي يدمنها البريطانيون. وكان النقيض المتجسد في شخصية هاري كين هو ما يبحث عنه مدرب الفريق غاريث ساوثغيت عندما منحه شارة قيادة المنتخب عام 2017، معلنا بداية عهد جديد في الكرة الإنجليزية تعود فيه الأولوية لروح المجموعة ولما يقدم داخل الملعب، ويعود فيه المنتخب الإنجليزي ليقدم نفسه لجماهيره كفريق يجمعهم صيف كل عامين أمام الشاشات ليروا فيه نماذج يمكن أن تنسيهم، ولو لتسعين دقيقة خلال المباراة، حقيقة كونهم مجموعة من المليونيرات المدللين الذي يطارد المصورون قصصهم مع عارضات الأزياء ونجمات "إنستغرام".

في زمن باتت فيه "الكرة الذهبية" أسيرة للكواليس وتحركات وكلاء اللاعبين وحملات إعلامية، انتصر هاري كين بفوزه بالكرة الذهبية لبساطة غابت مؤخرا في الكرة الحديثة

كان ذلك الرهان الذي كسبه ساوثغيت مع كين الذي أسهم في تحويل اللاعب الهداف مع ناديه إلى رمز لجيل جديد في الكرة الإنجليزية، أقل استعراضية وأكثر مللا بالنسبة للصحافيين المرافقين لبعثاته، كانت بطولات كين مع المنتخب المتنفس الذي بحث من خلاله عن التتويج الجماعي الذي بدا بعيدا مع ناديه، لكن المسيرة نحو النهاية السعيدة التي توقفت في كأس العالم عند حدود نصف النهائي وفي بطولات أوروبا عند عتبة النهائي مرتين، لم تنتقص من حجم التغيير الذي أحدثته قيادة هاري كين لمجموعة تغير جلدها في كل بطولة، دون أن تتغير العقلية الإيجابية التي غيرت علاقة المشجع الإنجليزي بمنتخب بلاده بعد سنوات من الجفاء.

رغم كل هذا التأثير الذي أحدثه هاري كين بتألقه مع النادي والمنتخب، بدا وكأن ثمة "فيل في الغرفة"، كما يحلو للإنجليز تسميته، ينمو يوما تلو الآخر في قصة هذا اللاعب مع كرة القدم. الفيل كان غياب الألقاب عن مسيرة الهداف الكبير، والغرفة كانت توتنهام الذي بدأ مشروعه في الوصول لاستكمال دورته دون أن يفضي لمنح كين صورة النصر مع كأس محلية أو قارية. وفي ظل غياب التتويج كان الإعلام الإنجليزي وكأنه يكفر عن كل خطاياه مع اللاعبين السابقين بأن يكتفي بمنح كين مدحا يستحقه دون مبالغة تضمن له المنافسة على الألقاب الفردية لأفضل لاعب أوروبي أو عالمي.

أ.ف.ب

الانتقال بدا حتميا لكي يصل هاري كين للحظة الاكتمال في مسرح بالاديوم، حاملا للكرة الذهبية، والوجهة لم تكن سوى نادي بايرن ميونيخ الألماني، هناك حيث يمكن لهاري كين أخيرا أن يستمتع برفاهية اللعب ضمن المنظومة، دون أن يكون مطالبا بأن يمثل بديلا لها. وفي سن الثلاثين جاء هاري كين إلى ميونيخ باحثا عن ألقاب يعوض بها ما فاته، محملا بثقة مستمدة من كونه ثالث لاعب في التاريخ يحمل لقب هداف كأسي العالم وأوروبا، وبرصيد من الأهداف يضعه ثانيا في قائمة الهدافين التاريخيين للدوري الإنجليزي الممتاز، ليكتشف في نفسه ما لم يره كشافو أكاديمية آرسنال فيه صغيرا، وما لم تسمح له ظروف توتنهام المتعثر من اكتشافه كبيرا.

الكرة الذهبية تكافئ مسيرة استثنائية بلا ادعاء

هاري كين الذي لا يبدو للوهلة الأولى سريعا بما يكفي، ولا مهاريا بما يلفت النظر، بات هو من يعود لاستلام الكرة من مدافعي فريقه، ليوزع اللعب كأي لاعب وسط، قبل أن يجده مدافعو الخصم بينهم متأهبا لوضع اللمسة الأخيرة داخل الشباك. إنها تلك الشمولية في الأداء التي يسهل ظهورها حقيقة لعبه في فريق يهيمن على كرة القدم الألمانية منذ سنوات، لكنها شمولية لا يمكن أن تظهر دون تضحية بدنية يقدمها كين من أجل الفريق دون أن تبدو عليه أمارات التقدم في العمر، ودون أن تؤثر على معدل تهديفه، الذي وصل لقمته في الموسم الماضي مسجلا 73 هدفا في 65 مباراة مع النادي والمنتخب.

وفي زمن باتت فيه "الكرة الذهبية" أسيرة للكواليس وتحركات وكلاء اللاعبين وحملات إعلامية يستجدي خلالها كبار النجوم ترشيح المصوتين عبر مقابلات إعلامية باتت أشبه بحملات الانتخابات في جمهوريات الموز، انتصر هاري كين بفوزه بالكرة الذهبية لبساطة غابت مؤخرا في الكرة الحديثة، بأن تتوج بطلا لمجرد أن تكون مميزا فيما تجيد فعله، ليمثل فوزه بالجائزة في مسقط رأسه، وعلى بعد أميال قليلة من أول ملعب ركل فيه الكرة، لحظة هدنة مؤقتة بين مشجعي اللعبة الذين اتفقوا في معظمهم على أحقية الرجل بالتكريم، سواء كان عن موسمه الأخير، أو عن مجمل أعماله في مسيرة لم تنصفه البطولات خلالها، كما يليق بما قدمه لسنوات تحت الأضواء وخارجها، دون أن يشعر يوماً بالحاجة إلى أن يبدو استثنائياً.

font change