الجزائر والنيجر... "ممرات النار" وسباق النفوذ في الساحل

أدى الاستخدام المتسارع للطائرات المسيرة إلى إعادة تشكيل المشهد العسكري والأمني في المنطقة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي جزائري يقف حارساً في مجمع "تيقنتورين" للغاز في عين أميناس، على بعد نحو 1600 كيلومتر جنوب شرق العاصمة، الجزائر، في 31 يناير 2013

الجزائر والنيجر... "ممرات النار" وسباق النفوذ في الساحل

في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عام 1973، وصلت أول قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر بعد مصادقة البرلمان بغرفتيه رسميا على قرار نشر وحدات من الجيش الوطني الشعبي خارج الحدود. وقد بدأت ميدانيا في تأمين انتقال ناقلات النفط وحماية الاستثمارات النفطية الاستراتيجية لشركة "سوناطراك" الجزائرية في حقل "كافرا" والمحيط الجغرافي المتاخم له، بناءً على اتفاق مباشر مع السلطات النيجرية، في خطوة تكرس عقيدة تأمين العمق القومي ومكافحة التهديدات الاستباقية في جوار البلاد الجنوبي.

ويوم الأحد الموافق 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، دخلت السياسة الدفاعية للجزائر مرحلة جديدة بعدما وافق مجلس البرلمان رسمياً على طلب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر. وتعتبر هذه خطوة مهمة واستثنائية بالنسبة للبلاد، التي لطالما كانت مترددة في نشر قواتها المسلحة في الخارج بناءً على مبادئها الدبلوماسية، غير أن الدستور المعدل عام 2020، أوجد المخرج القانوني لهذا التحول، حيث بات يسمح بنشر الأفراد العسكريين في الخارج شريطة الحصول على موافقة البرلمان بغرفتيه بأغلبية الثلثين.

ورغم أن الضوء الأخضر الصادر عن البرلمان الجزائري جاء عاماً ودون تحديد رسمي للموقع الجغرافي للانتشار، فإن معطيات دبلوماسية وإعلامية كشفت عن الوجهة المحتملة، حيث أشار السفير الجزائري السابق، عمار بلاني، على حسابه على منصة "فيسبوك" إلى إمكانية نشر هذه القوات في قاعدة "ماداما" العسكرية الواقعة شمال النيجر بالقرب من الحدود الليبية، والتي كانت تشكل سابقاً نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية جرى تطويرها وتوسيعها، وهي تكتسي أهمية استراتيجية عالية لمراقبة منطقة الساحل والمحاور البرية العابرة للحدود.

ومن الناحية الجغرافية الميدانية، تقع "ماداما" في شمال النيجر على بُعد نحو 263 كيلومترا بخط مستقيم من قاعدة "الويغ" العسكرية الواقعة في إقليم "فزّان" الليبي، وهي منشأة عسكرية حيوية مرتبطة بقوات المشير خليفة حفتر وتُستخدم كنقطة أساسية للإسناد والعمليات في منطقة جنوب غربي ليبيا، مما يمنح التموضع الجزائري الجديد أبعاداً أمنية حساسة ومباشرة.

أ.ف.ب
جنود جزائريون يقفون للحراسة في مجمع "تيقنتورين" للغاز في عين أميناس، الجزائر، 31 يناير 2013

تأمين ممرات الطاقة العابرة للصحراء

يأتي التموضع العسكري الجزائري بعد أشهر من مسار تقارب تدريجي مع نيامي، ففي عام 2025 شهدت العلاقات أزمة دبلوماسية تمثلت في استدعاء النيجر لسفيرها من الجزائر العاصمة تضامناً مع مالي وبوركينا فاسو وذلك عقب إسقاط القوات الجزائرية طائرة مسيرة مالية. غير أن التعاون العسكري استؤنف بشكل واضح في نهاية أغسطس/آب الماضي، عندما أرسلت الجزائر طائرات عسكرية إلى العاصمة النيجرية في أعقاب محاولة تمرد ضد حكومة الجنرال عبد الرحمن تياني.

وتوج هذا التقارب الأمني في 21 أكتوبر/تشرين الأول بتوقيع وزير الدفاع النيجري، ساليفو مودي، بروتوكول تعاون عسكري في الجزائر العاصمة، وذلك قبل أربعة أيام فقط من التصويت البرلماني الجزائري.

يمثل الانتشار العسكري الجزائري في النيجر تحولاً استراتيجيا يتجاوز حماية الحدود لتأمين المصالح الاقتصادية وتعزيز النفوذ في الساحل 

وفي السياق التحليلي للمشهد، يُشير سيف الدين قداش، الباحث الجزائري في قضايا الاقتصاد والجيوبوليتك في حديثه لـ"المجلة" إلى أن "الانتقال العملياتي للجزائر نحو النيجر يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد الحضور العسكري التقليدي، إذ يمثل هذا التحرك أداة جيوسياسية مباشرة لتثبيت الاستقرار الداخلي في نيامي وفرض كوابح موضوعية أمام محاولات تقويض النظام النيجري الحالي".

ويضيف: "من منظور موازين القوى، فإن الوجود العسكري يمثل إعادة هندسة حقيقية لمعادلة الأمن الإقليمي، حيث تسعى الجزائر من خلال المحور الرابط بين الجزائر ونيامي إلى استعادة نفوذها العملي في الساحل ومواجهة التحديات الأمنية والتخريبية بشكل ميداني عبر تحويل هذا المحور الثنائي إلى قاعدة ارتكاز صلبة لحماية الأمن القومي المشترك للبلدين وللمنطقة ككل".

أما من الناحية الاقتصادية، فإن التحليل يربط بين الاستقرار الأمني وديناميكية التوسع الاستثماري، فتأمين البنية التحتية للطاقة والتي تشمل الحقول النفطية وشبكات الأنابيب ومحطات التوليد التي تُشرف عليها الجزائر عمليا، لا يُعتبرُ مجرد إجراء وقائي، بل يُشكل خطوة أساسية لضمان نجاح المشاريع الاقتصادية ومواجهة أي مخاطر تستهدفها أثناء الإنجاز أو التشغيل.

عاد "ممر السلفادور" لواجهة الرصد الاستخباراتي بوصفه عقدة أمنية تتقاطع فيها تحركات "داعش في الصحراء الكبرى" وخلايا "بوكو حرام" مع شبكات تهريب السلاح والمخدرات والوقود، عبر حدود ليبيا والنيجر والجزائر

وتتجلى هذه المشاريع على أرض الواقع في شروع شركة "سوناطراك" الجزائرية وشركة "سونيديب" النيجرية في حفر أربعة آبار استكشافية في حقل كفرا النفطي، حيث دشنتا العمل في أول بئر، وهو المسمى "كفرا سود-إيست-1". ويغطي الترخيص مساحة تزيد على 23 ألف كيلومتر مربع في منطقة أغاديز، قرب الحدود الجزائرية. ويُكمّل هذا الاستثمار مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجري عبر النيجر إلى الجزائر، ومن هناك إلى الأسواق الأوروبية.

إكراهات الجغرافيا السياسية وعقدة ممر السلفادور

لكن وعلى ما يبدو لن تكون المهمة هينة بالنظر إلى حجم التعقيدات الأمنية المحيطة بمنطقة الساحل الأفريقي. وتأتي في مقدمة هذه المصاعب مسألة تأمين خطوط الإمداد اللوجستية الممتدة عبر مساحات صحراوية شاسعة. 

وفي قراءة ميدانية من داخل النيجر، يقول عمر الأنصاري وهو ناشط سياسي نيجري في حديثه لـ"المجلة" إن "الوجود العسكري الجزائري المحدود والموجه لحماية منشآت الطاقة والمصالح المشتركة يُواجه تحديات حقيقية على الأرض، وتأتي في مقدمتها الأنشطة الميدانية للجماعات المسلحة المنتشرة في شمال النيجر، والتي تملك امتدادات عابرة للحدود مع تشاد وليبيا وتستغل ممر السلفادور لتنفيذ تحركاتها وعمليات التهريب".

وينطلق هذا التحذير الأمني من الخصائص الجيوسياسية للمنطقة، إذ يشكل "ممر السلفادور" أو ما يُعرف بمثلث السلفادور الجبهة الأمنية الأكثر حساسية في هذه المعادلة، وهو منطقة صحراوية نائية تقع عند التقاء الحدود بين الجزائر والنيجر وليبيا. ويحتل هذا الممر مكانة استراتيجية لكونه يُمثل عقدة وصل طبيعية للمحاور البرية العابرة للحدود والتي تربط إقليم فزان في جنوب غرب ليبيا بعمق الساحل الأفريقي.

ويُصنف الموقع أمنياً أحد أنشط ممرات التجارة غير المشروعة وشبكات التهريب الدولية الخاصة بالأسلحة والمخدرات والوقود، فضلاً عن كونه مسار عبور رئيس تستغله الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة للتحرك بين الملاذات الخلفية في الجنوب الليبي والمناطق الشمالية للنيجر.

رويترز
فتاة تسير فوق خط أنابيب غاز يمر عبر منطقة "أوكريكا" بالقرب من مدينة "بورت هاركورت" التي تُعد مركزاً نفطياً في النيجر ، 4 ديسمبر 2012

وعاد "مثلث السلفادور" إلى واجهة الرصد الاستخباراتي إثر طفرة غير مسبوقة في نشاط المجموعات المسلحة وشبكات الجريمة بوسط وشرقي النيجر ما يُعيد رسم جغرافيا المخاطر على طول الحزام الأمني المحاذي للحدود الجزائرية والليبية. وتتداخل هذه التهديدات الهيكلية عبر أربعة مسارات ميدانية، تأتي في مقدمتها استعادة تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" لزخمه القتالي ومناورات خلايا "بوكو حرام" مستغلة تراجع الوجود العسكري الدولي، ويتكامل هذا مع مأسسة الجريمة المنظمة عبر مصالح متبادلة لتأمين ممرات تهريب السلاح الليبي، وتجارة المخدرات، والوقود، إلى جانب توظيف تكتيكات الاختطاف لغرض الفدية.

وفي التطور الأكثر خطورة، تحولت استراتيجيات التمرد نحو استهداف البنى التحتية للطاقة، وهو ما جسدته عمليات "الجبهة الوطنية للتحرير" بقيادة محمود صلاح ضد خط أنابيب النفط بين النيجر وبنين، في مؤشر حاسم على أن الممرات الطاقوية والمشاريع الإقليمية المشتركة في الفضاء الصحراوي باتت تقع مباشرة في مرمى نيران جماعات التمرد.

حرب "الدرون" ومخاطر تصادم الأجندات الإقليمية

وعلى الصعيد  العملياتي، يُشير الأنصاري إلى "تطور الأساليب القتالية بهذه الجماعات عبر استخدام الدراجات النارية والطائرات المسيرة، ما يتطلب يقظة دائمة وتكيفاً عملياتياً مستمراً، ويُضاف إلى ذلك قساوة التضاريس الصحراوية الشاسعة وصعوبة تأمين خطوط الإمداد على مسافات طويلة، فضلا عن بروز مؤشرات التنافس مع أطراف إقليمية ودولية أخرى تتوجس من حضور فاعل جديد يمتلك ميزة الجوار الجغرافي المباشر".

ويأتي هذا التحول التقني في طبيعة الصراع عاملاً أساسياً، إذ أدى الاستخدام المتسارع للطائرات المسيرة "الدرون" إلى إعادة تشكيل المشهد العسكري والأمني في منطقة الساحل الأفريقي، بعد أن تحولت هذه التكنولوجيا إلى سلاح محوري في المواجهات الميدانية.

ولم يعد استخدام المسيرات في هذا الفضاء مقتصراً على عمليات المراقبة والاستهداف الجوي التي تنفذها القوى الدولية الكبرى، بل امتد ليشمل أطرافاً محلية وتنظيمات مسلحة غير نظامية، حيث وظفت التنظيمات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود طائرات مسيرة منخفضة التكلفة، وجرى تعديلها تقنياً لحمل مقذوفات متفجرة أو لاستخدامها في الاستطلاع والرصد الميداني لتحركات الجيوش النظامية، ما يمنح هذه الجماعات ميزة قتالية غير نمطية وسط الفضاءات الصحراوية الشاسعة ويفرض تحديات رقابية مضاعفة على القوات المنتشرة في المنطقة.

ولعل أكبر صعوبة تواجه هذا الانتشار العسكري تتمثل في الحضور الدولي لا سيما في ظل تعدد الفاعلين وتنوع أجنداتهم في منطقة الساحل الأفريقي. ويقول في هذا السياق عمر الأنصاري إن "هذا التقاطع يُثير مخاوف مشروعة من احتمال تصادم الدور الجزائري مع أدوار قوى إقليمية ودولية أخرى وما قد ينجم عن ذلك من تنافس ميداني أو سوء فهم".

يتقاطع تحرك الجزائر مع الحضور الروسي عبر "الفيلق الأفريقي" والتمدد التركي، في ظل أزمات مع باريس والرباط، في محاولة لترسيخ حضورها بالساحل دون الانزلاق لصراعات الوكالة 

وتتجه القراءات الميدانية إلى أن هذا التموضع يتقاطع مع تحركات دول عدة تتمركز في الساحل، سواء تلك التي تجمعها علاقات جيدة مع الجزائر وتربطها بها تفاهمات وتنسيق مشترك مثل روسيا وتركيا، أو تلك التي تمر علاقاتها بفترة أزمة سياسية ودبلوماسية كالمغرب وفرنسا. ففي المحور الأول، يتقاطع الوجود الجزائري ميدانياً مع الحضور الروسي عبر "الفيلق الأفريقي" الذي يُمثل الشريك الأمني للمجالس العسكرية في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، تزامنا مع الحضور التركي النامي اقتصادياً وعسكريا.

وفي المقابل يبرز محور الأزمات السياسية مع المغرب وفرنسا، إذ يأتي التمركز في قاعدة ماداما التي كانت بالأمس القريب نقطة ارتكاز محورية لعملية "برخان" الفرنسية المنسحبة بطلب من نيامي ليزيح المخلفات العسكرية الفرنسية وهو ما تنظر إليه باريس بتوجس أمني وسياسي واضح.

أ.ف.ب
جندي فرنسي من مفرزة تابعة لعملية "برخان" في مطار "ديوري هاماني" العسكري في نيامي بالنيجر، في 2 يناير 2015

ورغم هذه العقبات الميدانية، يؤكد الأنصاري أن "الخبرة المتراكمة للجيش الجزائري في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود تمنحه القدرة على التوازن الدقيق بين الشرق والغرب، والجزائر لم تأت إلى النيجر بمشروع هيمنة أو استقطاب بل جاءت استجابة لطلب رسمي وبدافع من جوار جغرافي ومصالح مشتركة واضحة"، معرباً عن تقديره بأن الجزائر قادرة على تقديم مقاربة مقنعة لجميع الأطراف تقوم على احترام السيادة الوطنية والتنسيق بدلاً من المواجهة، وعلى التكامل بدلاً من الإقصاء، ما يجعل دورها عامل استقرار ميداني حقيقي يبتعد بالمنطقة عن منطق المحاور والصراعات بالوكالة.

وبناءً على هذه المعطيات الميدانية والتقنية المتشابكة، يتبين أن المعادلة الجيواقتصادية في فضاء الساحل الأفريقي ومحيط "مثلث السلفادور" لم تعد تحتمل الحلول التقليدية، فبين طموحات التوسع الاستثماري الطاقوي وإكراهات الجغرافيا السياسية الوعرة، يجد التموضع العملياتي المشترك بين الجزائر ونيامي نفسه أمام اختبار حقيقي للتكيف مع تكتيكات الحروب غير النمطية وحرب "الدرون" العابرة للحدود.

font change

مقالات ذات صلة