كونغرس ديمقراطي سيضيّق الخناق على أجندة ترمب الاقتصادية

الرسوم الجمركية والإنفاق العام والدين الأميركي واستقلالية الاحتياطي الفيديرالي تحت مجهر الرقابة والتدقيق

سارة بادوفان
سارة بادوفان

كونغرس ديمقراطي سيضيّق الخناق على أجندة ترمب الاقتصادية

ها هو دونالد ترمب، يتحول إلى بطة عرجاء ويدخل النصف الأخير من ولايته الإنتخابية في ظل تراجع قدرته على تمرير أجندته الاقتصادية والتشريعية، وازدياد القيود السياسية على إدارته. ولعل الأسباب الاقتصادية كانت من أبرز العوامل التي تداخلت مع عوامل سياسية وجيوسياسية لتشكيل المزاج الانتخابي الذي تجلى في اجتياح "موجة زرقاء" مقاعد الكونغرس وخطفت مفتاحه من جيب الرئيس!

فارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، ومخاوف تباطؤ النمو، والآثار المحتملة للرسوم الجمركية، دفعت الناخبين إلى يوم حسم أعادوا خلاله تقييم أداء إدارة ترمب بشكل عام وعبروا عن رأيهم بكل المشهدية التي أسهم السيد الرئيس بخياطتها، وفي مقدمها الحرب مع إيران التي أضافت بعدا سياسيا وخارجيا، خصوصا مع انعكاس تداعياتها على أسعار الطاقة. فبدا يوم التجديد النصفي وكأن الناخب الأميركي قرر فرض رسوم جمركية من نوع آخر على ترمب، هذه المرة على أجندته السياسية، بعدما منحه كونغرسا أقل استعدادا لتمرير سياساته بلا مقاومة.

وقد أظهر استطلاع أجرته وكالة "أسوشيتد برس" (AP) وشمل نحو 100 ألف ناخب في انتخابات التجديد النصفي، أن غالبية الأميركيين يعتبرون أن سياسات ترمب أسهمت في إبطاء النمو الاقتصادي وزيادة الضغوط على تكاليف المعيشة. ولم تنجح محاولاته في تحميل سلفه الديمقراطي جو بايدن مسؤولية التدهور الاقتصادي في كسب تأييد الناخبين، الذين ربطوا موجة ارتفاع الأسعار بالرسوم الجمركية التي فرضها ترمب بشكل متقلب العام الماضي، فيما عزا الاستطلاع الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة إلى الحرب التي أطلقها على إيران في فبراير/شباط الماضي.

استقبلت أسواق الأسهم العالمية نتائج الانتخابات النصفية الأميركية بموجة صعود واسعة، عكست ارتياح المستثمرين لاحتمال تراجع حدة التقلبات السياسية في واشنطن

وأكد الاستطلاع أن الناخبين أبدوا تفضيلا للحزب الديمقراطي على استمرار الوضع القائم، المتمثل في رئيس يتمتع بقدرة على الحكم دون مواجهة معارضة تُذكر، أو حتى أي معارضة، من الجمهوريين داخل الكونغرس. وأفاد نحو 9 من كل 10 ناخبين بأن تكاليف المعيشة شكّلت عاملا "حاسما" أو "رئيسا" في قرارهم في شأن التصويت لعضوية الكونغرس.

بداية تغيير من الداخل

ثلاثة تطورات ستقلص هيمنة الرئيس، بداية بخسارة الغالبية في مجلس الشيوخ، إذ فاز الديمقراطيون بما لا يقل عن 54 مقعدا، وحققوا مكاسب لا تقل عن 30 مقعدا في مجلس النواب، وفق النتائج الأولية التي نشرتها "رويترز" في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وبذلك انتهت فترة السيطرة الجمهورية على السلطتين التشريعية والتنفيذية. ثانيا، تحول الكونغرس إلى مركز معارضة لأجندة ترمب وأصبح الديمقراطيون قادرين على التحكم في اللجان التشريعية، وفتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، وتعطيل تعيينات الإدارة، ورفض مشاريع القوانين التي لا تحظى بتوافق سياسي.

ثالثا، تقلص هامش المناورة التشريعية ولم يعد ترمب قادرا على الاعتماد على غالبية حزبه لتمرير مشاريعه المالية والضريبية والإنفاقية، كما حدث في العامين الأولين من ولايته الثانية.

رويترز
صعود لافت في بورصة نيويورك، عقب انتهاء الانتخابات النصفية، نيويورك، 4 نوفمبر 2026

كل هذه التحولات تزيد احتمالات تعثر العمل السياسي، واحتدام الخلافات في شأن إقرار الموازنة الفيديرالية، وصولا إلى احتمال الإغلاق الحكومي نتيجة تعذر الاتفاق على التمويل. ورغم إبداء ترمب استعداده للعمل مع الغالبية الديمقراطية الجديدة، فإنه لوّح باستخدام صلاحياته الدستورية في نقض مشاريع القوانين التي يطرحها الديمقراطيون إذا تعارضت مع أجندته السياسية.

كيف تلقفت الأسواق النتائج؟

استقبلت أسواق الأسهم العالمية نتائج الانتخابات النصفية الأميركية بموجة صعود واسعة، عكست ارتياح المستثمرين لاحتمال تراجع حدة التقلبات السياسية في واشنطن. ففي جلسة 4 نوفمبر/تشرين الثاني، قفز مؤشر "داو جونز" بنسبة 3 في المئة، وارتفع "ستاندرد آند بورز" 500 بنسبة 1.6 في المئة، و"ناسداك" بنسبة 1.4 في المئة، فيما صعد مؤشر "ستوكس 600" الأوروبي بنسبة 1.82 في المئة، مسجلا أكبر مكاسبه اليومية منذ يونيو/حزيران.

لكن التفاؤل لم يشمل جميع القطاعات، إذ تراجعت أسهم شركات أشباه الموصلات ومشغلي مراكز البيانات، وسط مخاوف من أن تؤدي زيادة الرقابة على قطاع الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء التوسع في البنية التحتية الرقمية. في المقابل، ارتفعت أسهم الطاقة النظيفة، مع صعود "فرست صولار" (First Solar) بنسبة 9.4 في المئة و"سن رن" (Sunrun) بنسبة 10 في المئة، مدفوعة بتوقعات استمرار الدعم الفيديرالي لمشروعات الطاقة المتجددة في ظل سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس. كما صعدت أسهم البنوك الأوروبية بأكثر من 2 في المئة خلال التداولات، مع توجه المستثمرين إلى المصارف ذات التركيز المحلي.

استفاد ترمب من سيطرة الجمهوريين على الكونغرس لتمرير قانون الضرائب والإنفاق المعروف باسم " One Big Beautiful Bill Act" أحد أضخم التشريعات الاقتصادية في يوليو/تموز 2025، ويقوم على خفض الضرائب على الأفراد والشركات، وتحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي، وزيادة الإنفاق على الدفاع وأمن الحدود، مقابل تقليص الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية والحوافز المخصصة للطاقة النظيفة

أما أسهم الطاقة والدفاع فقد تعرضت لضغوط، إذ تراجع مؤشر قطاع الطاقة في مؤشر "S&P 500"، ليكون أحد القطاعين الوحيدين اللذين أنهيا الجلسة على انخفاض، وفق "رويترز". وجاء ذلك بالتزامن مع هبوط العقود الآجلة لخام برنت بنحو 9 في المئة إلى 94.62 دولارا للبرميل، وسط تنامي رهانات المستثمرين على احتمال التوصل إلى تسوية للحرب مع إيران، وما قد يعنيه ذلك من انحسار مخاطر تعطل الإمدادات النفطية.

أجندة ترمب الاقتصادية تصبح أكثر صعوبة

خلال العامين الأولين، استفاد ترمب من سيطرة الجمهوريين على الكونغرس لتمرير قانون الضرائب والإنفاق المعروف باسم " One Big Beautiful Bill Act" أو "قانون المشروع الكبير والجميل"، أحد أضخم التشريعات الاقتصادية في يوليو/تموز 2025. وهو كناية عن حزمة واسعة تحدد السياسة المالية والاجتماعية والصناعية والطاقة في الولايات المتحدة. ويقوم جوهر القانون على خفض الضرائب على الأفراد والشركات، وتحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي، وزيادة الإنفاق على الدفاع وأمن الحدود، مقابل تقليص الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية والحوافز المخصصة للطاقة النظيفة.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع وثيقة تنفيذية، في البيت الأبيض، واشنطن، الولايات المتحدة الأميركية، 2 أبريل 2025

أما الآن، فقد أصبح تمرير خفوضات ضريبية جديدة أو تعديلات كبيرة على الإنفاق الحكومي أكثر صعوبة. ووفق "مورغان ستانلي"، يتضمن القانون خفوضات مقدرة بنحو 900 مليار دولار في برنامج "ميديكايد" (Medicaid) الاجتماعي و200 مليار دولار في برنامج المساعدات الغذائية "سناب" (SNAP) على مدى عشر سنوات. وقد تصبح هذه الخفوضات موضع تفاوض أو مراجعة في ظل الغالبية الديمقراطية الجديدة.

الرسوم الجمركية تحت رقابة أشد

قد يكون ملف الرسوم الجمركية أحد أكثر الملفات حساسية للاقتصاد العالمي في ظل موازين القوى الجديدة في واشنطن، إذ لا يزال ترمب يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة تتيح له مواصلة فرض الرسوم الجمركية أو تعديلها دون الحاجة إلى موافقة مسبقة من المشرعين في جميع الحالات. لكن انتقال السيطرة على المجلسين إلى الديمقراطيين يفتح جبهة جديدة من المواجهة عبر اللجان البرلمانية التي تستطيع فتح تحقيقات في شأن انعكاسات هذه الرسوم على الشركات والمستهلكين الأميركيين، واستدعاء المسؤولين التجاريين للمساءلة، فضلا عن محاولة تمرير تشريعات لتقييد بعض الصلاحيات التجارية الممنوحة للرئيس.

نتائج الانتخابات لا تنذر بالضرورة بتراجع فوري عن السياسات الحمائية، بل قد تنقل الخلاف في شأنها إلى مستوى أكبر من الرقابة والمواجهة المؤسسية

"برايس ووترهاوس كوبرز"

كما قد تتزايد الضغوط السياسية على الإدارة لمراجعة نهجها التجاري تجاه الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، خصوصا في ظل انتقال أعباء الرسوم إلى الشركات والمستوردين، واحتمال انعكاسها على أسعار السلع التي يتحمل المستهلكون جزءا منها. وتشير شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" (PwC) إلى أن السياسة التجارية ستظل من المجالات التي تستطيع الإدارة الأميركية مواصلة التحرك فيها عبر الصلاحيات التنفيذية، رغم فقدان الجمهوريين غالبيتهم التشريعية.

وهذا يعني أن نتائج الانتخابات لا تنذر بالضرورة بتراجع فوري عن السياسات الحمائية، بل قد تنقل الخلاف في شأنها إلى مستوى أكبر من الرقابة والمواجهة المؤسسية. وعلى المستوى الاقتصادي، يتمثل التحدي الأبرز في استمرار عدم اليقين في شأن مستقبل الرسوم وتكاليف الاستيراد، وما يترتب عليه من تعقيد قرارات التسعير والاستثمار لدى الشركات، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية، فضلا عن احتمال تأجيل بعض الاستثمارات أو إعادة توجيهها إلى أسواق توفر بيئة تجارية أكثر قابلية للتنبؤ. وبذلك، قد لا تكون المشكلة في مستوى الرسوم الجمركية وحده، بقدر ما ستكون في صعوبة توقع شكل السياسة التجارية الأميركية واستقرارها خلال العامين المقبلين.

رويترز
امرأة تسير بجوار ساعة الدين الوطني الأمريكي في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، 19 أغسطس 2026

وتتوقع "أليانز"، وهي مجموعة ألمانية متعددة الجنسيات، تُعد من أكبر شركات التأمين والخدمات المالية وإدارة الأصول في العالم، وصول معدل الرسوم الجمركية الفعلي إلى نحو 8.5 في المئة في يناير/كانون الثاني 2027.

الدين الأميركي والعجز المالي يدخلان دائرة الصراع

يرى تحليل نشره المجلس الأطلسي أن انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية لا يضع حدا للمواجهة السياسية في واشنطن، بل ينقلها إلى جبهة أكثر حساسية تتمثل في المالية العامة وسقف الدين الأميركي. فمع التغيير الحاصل في الكونغرس، ستواجه إدارة ترمب صعوبة أكبر في تمرير الموازنة والإنفاق الفيديرالي وأجندتها الاقتصادية، خصوصا في ظل الخلافات حول تمويل برامج الرعاية الصحية وسياسات الهجرة والإنفاق الدفاعي.

وتبرز أزمة سقف الدين بوصفها الاختبار الأبرز خلال عام 2027، إذ يُتوقع أن يصل الدين العام الأميركي إلى سقف الاقتراض القانوني المحدد له خلال النصف الأول من العام، مما قد يضطر وزارة الخزانة إلى اللجوء إلى إجراءات استثنائية لمواصلة الوفاء بالتزامات الحكومة وتجنب التعثر عن السداد، ويفتح الباب أمام مواجهة جديدة بين البيت الأبيض والكونغرس. ويحذر التحليل من أن استمرار التجاذبات الحزبية قد يعمّق العجز المالي ويرفع تكلفة الاقتراض ويزيد الضغوط على سندات الخزانة والدولار، في وقت تتزايد فيه مخاوف المستثمرين في شأن استدامة الدين الأميركي، بما يجعل الصراع المالي المقبل اختبارا ليس فقط لقدرة ترمب على الحكم، بل أيضا لثقة الأسواق العالمية في الولايات المتحدة.

وفي سياق متصل، تعتبر "أليانز" أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس الأميركي قد تدخل السياسة المالية في مرحلة من الجمود، مع تزايد احتمالات الإغلاق الحكومي والمواجهة في شأن سقف الدين. ومع ذلك، تتوقع المؤسسة إمكان التوصل إلى تسوية بين الحزبين خلال 2027، يحصل بموجبها الجمهوريون على نحو 90 مليار دولار من الإنفاق الدفاعي الإضافي لإعادة تكوين مخزونات الذخائر، مقابل موافقة الديمقراطيين على تمويل أكبر للإنفاق غير الدفاعي وتأجيل بعض الخفوضات المقررة في برامج الرعاية الصحية والمساعدات الغذائية.

من المرجح أن تصبح الشركات الكبرى، خصوصا في التكنولوجيا والطاقة والصناعات التحويلية، أكثر تعرضا للتدقيق البرلماني

وقد يؤدي هذا التوافق إلى سياسة مالية توسعية بشكل طفيف تعادل 0.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع العجز الفيديرالي من 6.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 6.6 في المئة في 2027، قبل تراجعه إلى 6.4 في المئة في 2028. وتحذر "أليانز" من أن تزامن المواعيد النهائية لتمويل الحكومة وسقف الدين بين الربع الأخير من 2027 والربع الأول من 2028 قد يزيد مخاطر التعثر السياسي والمالي.

تقلص قدرة ترمب على التأثير في تعيينات الاحتياطي الفيديرالي

يستطيع الرئيس ترشيح أعضاء مجلس الاحتياطي الفيديرالي، لكن تعييناتهم تحتاج إلى مصادقة مجلس الشيوخ. ومع سيطرة الديمقراطيين، تصبح المصادقة على مرشحي ترمب أكثر تعقيدا، خصوصا في المناصب الحساسة المرتبطة بالسياسة النقدية والرقابة المصرفية. وفي هذا السياق، قد تحد سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ من قدرة ترمب على إعادة تشكيل مجلس محافظي البنك المركزي عبر التعيينات، فضلا عن تعزيز الرقابة البرلمانية على قراراته.

رويترز
جوش شابيرو، حاكم ولاية بنسلفانيا، يعقد مؤتمرا صحافيا، عقب إعادة انتخابه في مقر إقامة الحاكم بمدينة هاريسبرغ بولاية بنسلفانيا الأميركية، 4 نوفمبر 2026

وبحسب ما نقلته "رويترز" في 4 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ستتمكن الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ من عرقلة تعيينات ترمب الجديدة في مجلس الاحتياطي الفيديرالي. ومن المتوقع أن تتولى السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن رئاسة لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ، خلفا للجمهوري تيم سكوت. وقد يخضع كيفن وارش، رئيس الاحتياطي الفديرالي لتدقيق أكبر في شأن إفصاحاته المالية ومواقفه من التضخم وأسعار الفائدة، كما قد تصبح محاولات ترمب تغيير تركيبة مجلس المحافظين أكثر صعوبة. وتشير "رويترز" إلى أن استمرار وارش بعد انتهاء ولايته الأولى قد يتطلب بناء علاقات أفضل مع الديمقراطيين.

ومن أبرز الملفات التي ستتركز عليها الأنظار هو مستقبل استقلالية الاحتياطي الفيديرالي في ظل التباين بين أولويات البيت الأبيض ومهام البنك المركزي. فترمب يفضل خفض أسعار الفائدة لتقليل تكلفة الاقتراض وتحفيز الاستثمار والاستهلاك ودعم النمو الاقتصادي، في حين يتمثل التفويض الأساس للاحتياطي الفيديرالي في تحقيق استقرار الأسعار وتعظيم التوظيف، مع استهداف معدل تضخم يبلغ 2 في المئة على المدى الطويل. وتبرز هنا أهمية موقف رئيس الاحتياطي، الذي لا يملك صلاحية تحديد أسعار الفائدة منفردا، إذ تتخذ لجنة السوق المفتوحة الفيديرالية القرارات النقدية بصورة جماعية.

الشركات الأميركية تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين

من المرجح أن تصبح الشركات الكبرى، خصوصا في التكنولوجيا والطاقة والصناعات التحويلية، أكثر تعرضا للتدقيق البرلماني. وتبرز هنا الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، إذ قد يدفع الديمقراطيون نحو تشديد بعض القواعد البيئية والتنظيمية، خصوصا في شأن استهلاك الكهرباء والمياه. وتكتسب انتخابات حاكم ولاية تكساس أهمية خاصة بالنسبة إلى القطاع، إذ يعزز فوز المرشحة الديمقراطية جينا هينوجوسا (Gina Hinojosa) احتمالات تعرض مشروعات مراكز البيانات لتأخيرات كبيرة، في ضوء تعهدها الانتخابي بفرض وقف مؤقت على الموافقات الخاصة بإنشاء مراكز بيانات جديدة. وترى "مورغان ستانلي" أن تغير السيطرة على الكونغرس قد يبطئ بعض مشاريع مراكز البيانات، رغم أن دورة الاستثمار الأوسع في الذكاء الاصطناعي لا يُتوقع أن تتوقف بالضرورة.

لا يعكس تفاؤل ترمب في شأن الذكاء الاصطناعي بالضرورة نظرة الناخبين الأميركيين إلى هذه التكنولوجيا. فبدلا من تبني الرؤية القائلة إن الذكاء الاصطناعي سيرفع الإنتاجية ويسرّع وتيرة النمو الاقتصادي، يرى نحو 6 من كل 10 ناخبين أن آثاره السلبية المحتملة على المجتمع تفوق فوائده، حسب استطلاع وكالة "أسوشيتد برس"

في المقابل، تحذر "أليانز" من أن تشديد القيود المحلية على مراكز البيانات قد يعرقل طفرة الذكاء الاصطناعي وتشير تقديراتها إلى تعطيل أو تأخير مشاريع بقيمة 200 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، في وقت يعارض فيه 71 في المئة من الأميركيين إنشاء مراكز بيانات في مجتمعاتهم.

ولا يعكس تفاؤل ترمب في شأن الذكاء الاصطناعي بالضرورة نظرة الناخبين الأميركيين إلى هذه التكنولوجيا. فبدلا من تبني الرؤية القائلة إن الذكاء الاصطناعي سيرفع الإنتاجية ويسرّع وتيرة النمو الاقتصادي، يرى نحو 6 من كل 10 ناخبين أن آثاره السلبية المحتملة على المجتمع تفوق فوائده، حسب استطلاع وكالة "أسوشيتد برس". وتتركز هذه المخاوف في احتمال أن تؤدي أتمتة الوظائف إلى إزاحة أعداد من العاملين من سوق العمل، فضلا عن احتمال تشكل فقاعة مالية في قطاع الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي انفجارها إلى تداعيات واسعة على المدخرات التقاعدية.

ماذا عن العمالة في أميركا؟

من المتوقع أن تعزز مكاسب الديمقراطيين في الكونغرس وحكومات الولايات الرقابة على سياسات إدارة دونالد ترمب المتعلقة بالهجرة والعمالة، من دون أن تؤدي إلى تغييرات فورية في قواعد استقدام العمالة الأجنبية أو منح التأشيرات، نظرا إلى استمرار احتفاظ الإدارة الفيديرالية بصلاحيات إنفاذ قوانين الهجرة.

رويترز
ناقلة بضائع ترسو في ميناء لوس أنجليس، كالفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية، 10 مارس 2026

وتشير مؤسسة "فراغومن" (Fragomen) المتخصصة في قوانين الهجرة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشديد التدقيق في برامج تأشيرات العمالة المتخصصة، خصوصا H-1B، والتحقيق في ممارسات الشركات التي توظف أجانب، ولا سيما في ما يتعلق بالأجور وتسريح الموظفين الأميركيين. وقد تعود مقترحات رفع الحد الأدنى لأجور بعض حاملي هذه التأشيرات إلى الواجهة، بالتوازي مع احتمال التوصل إلى تسوية في شأن المهاجرين المعروفين باسم "الحالمين" وبرنامج DACA. وعلى مستوى الولايات، يُتوقع توسيع الحماية القانونية للموظفين خلال عمليات التفتيش المتعلقة بالهجرة، وتعزيز حقوق العمال والضوابط على التسريح واستخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف، إلى جانب فرض مزيد من الشفافية على إعلانات الوظائف. وبذلك، قد تنتقل المواجهة السياسية إلى نقاش أوسع حول التوازن بين حماية الوظائف الأميركية واحتياجات الشركات إلى الكفاءات الأجنبية، وحقوق العمال في سوق العمل.

العالم يترقب

لن تقتصر تداعيات خسارة ترمب السيطرة على الكونغرس على المشهد السياسي الداخلي، بل قد تمتد إلى علاقات الولايات المتحدة الاقتصادية والتجارية مع شركائها، وإن كان تأثيرها الفوري سيظل محدودا بفعل استمرار احتفاظ الرئيس بصلاحيات تنفيذية واسعة.

وعلى صعيد التجارة الدولية، قد تمنح النتائج الصين والهند ودولا آسيوية وأوروبية هامشا أكبر لمقاومة الضغوط الأميركية وإعادة التفاوض في شأن الرسوم الجمركية والتعهدات الاستثمارية، خصوصا أن اليابان وكوريا الجنوبية تعهدتا باستثمارات أميركية تبلغ 550 مليار دولار و350 مليار دولار على التوالي. ومع ذلك، لا يُتوقع أن تنهي النتائج النهج الحمائي الأميركي أو المنافسة التكنولوجية مع الصين، بل قد تدفع الشركات إلى مواصلة تنويع سلاسل التوريد تحسبا لاستمرار التقلبات التجارية.

ترى بعض الحكومات الخليجية أن خسارة الجمهوريين الانتخابات قد تدفع الرئيس إلى تكثيف مساعيه للتوصل إلى اتفاق مع طهران

وفي قراءة لتداعيات النتائج، أشار مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR)، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، إلى أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تمنحهم أدوات للتأثير في تمويل المساعدات العسكرية والخارجية، والتعيينات في المناصب الدبلوماسية والأمنية، فضلا عن تكثيف الرقابة على العمليات العسكرية والسياسة تجاه إيران ومستقبل الدعم الأميركي لأوكرانيا والعلاقات مع أوروبا.

وتبدو التداعيات في الشرق الأوسط أكثر حساسية، نظرا إلى تشابك المصالح الأميركية مع أمن الطاقة وصفقات السلاح والاستثمارات الخليجية والحرب مع إيران. فمن شأن انتقال رئاسة اللجان البرلمانية إلى الديمقراطيين أن يفتح الباب أمام تدقيق أكبر في الإنفاق العسكري والمبيعات الدفاعية والمساعدات الخارجية، بما قد يضع بعض الاتفاقيات وأوجه التعاون الأمني مع دول الخليج وإسرائيل أمام مزيد من المساءلة، من دون أن يعني ذلك تعليقها تلقائيا.

وفي الملف الإيراني، قد تزيد الضغوط الداخلية على ترمب حوافزه للبحث عن تسوية تنهي الحرب، خصوصا مع ارتباط التصعيد بارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة داخل الولايات المتحدة. وأفادت "رويترز" بأن بعض الحكومات الخليجية ترى أن خسارة الجمهوريين الانتخابات قد تدفع الرئيس إلى تكثيف مساعيه للتوصل إلى اتفاق مع طهران. لكن هذا الاحتمال لا يستبعد التصعيد، إذ حذرت ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، من أن تفسير نتائج الانتخابات باعتبارها مؤشرا إلى ضعف ترمب قد يدفع إيران إلى حسابات مختلفة ويفتح الباب أمام مواجهة عسكرية جديدة.

أ.ف.ب
سفن وناقلات نفط تنتظر عبور مضيق هرمز، قبالة ميناء بندر عباس، 5 سبتمبر 2026

وترى "أليانز" أن التصعيد العسكري مع إيران قد يدفع أسعار النفط نحو 130 دولارا للبرميل، بزيادة تتراوح بين 15 و20 في المئة.

وفي كلتا الحالتين، ستظل أسواق الطاقة والشحن والتأمين من أبرز قنوات انتقال التوتر السياسي إلى الاقتصاد العالمي، فيما قد تتأثر أولويات تمويل المساعدات ومشروعات إعادة الإعمار في لبنان وسوريا وغزة بتوازنات الكونغرس الجديدة.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد تؤدي سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس إلى تكثيف الرقابة على عملياتها العسكرية في إيران وغزة ولبنان. وقد انعكست هذه المخاوف سريعا على السجال السياسي الإسرائيلي، إذ سارع خصوم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الساعون إلى تشكيل ائتلاف حكومي عقب الانتخابات غير الحاسمة التي شهدتها إسرائيل الأسبوع الماضي، إلى توظيف انتصارات الديمقراطيين لانتقاده، معتبرين أن سياساته أضعفت الدعم الأميركي لإسرائيل الذي ظل تقليديا عابرا للحزبين.

font change