"سوخوي" في نيامي... العقيدة الأمنية الجديدة للجزائر في أفريقيا

من الانكفاء الدفاعي إلى الردع الاستباقي

وزارة الدفاع الجزائرية
وزارة الدفاع الجزائرية
تظهر مقاتلات سوخوي-30 التي أرسلتها الجزائر إلى النيجر لدعم الجيش النيجري استجابة لطلب قيادة النيجر

"سوخوي" في نيامي... العقيدة الأمنية الجديدة للجزائر في أفريقيا

دفعت النزاعات المسلحة والصراعات الدولية المحمومة في الفضاء الجيوسياسي الأفريقي الجزائر إلى تبني استراتيجية تموضع جديدة، تتجاوز الأطر الدبلوماسية الكلاسيكية المعهودة لتجعل من الدعم العسكري والأمني أداة استباقية لقوتها الناعمة قائمة على الشراكة والتمكين، وهي مقاربة تفرضها اليوم سياقات استثنائية أفرزتها محاولات الانقلابات العسكرية المتتالية في دول الجوار واتساع رقعة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.

في إطار ترجمة هذا التوجه إلى واقع عملياتي ملموس، يأتي التحرك العسكري الجزائري الأخير في النيجر أبرز تجسيد ميداني لهذه المقاربة، حيث حلقت ست طائرات عسكرية قبل أن تهبط في مطار "ديوري حماني" الدولي في نيامي، بعد يوم واحد فقط من إحباط المجلس العسكري الحاكم هناك محاولة تمرد قادها عدد من الجنود والضباط في القاعدة الجوية قرب المطار.

ويضم السرب الجوي أربع مقاتلات من طراز "سوخوي–30"، برفقة طائرة نقل عسكرية من طراز "إليوشين-76" وطائرة تزويد بالوقود من طراز "إليوشين-78"، بقيادة وفد عسكري جزائري رفيع، يقوده سلاح الجو في المنطقة العسكرية الأولى بالجزائر، العميد شبلاوي رشيد، في مهمة قالت السلطات النيجرية إنها "تجسد الدعم الاستراتيجي الذي تقدمه القوات المسلحة الجزائرية للقوات المسلحة النيجرية".

ولا ينفصل هذا الإنزال الجوي عالي المستوى عن مسار متسارع لتعميق الشراكة بين البلدين، إذ يأتي بعد أسابيع قليلة فقط من خطوة نوعية أخرى تمثلت في تسليم الجزائر أربع مروحيات عسكرية لنيامي، منها مروحيتان هجوميتان من طراز "Mi-171" واثنتان من طراز "Mi-V24".

وزارة الدفاع الجزائرية
تظهر مقاتلات سوخوي-30 التي أرسلتها الجزائر إلى النيجر لدعم الجيش النيجري استجابة لطلب قيادة النيجر

كما أرسلت الجزائر بتاريخ التاسع من أغسطس/آب على متن طائرة نقل عسكرية تابعة لقواتها الجوية، شحنة من الذخائر الحربية المخصصة للمروحيات، إضافة إلى قطع الغيار ومعدات الصيانة والإسناد اللوجستي، ما يتيح للجيش النيجري تشغيلها ودعم جاهزيتها ميدانيا واستخدامها سواء في مهام النقل العسكري أو في عمليات قتالية لمكافحة الإرهاب.

التحول في العقيدة العسكرية الجزائرية

وعلى الصعيد الاستراتيجي، يعكس هذا التحرك الميداني المكثف تفعيلا حيا للمقاربة الأمنية الجديدة التي تبنتها الجزائر في أعقاب تعديل دستور 2020، إذ منح هذا التعديل غطاءً قانونيا للمؤسسة العسكرية للمشاركة في مهام الإسناد وحفظ الاستقرار الإقليمي وبذلك انتقل الجيش الجزائري من مقاربة "الدفاع الانكفائي التقليدي" إلى تبني استراتيجية "الردع الاستباقي" عبر نقل الخبرات وتحصين الجبهات الخلفية لدول الجوار لمنع انهيارها باعتبار أن أمن الساحل هو امتداد لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري.

بعد تعديل دستور 2020، تتبنى الجزائر عقيدة "الردع الاستباقي" بديلا عن "الدفاع الانكفائي"، وربط الجيش الجزائري صراحةً بين إرسال سربها الجوي إلى نيامي ومحاولة التمرد الفاشلة في النيجر

وفي قراءة تحليلية لأبعاد هذا التطور المتسارع، يرى البروفيسور بوحنية قوي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة قاصدي مرباح في ورقلة أن "هذه الخطوة تعتبر سابقة تاريخية، إذ إنها المرة الأولى التي يرسل فيها الجيش الجزائري وحدة قتالية إلى الخارج، بطلب من دولة صديقة للإسناد الميداني والمساعدة على تجاوز ظرف توتر داخلي ودعم الاستقرار".

ويضيف بوحنية قائلا إن "هذا التحرك يعكس شروع الجزائر في تنفيذ تغيير نوعي وعميق لعقيدتها العسكرية في علاقاتها بمسائل الأمن القومي والإقليمي".

ولفت الأستاذ بجامعة ورقلة إلى أن "هذا التحول العملياتي يستند بالأساس إلى التعديل الدستوري في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، والذي تضمن مادة تتيح للجيش العمل خارج الحدود استجابة لطلبات محلية أو إقليمية".

وبصرف النظر عن التفاصيل التقنية، يؤكد المتحدث أن "هذا التعديل كان استشرافا ناجحا ومبكرا لمتغيرات الخريطة الأمنية، لا سيما في المنطقة القريبة من الجغرافيا الجزائرية، ففحص التجارب السابقة في بعض دول الجوار، والتي أدت إلى خلخلة الاستقرار في المنطقة وغيبت الدور الجزائري الذي دفع جزءا من كلفة تلك الارتدادات، فرض بالضرورة هذا الانتقال نحو تصورات مختلفة وجريئة للمسألة العسكرية والأمنية".

أ.ف.ب
أعضاء في المجلس الوطني لحماية الوطن يتظاهرون دعما للجنرال عبد الرحمن تياني خارج مبنى الجمعية الوطنية السابق في نيامي غداة محاولة تمرد فاشلة، النيجر، في 2 سبتمبر 2026

وقد دخل هذا التوجه الجديد حيز التنفيذ العملي بالتزامن مع الأزمة السياسية الأخيرة في نيامي، حيث ربط بيان وزارة الدفاع الجزائرية بشكل مباشر وصريح بين إرسال السرب الجوي ومحاولة الانقلاب الفاشلة والتمرد العسكري  الذي استهدف زعزعة استقرار العاصمة النيجرية وهو ما يبرز تحولا جذريا في أسلوب التعاطي الجزائري مع الأزمات الإقليمية الطارئة.

رسائل سياسية حاسمة

على الصعيد الجيوسياسي، يتجاوز هذا التنسيق أطر التعاون الثنائي التقليدي ليبعث برسائل سياسية واضحة إلى القوى الدولية والإقليمية المتنافسة في منطقة الساحل الأفريقي، فالجزائر تؤكد أن المقاربات الأمنية المحلية القائمة على الشراكة الإقليمية هي البديل الأكثر فاعلية لملء الفراغ الاستراتيجي الناجم عن انسحاب القوات الأجنبية، مما يعيد صياغة معادلات النفوذ التقليدية.

منطقة الساحل تشهد صراع نفوذ محموماً تتداخل فيه التحركات الروسية عبر "الفيلق الأفريقي" مع المصالح الأميركية ومخلفات النفوذ الفرنسي

في سياق إعادة ترتيب المعادلات الإقليمية، يخلص البروفيسور ولد الصديق ميلود، نائب في البرلمان الجزائري وأستاذ سابق في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الدكتور مولاي الطاهر في سعيدة إلى أن "الجزائر لا تبحث بهذا المسار عن عسكرة الساحل، بقدر ما تسعى إلى ملء الفراغ الأمني الذي أثبتت السنوات الماضية خطورته، وبناء نفوذ إقليمي قائم على الشراكة لا الوصاية، وهي الديناميكية التي تترجم القاعدة الاستراتيجية التي تكرسها الجزائر، بأن أمن الجزائر لم يعد يبدأ عند حدودها بل عند استقرار محيطها الحيوي، ومن ثم إذا تحول هذا النهج إلى سياسة مستدامة، فإننا نكون أمام انتقال من عقيدة دفاعية شديدة التحفظ إلى عقيدة ردع واستقرار إقليمية، محسوبة ومشروطة، تحمي المصالح الوطنية قبل أن تتحول أزمات الجوار إلى تهديد مباشر للأمن القومي".

ويشهد الفضاء الإقليمي لمنطقة  الساحل صراع نفوذ محموما وتجاذبات حادة بين القوى الكبرى تتداخل فيه التحركات الروسية عبر "الفيلق الأفريقي" مع المصالح الأميركية ومخلفات النفوذ الفرنسي التقليدي.

أ.ف.ب
وزراء خارجية النيجر ومالي وبوركينا فاسو مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماعه بوزراء خارجية كونفدرالية دول الساحل في موسكو، في 3 أبريل 2025

وقد تجسد هذا التداخل بين الأجندات الدولية والتهديدات الأمنية المحلية في الكلمة المصورة لرئيس النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، الذي اتهم فيها فرنسا صراحة بالوقوف وراء تمويل وتدريب مقاتلين من جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، وقال إنهم نفذوا هجومين استهدفا مطار العاصمة نيامي خلال العام الجاري.

مقاتلات "سوخوي-30" من الجزائر تحط في نيامي لحماية العمق الاستراتيجي وخط الغاز العابر للصحراء، بقدرات قتالية يعدّها مراقبون كفيلة بإحباط تحركات الجماعات الإرهابية 

وتحمل تركيبة السرب الجوي الجزائري أبعادا عملياتية واضحة، فإرفاق مقاتلات التفوق الجوي بطائرة تزويد بالوقود جوا يبرهن على قدرة سلاح الجو الجزائري على إدارة مهام بعيدة المدى وتأمين إسناد جوي متواصل في عمق القارة السمراء دون الحاجة لقواعد وسيطة.

وفي تشخيص تحليلي دقيق لنوعية الدعم، يرى أستاذ الفلسفة السياسية المعاصرة، أحمد مونيس، أن "نشر هذه المنظومات الحربية المتكاملة يحمل دلالات ردع جيوستراتيجي بالنظر إلى الخصائص القتالية الاستثنائية التي تتمتع بها المقاتلات الجزائرية من طراز (سوخوي-30-إم كيه إيه-Su-30MKA)".

 ويقول المتحدث إن "المقاتلة تملك مناورة عالية بفضل نظام توجيه الدفع المخصص للنسخة الجزائرية، إلى جانب تزويدها برادار متعدد المهام للكشف والتتبع يتناسب تماما مع الخصائص الجغرافية للصحراء الأفريقية لإحباط تحركات الميليشيات والجماعات الإرهابية التي تحاول اتخاذ المنطقة مرتعا لها".

ومن منظور تقني، فإن تزويد هذه المقاتلات بإلكترونيات متطورة جرى تكييفها وفق المتطلبات العملياتية الجزائرية، يمنح الإنزال الجوي ثقلا استراتيجيا كفيلا بوضع حد لأي مجازفة من الكيانات التي تسعى لتقويض الاستقرار الإقليمي.

المعادلة الجيواقتصادية

المؤكد أن المقاربة الأمنية لا تنفصل إطلاقا عن البعد الجيواقتصادي للنيجر، التي يشكل عمقها الجغرافي الممر الأساسي لمشروع خط الغاز العابر للصحراء الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر وصولا إلى أوروبا.

ويصنف هذا المشروع أحد أضخم المشاريع الطاقية العابرة للقارات، إذ يتجاوز طوله أربعة آلاف كيلومتر، بطاقة استيعابية مستهدفة تصل إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنويا، وتتجاوز الأهمية الاستراتيجية لهذا الخط لغة الأرقام، كونه يرسم ممر طاقة أفريقياً جديدا نحو الأسواق الأوروبية.

رويترز
شعار شركة الطاقة الحكومية سوناطراك في المقر الرئيسي بالعاصمة الجزائر، في 25 نوفمبر 2019

وقد دخل هذا المسار مرحلة التنفيذ الفعلي عقب إعلان مجمع "سوناطراك" رسميا، في الرابع من يونيو/حزيران الماضي، عن إطلاق أشغال إنجاز الشطر الجزائري من خط الغاز العابر للصحراء بمدينة أدرار الجزائرية.

وفي قراءة سياسية لهذا التداخل بين الاقتصاد والأمن، يقول البروفيسور بوحنية قوي إن "هناك بعدا آخر بات يستدعي هذا التحول ويفرض صرامة في الحضور العسكري المادي المدروس، ويتعلق الأمر بمسار العلاقات الاقتصادية وشراكات الطاقة المتنامية التي تنجزها الجزائر مع النيجر سواء كانت ذات بعد ثنائي على غرار الاستثمارات النفطية في رقعة  "الكفرا" ومشروع مصفاة "زندر" وتطوير الممر التجاري المشترك، أو ذات بعد إقليمي استراتيجي كأنبوب الغاز العابر للصحراء".

 ويرى المتحدث أن "هذه المشاريع باتت بحاجة ماسة إلى منظومة أمنية متكاملة لتأمينها، وتحصين مساراتها، ومنع أي محاولات تخريبية أو استهدافات ميدانية من أي طرف كان".

يبرهن هذا الحضور العملياتي المكثف أن الفضاء الإقليمي لمنطقة الساحل يمر بمرحلة إعادة ترتيب شاملة للمعادلات الأمنية والجيوسياسية. فالجزائر ومن خلال تفعيل أدوات دعمها العسكري واللوجستي وحماية استثماراتها الطاقية العابرة للصحراء، لا تقف عند حدود الاستجابة الظرفية للأزمات بل تؤسس لنموذج شراكة مستدام يقطع الطريق أمام عسكرة المنطقة والاستقطاب الدولي المحموم.

font change

مقالات ذات صلة