السعودية تراهن على الشاحنات بلا سائق... الإيجابيات والتحدياتhttps://www.majalla.com/node/332841/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%AD%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA
كان أكثر أخبار مؤتمر "ليب 2026 " في الرياض، هذا الأسبوع هو إعلان شركة "هيوماين" السعودية عزمها إدخال شاحنات النقل الذاتية القيادة. فالسعودية بلد مترامي الأطراف وفيه واحدة من أكبر شبكات الطرق في العالم وفيها نحو نصف مليون شاحنة وهناك اكثر من ثلث مليون سائق شاحنة وفق عدد التراخيص الممنوحة.
يفترض أن الشاحنات بلا سائق ستقلص التكلفة وتزيد الإنتاجية وتقلل الحوادث على الطرق. لكن هذا المشروع العملاق الموعود بتنفيذه في نهاية خطة "رؤية 2030 " لا يخلو من التحديات. تقرير "المجلة" يعطي صورة متكاملة عن الفكرة والمشروع والتجارب المختلفة.
أعلنت "هيوماين" تعاونها مع شركة "أبلايد إنتويش" الأميركية، على نشر آلاف الشاحنات بدون سائق على الممرات اللوجستية الذكية الرئيسة في المملكة في العام 2030. ويعد الإعلان الرسمي للشراكة أن المشروع سيبدأ بالشاحنات، ثم يمتد لاحقا إلى سيارات الأجرة الذاتية والموانئ والتعدين والتصنيع والزراعة والإنشاءات.
ويطمح المشروع، إضافة إلى إدخال تقنية جديدة إلى قطاع النقل، الى إنشاء ما تصفه الشركتان بأنه "أكبر شبكة للشاحنات ذاتية القيادة في العالم"، ووضع السعودية بين أوائل الدول التي تنتقل من التجارب المحدودة إلى التشغيل التجاري الواسع على مستوى الدولة.
أثار الإعلان حماسة كبيرة في سرادق معرض "ليب" التقني في الرياض. ومع ذلك يتطلب المشروع معالجة أسئلة مهمة: هل التقنية جاهزة فعلا؟ كيف ستعمل في حرارة عالية والعواصف الرملية؟ وما الذي ستوفره للمملكة؟ وهل ستلغي مئات الآلاف من وظائف السائقين، غالبهم غير سعوديين، أم ستعيد تشكيلها؟
والأهم: هل تكفي آلاف الشاحنات لتحقيق الهدف السعودي بأن تصبح 25 في المئة من مركبات نقل البضائع ذاتية القيادة في 2030؟ الأرجح أن السعودية تنوي التوسع في كل مجالات قيادة العربات للاستفادة من التقنية الحديثة في تقليص التكاليف والعمالة الأجنبية والحوادث ورفع مستوى الإنتاجية.
دور الذكاء الاصطناعي
تقوم الفكرة على نقل الذكاء الاصطناعي من الخوادم والشاشات إلى شاحنات على الطرق في العالم الحقيقي. وهذا ما تطلق عليه الشركتان اسم "الذكاء الاصطناعي الفيزيائي"، نظام قادر على رؤية الطريق وفهم البيئة المحيطة واتخاذ قرارات فورية والتحكم في مركبة تزن عشرات الأطنان.
شعار شركة "هيوماين"، وهي شركة سعودية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، خلال حفل افتتاح فعالية التكنولوجيا "ليب" في الرياض، المملكة العربية السعودية، 31 أغسطس/آب 2026
ستوفر "أبلايد إنتويشن" نظام القيادة الذاتية ونظام تشغيل المركبة، إضافة إلى تقنيات المحاكاة والاستشعار والتنبؤ والتحكم. وبمعنى مبسط، ستضع الشركة الأميركية "العقل" الذي يرى ويحلل ويقود الشاحنة.
أما "هيوماين" فدروها سيكون أكثر اتساعا على المستوى الوطني. فهي الشريك الذي يقود المشروع داخل السعودية، ويوفر له البنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل الحوسبة ومراكز البيانات واستضافة عمليات التدريب والتحليل، إلى جانب ربط المشروع بالجهات التنظيمية وشركات النقل والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية.
"الهدف هو جعل المنطقة الأولى عالميا في نشر الشاحنات الذاتية القيادة على نطاق واسع، وأن آلاف الشاحنات التي تعمل على مدار الساعة تستطيع تغيير سرعة الشبكة اللوجستية وتكلفتها وقدرتها التشغيلية"
الرئيس التنفيذي لـ"هيوماين" طارق أمين
ومن المفترض أن تساعد "هيوماين" أيضا من نقل المشروع من مجرد تجربة تقنية إلى شبكة تشغيلية واسعة. وقد افتتحت "أبلايد إنتويشن"مكتبا في الرياض، وأعلنت أنها ستبني فريقا محليا من المهندسين والمتخصصين لتشغيل الأساطيل وتطوير الأنظمة بما يتلاءم مع الظروف السعودية.
قال الرئيس التنفيذي لـ"هيوماين" طارق أمين إن الهدف هو جعل المنطقة الأولى عالميا في نشر الشاحنات الذاتية القيادة على نطاق واسع، مضيفا أن آلاف الشاحنات التي تعمل على مدار الساعة تستطيع تغيير سرعة الشبكة اللوجستية وتكلفتها وقدرتها التشغيلية. لماذا بدأت الخطة بالشاحنات؟
تبدو الشاحنات مرشحا أكثر واقعية للقيادة الذاتية من السيارات الخاصة داخل المدن. فالشاحنة التي تنطلق من ميناء إلى مركز توزيع تسلك في الغالب مسارا معروفا ومتكررا، وتقضي معظم رحلتها على طريق سريع، حيث تكون حركة السير أقل تعقيدا من شوارع المدن المزدحمة بالمشاة والدراجات والتقاطعات.
ويمكن في المرحلة الأولى تشغيلها وفق نموذج "مركز إلى مركز": يقود سائق بشري الشاحنة داخل الميناء أو المدينة، ثم تُنقل المقطورة إلى شاحنة ذاتية القيادة عند محطة مخصصة على أطراف الطريق السريع. وبعد وصولها إلى المحطة المقابلة، يتولى سائق آخر الجزء الأخير من الرحلة.
بهذا الأسلوب لا تحتاج التقنية منذ اليوم الأول إلى التعامل مع جميع الظروف الممكنة، بل تعمل ضمن "نطاق تشغيلي محدد" يشمل طرقا جرى مسحها واختبارها، وفي أوقات وأحوال جوية تسمح بالتشغيل الآمن.
وهنا تكمن إحدى المزايا السعودية. فالمملكة دولة مترامية الأطراف، وتفصل مسافات طويلة بين موانئها ومدنها الصناعية ومراكزها السكانية، كما أن جانبا كبيرا من البضائع ينتقل عبر ممرات يمكن تحديدها مسبقا، مثل:
جدة–الرياض.
الدمام–الرياض.
موانئ المنطقة الشرقية–المدن الصناعية.
ممرات الخليج في اتجاه الرياض وجدة.
الموانئ–المناطق اللوجستية ومراكز التوزيع.
الطرق المرتبطة بمشروعات التعدين والمناطق الصناعية الكبرى.
وقد لعبت هذه الطرق السريعة الكبيرة في فك أزمات حرب ايران الحالية لدول مثل الكويت وقطر والبحرين والسعودية نفسها، إذ أصبحت الشريان الرئيس لنقل النفط واستيراد البضائع عبر موانئ السعودية على البحر الأحمر
ولا يعني الإعلان أن هذه المسارات قد اعتمدت نهائيا للمشروع الذكي لكنه يوضح نوع الممرات التي تحقق فيها التقنية أكبر جدوى: مسافات طويلة، شحنات كثيفة، رحلات متكررة ونقاط انطلاق ووصول محددة.
سوق نصف مليون شاحنة
تنبع أهمية المشروع من ضخامة سوق النقل البري السعودي. فالرقم الرسمي المتاح يشير إلى وجود أكثر من 500 ألف شاحنة مخصصة لنقل البضائع، تخدمها نحو 18 ألف شركة ومنشأة مرخص لها. وأكدت الهيئة العامة للنقل هذا الحجم عند إعلان جاهزية القطاع لدعم حركة البضائع واستدامة سلاسل الإمداد.
ويعني هذا أن مشروع نشر "آلاف الشاحنات سيكون كبيرا بالمقاييس العالمية الحالية، لكنه سيظل في مرحلته الأولى جزءا من الأسطول السعودي.
تشغيل خمسة آلاف شاحنة تمثل واحدا في المئة تقريبا من الأسطول الحالي. وعند تحويل 25 في المئة من 500 ألف شاحنة إلى القيادة الذاتية، وفق مستهدف استراتيجيا النقل البري، فهذا سيحقق أتمتة 125 ألف شاحنة.
وقد أُعلن في السعودية مستهدفان ضمن الرؤية:
الأول هو مشروع "هيوماين" و"أبلايد إنتويشن" لنشر آلاف الشاحنات في 2030.
والثاني هو المستهدف الأوسع بأن تكون 25 في المئة من مركبات نقل البضائع مزودة تقنيات القيادة الذاتية. وقد سبق عرض هذا المستهدف ضمن خريطة السعودية للتنقل الذاتي، كما ورد في المنتدى الاقتصادي العالمي.
ومن المتوقع ألا تشمل نسبة 25 في المئة جميع هذه المركبات نظام العمل بلا سائق في كل مكان. الأرجح أن تشمل درجات مختلفة من الأتمتة، من أنظمة مساعدة السائق المتقدمة إلى المستوى الرابع، الذي يسمح للمركبة بالقيادة بلا تدخل بشري داخل طرق وظروف محددة.
تشغيل خمسة آلاف شاحنة تمثل واحدا في المئة تقريبا من الأسطول الحالي. وعند تحويل 25 في المئة من 500 ألف شاحنة إلى القيادة الذاتية، وفق مستهدف استراتيجيا النقل البري، فهذا سيحقق أتمتة 125 ألف شاحنة
وبذلك يشكل المشروع الجديد نواة يمكن البناء عليها، للتوسع لما بعد 2030 إلى مئات الآلاف من المركبات ويوجد في السعودية نحو 16 مليون مركبة.
التجارب الدولية
الشاحنات الذاتية القيادة جديدة في السوق العالمية. وهناك تشغيل تجاري حقيقي في الولايات المتحدة وكندا والمناجم الكبرى، لكنه لا يزال محصورا في ممرات محددة وأعداد صغيرة بالمقارنة مع أساطيل النقل التقليدية.
في الولايات المتحدة، بدأت شركة "أورورا" في مايو/أيار 2025 رحلات تجارية منتظمة بشاحنات ثقيلة من الفئة الثامنة من دون سائق بين دالاس وهيوستن. ثم وسعت شبكتها إلى ممرات أخرى في ولايات الجنوب الأميركي. وأعلنت الشركة في فبراير/شباط 2026 أنها أنجزت 250 ألف ميل بلا سائق، وأنها تستهدف تشغيل أكثر من 200 شاحنة ذاتية القيادة في نهاية 2026. كما اختبرت مسارا يبلغ نحو ألف ميل بين فورت وورث وفينيكس، وهو أطول من المسافة التي يستطيع سائق واحد قطعها قانونيا دون توقف إلزامي للراحة.
شاحنة "بيتر بيلت 579" مجهزة بنظام القيادة الذاتية التابع لشركة "أورورا"، في محطة الشركة بمدينة بالمر، جنوب دالاس، تكساس، الولايات المتحدة، 23 سبتمبر/أيلول 2021
واختارت شركة "غاتيك" نموذجا مختلفا: شاحنات متوسطة تنقل البضائع على "الميل الأوسط" بين المستودعات والمتاجر، بدلا من الرحلات الطويلة العابرة للولايات. وقد نفذت عمليات تجارية لشركات مثل "وولمارت" و"بيبسيكو" و"كروغر" في الولايات المتحدة وكندا. وتتيح المسارات القصيرة والمتكررة للشركة التحكم في قدر أكبر من المتغيرات، وتجنب أكثر الطرق تعقيدا.
أما شركة "كودياك"، فقد بدأت من بيئة أكثر قربا إلى بعض الظروف السعودية: حقول النفط في حوض بيرميان بتكساس. وفي نهاية يونيو/حزيران 2026 بلغ أسطولها 35 شاحنة بلا أشخاص في المقصورة، تعمل في بيئة صحراوية قاسية لنقل مواد تستخدمها صناعة النفط والغاز. وأعلنت الشركة تجاوز 40 ألف ساعة من التشغيل المدفوع بلا سائق ونقل أكثر من 300 ألف طن خلال الربع الثاني وحده.
وفي اليابان، تعمل "أبلايد إنتويشن" نفسها مع شركة "إيسوزو" على مسار تجاري يبلغ طوله 450 كيلومترا. لكن الشاحنات اليابانية لا تزال تعمل مع سائق أمان، ضمن خطة للوصول إلى تشغيل من المستوى الرابع. وجود التقنية على الطريق لا يعني بالضرورة أن السائق أزيل من المقصورة.
أما داخل المناجم والمحاجر، فقد أصبحت الشاحنات الذاتية واقعا تجاريا منذ سنوات لدى شركات مثل "ريو تينتو"، باستخدام مركبات من "كوماتسو" و"كاتربيلر". لكن النجاح داخل منجم مغلق أسهل من السير على طريق عام مفتوح، لأن الموقع خاضع للسيطرة، ولا يضم سيارات عائلية ومشاة وسائقين يتصرفون بطرق غير متوقعة.
بالتالي، إذا نجحت السعودية فعلا في تشغيل آلاف من الشاحنات بلا سائق على طرق عامة في 2030، فإنها ستتجاوز من حيث العدد والشبكة ما هو قائم تجاريا في أي دولة حاليا.
الجدوى الاقتصادية
سعر الشاحنة الذاتية أعلى كثيرا من سعر الشاحنة التقليدية. فرأس القاطرة الثقيل الجديد قد يكلف بين 150 و220 ألف دولار، بينما يمكن أن تضيف أجهزة القيادة الذاتية والحساسات والحواسيب وأنظمة الأمان الاحتياطية ما بين 100 و150 ألف دولار أخرى.
بذلك قد تتراوح تكلفة الشاحنة المجهزة ذاتيا بين 250 و350 ألف دولار، أي ما يقارب 940 ألفا إلى 1.31 مليون ريال، قبل احتساب تكاليف الاستيراد والتجهيز المحلي ومحطات التشغيل والصيانة والاتصالات. لكن المقارنة بسعر الشراء وحده ليست كافية. فالشاحنة التقليدية قد تتوقف بسبب حدود ساعات عمل السائق وراحته ونومه، بينما تستطيع الشاحنة الذاتية نظريا العمل معظم ساعات اليوم، ولا تتوقف إلا لتزود الوقود والصيانة والتحميل والتفريغ.
إذا تمكن مشغل من رفع ساعات استخدام الشاحنة من ثماني أو عشر ساعات يوميا إلى عشرين ساعة، فقد تنقل الشاحنة الواحدة كمية من البضائع تحتاج حاليا إلى شاحنتين أو إلى سائقين يعملان بالتناوب. هنا تصبح القيمة الاقتصادية ناتجة من ثلاثة عناصر:
زيادة عدد الرحلات السنوية لكل شاحنة.
تقليص زمن وصول البضائع.
خفض تكلفة العمالة المرتبطة بالرحلات الطويلة.
وتتراوح رواتب سائقي النقل الثقيل في السعودية، بحسب نوع العمل والخبرة، بين نحو ألفي ريال للسائق المبتدئ وأكثر من سبعة آلاف ريال في النقل الدولي أو المتخصص، إضافة إلى السكن والتأمين والبدلات. مع ذلك، فإن راتب سائق واحد منخفض نسبيا إذا قورن بمئات الآلاف من الريالات التي تضيفها منظومة القيادة الذاتية إلى سعر الشاحنة.
تتراوح رواتب سائقي النقل الثقيل في السعودية، بحسب نوع العمل والخبرة، بين نحو ألفي ريال للسائق المبتدئ وأكثر من سبعة آلاف ريال في النقل الدولي أو المتخصص، إضافة إلى السكن والتأمين والبدلات
ويرى المختصون ان تكلفة سائق منخفض الأجر كما هو في سوق الشاحنات السعودية ليس كافيا لتقليل اهمية الاستثمار. الجدوى الأقوى ستظهر عندما تحل شاحنة تعمل معظم ساعات اليوم محل مركبتين، أو عندما توفر سائقين أو ثلاثة يعملون بنظام الورديات، أو عندما تكون البضائع سريعة التلف أو عالية القيمة ويشكل اختصار زمن النقل ميزة تجارية كبيرة وكذلك تقليل عدد الحوادث على الطرق المزدحمة.
خادم ذكي للذكاء الاصطناعي معروض في جناح شركة "هيوماين" خلال حفل افتتاح فعالية التكنولوجيا "ليب" في الرياض، المملكة العربية السعودية، 31 أغسطس/آب 2026
كما يُتوقع أن تتراجع تكلفة أنظمة القيادة الذاتية مع زيادة الإنتاج. فالجيل الثاني من بعض الأنظمة خفض تكلفة العتاد بنحو النصف، وهناك توقعات بانخفاض التكلفة الإضافية إلى عشرات الآلاف من الدولارات خلال العقد المقبل. لكن هذه التوقعات تعتمد على وصول الشركات إلى الإنتاج الصناعي الكبير.
ماذا سيحدث للسائقين؟
قطاع الشاحنات السعودي يعتمد على مئات الآلاف من السائقين، وغالبيتهم من العمالة غير السعودية. ففي عام 2023 أصدرت الهيئة أكثر من 147 ألف رخصة سائق لنقل البضائع على الحساب الخاص، وأكثر من 140 ألف رخصة لنقل البضائع على الطرق البرية. ولا تمثل أرقام سنة واحدة العدد الإجمالي للسائقين النشطين، لكنها تبين حجم سوق العمل المرتبط بالقطاع الذي يعمل فيه أكثر من ثلاثمائة ألف سائق معظمهم أجانب.
ومع تطور المشروع لن يختفي السائقون دفعة واحدة. فالتحول الأول سيتركز على الطرق الطويلة بين المراكز، بينما تظل القيادة البشرية مطلوبة داخل المدن والموانئ والمستودعات وفي الظروف الخارجة عن النطاق التشغيلي للنظام.
وقد تنشأ وظائف جديدة معظمها مناسبة أن يتولاها سعوديون تشمل:
مراقبة المركبات من مراكز تحكم بعيدة.
التدخل من بعد عند الحالات الاستثنائية.
صيانة الحساسات والحواسيب وأنظمة الكبح الاحتياطية.
إعداد الخرائط الرقمية وتحديثها.
تحليل الحوادث وبيانات التشغيل.
الأمن السيبراني.
تشغيل المحطات اللوجستية ونقل المقطورات داخل المدن.
عدد الوظائف الجديدة سيكون أقل من عدد وظائف القيادة التي تختفي على المدى الطويل. وبما أن غالبية سائقي الشاحنات الثقيلة غير سعوديين، فمن المرجح أن يظهر الأثر أولاً في تراجع استقدام السائقين، وهذا يوضح الفوارق بين إحلال التقنية محل البشر في بلد مثل الولايات المتحدة أو كندا وبين السعودية حيث ان الاولى يصعب تنفيذها خشية البطالة في حين ان دولا مثل السعودية فيها عمالة أجنبية. وفي المقابل، يمكن المشروع أن ينقل جزءا من سوق العمل من وظائف منخفضة الأجر إلى وظائف تقنية أعلى قيمة، إذا نجح فعلا في تدريب كوادر محلية ولم يقتصر الدور السعودي على شراء الأنظمة وتشغيلها.
السلامة... الاختبار الأصعب
يقول المتحمسون للقيادة الذاتية أن الحاسوب لا ينام، ولا يستخدم الهاتف، ولا يقود تحت تأثير الإرهاق، ويستطيع مراقبة الطريق باستمرار بواسطة الكاميرات والرادار والليدار.
وهذه مزايا مهمة في الرحلات الطويلة، حيث يمثل إرهاق السائق وتشتت الانتباه خطرا كبيرا. كما تستطيع الأنظمة الآلية الحفاظ على المسافة والسرعة، والاستجابة بسرعة للتوقف المفاجئ، وربط بيانات المركبة بحركة الطريق ومراكز التحكم.
لكن السلامة لا تُقاس بعدد الاختبارات والمحاكاة وحده، بل بالأداء في ملايين الكيلومترات وفي حالات نادرة يصعب توقعها. وتواجه السعودية تحديات خاصة:
الحرارة الشديدة وتأثيرها في الحواسيب والحساسات والإطارات.
العواصف الرملية وانخفاض الرؤية.
تراكم الغبار على الكاميرات وأجهزة الرادار.
دخول الحيوانات إلى الطرق غير المشبكة.
اختلاف جودة العلامات الأرضية بين طريق وآخر.
السيارات المتوقفة على جانب الطريق وسلوك بعض السائقين المفاجئ او السيء.
الحاجة إلى شبكة اتصالات في المناطق البعيدة.
وقد أظهرت تجربة "أورورا" حجم هذا التحدي، إذ قالت الشركة إن الأحوال الجوية قيّدت تشغيل شاحناتها في تكساس نحو 40 في المئة من الوقت خلال إحدى مراحل التشغيل قبل إدخال تحديثات للتعامل مع المطر والضباب والرياح. أما الرمال الكثيفة فهي مشكلة أكثر صعوبة، لأنها قد تعطل الرؤية البشرية والإلكترونية معا.
ولهذا تعمل "هيوماين" على أن تكون الشاحنة الذاتية أكثر من "جيدة في المتوسط"، حتى تثبت أنها أكثر أمانا من السائق البشري في كل ممر يسمح لها باستخدامه، وأن توجد آلية فورية لإيقافها أو التحكم فيها عندما تتدهور الظروف.
العقبات المحتملة
الإعلان لم يكشف حتى الآن قيمة الاستثمار، أو أسماء مصنعي الشاحنات، أو عدد المركبات الدقيق، أو الممرات الأولى، أو الجدول السنوي للتشغيل. كما لم يوضح هل ستشتري شركات النقل الشاحنات، أم ستدفع مقابل خدمة "السائق الإلكتروني"، أم ستنشئ "هيوماين" وشركاؤها أسطولا مستقلا يقدم خدمات النقل.
كذلك من المتوقع أن تعمل الجهات التشريعية مع وزارة النقل على إطار قانوني يجيب عن أسئلة ذات علاقة بالمسؤولية وكيف ستحقق الشرطة في قرار اتخذته خوارزميات.
هناك أيضا مخاطر الأمن السيبراني. فالشاحنة المتصلة بمركز بيانات ليست مجرد مركبة، بل جزء من شبكة رقمية وطنية. وأي اختراق واسع قد يعطل أسطولا كاملا أو يهدد حركة البضائع. ولذلك ستكون حماية البرمجيات والاتصالات ومفاتيح التحكم جزءا من أمن سلاسل الإمداد، لا مجرد مهمة تقنية.
النتائج الإيجابية… تغيير أعمق من الشاحنات
إذا نجح المشروع المعلن عنه، فإن أثره لن يقتصر على خفض راتب السائق، بل قد يعيد تنظيم حركة الشحن في البلاد.
يمكن أن تنتقل البضائع بين الدمام والرياض أو جدة والرياض طوال الليل، وتصل المصانع والمستودعات وفق جداول أكثر دقة. وقد يرتفع استغلال الشاحنات وتنخفض الحاجة إلى تخزين كميات كبيرة تحسبا لتأخر الشحنات. كما يمكن الموانئ توزيع تدفق الحاويات على مدار اليوم بدلا من تركيز الحركة في ساعات معينة.
وقد تساعد البيانات المتصلة في توقع الأعطال قبل وقوعها، واختيار المسارات الأقل ازدحاما، وتقليل الرحلات الفارغة، وربط الشاحنة مباشرة بأنظمة الميناء والمستودع والجمارك ومواعيد التحميل.
وإذا جمعت السعودية بين الشاحنات الذاتية والموانئ الآلية والمناطق اللوجستية والسكك الحديد، فقد تتحول التقنية إلى عنصر يدعم هدف المملكة في أن تصبح مركزا يربط الخليج والبحر الأحمر وآسيا وأوروبا وأفريقيا.
النتائج لن تكون تلقائية وفورية، فقد تظل الشاحنات الذاتية أغلى من التقليدية إذا لم تعمل لساعات كافية، وقد تتأخر الموافقات التنظيمية.
يمكن أن تنتقل البضائع بين الدمام والرياض أو جدة والرياض طوال الليل، وتصل المصانع والمستودعات وفق جداول أكثر دقة
لهذا يمكن النظر إلى عام 2030 باعتباره بداية الشبكة وليس نهايتها وسيكون محل مراقبة العدد من الدول والشركات كأول نموذج واسع ومتكامل.
لن يكون تقييم النجاح بعدد الشاحنات التي تظهر في الاحصائيات بل بعدد الكيلومترات التي تقطعها بلا حوادث، ونسبة الوقت الذي تعمل فيه فعليا، ومقدار خفض تكلفة الطن المنقول، وسرعة الرحلات، وعدد الشركات التي تجد في التقنية جدوى تجارية من دون دعم دائم.
المشروع السعودي طموح بلا شك، وربما يكون الأكبر عالميا إذا تحولت آلاف الشاحنات المعلنة إلى تشغيل تجاري فعلي. لكنه أيضا سباق مع الزمن: فالانتقال من عشرات الشاحنات التي تعمل اليوم في ممرات أميركية محدودة كما هي التجربة القائمة في الولايات المتحدة إلى آلاف المركبات على طرق دولة كاملة مثل السعودية خلال أقل من أربع سنوات سيمثل قفزة هائلة. وإذا نجحت القفزة فستكون السعودية قد بنت أول شبكة لوجستية وطنية يقودها الذكاء الاصطناعي.