هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العلاقة بين واشنطن والخليج؟

النفط لم يعد وحده

 Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العلاقة بين واشنطن والخليج؟

لم تعد أهمية الخليج في الحسابات الأميركية تقاس فقط ببراميل النفط وممرات الملاحة والقواعد العسكرية. فمع صعود الذكاء الاصطناعي، بدأت دول مجلس التعاون تتحول إلى شريك في البنية المادية التي تقوم عليها التكنولوجيا الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي.

وتكشف الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للخليج عن هذا التحول بوضوح. فالملفات الأمنية التقليدية، من إيران إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز، ظلت حاضرة بقوة، لكنها لم تعد وحدها كافية لشرح عمق العلاقة بين واشنطن والعواصم الخليجية، فهناك طبقة جديدة تتشكل فوق العلاقات القديمة، طبقة الحوسبة والشرائح ومراكز البيانات والطاقة الرقمية.

جاءت جولة روبيو في الإمارات والكويت والبحرين، بين 23 و25 يونيو/حزيران 2026، في توقيت إقليمي حساس. وشملت الزيارة اجتماعا في البحرين مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، صدر بعده تأكيد للشراكة الاستراتيجية وأمن الخليج وحرية الملاحة، مع التشديد على التعامل مع برنامج إيران الصاروخي ودورها الإقليمي. ظاهريا، كانت الزيارة امتدادا للسياسة الأميركية التقليدية في المنطقة، القائمة على طمأنة الحلفاء وحماية الممرات البحرية ومراقبة التوازنات الإقليمية.

لكن قراءة الزيارة من هذه الزاوية وحدها تبدو ناقصة. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الشعارات بقدر ما تُبنى على المصالح. وكلما تعددت مجالات المصالح بين طرفين، أصبحت العلاقة أعمق وأكثر صعوبة في التفكيك. ومن هذه الزاوية، لم تعد أهمية الخليج بالنسبة إلى واشنطن محصورة في النفط أو الموقع الجغرافي أو القواعد العسكرية. لقد أصبح الخليج أيضا شريكا في الاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة.

أرض وكهرباء

غالبا ما يجري الحديث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره عالما من البرمجيات والنماذج اللغوية والتطبيقات الرقمية. لكن هذا التصور يخفي جانبا ماديا ضخما. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى شرائح متقدمة، ومراكز بيانات واسعة، وكهرباء مستقرة، وأنظمة تبريد، وأراض قابلة للتطوير، وشبكات اتصال، وتمويل طويل الأجل، وبيئة سياسية وأمنية تسمح بتشغيل هذه البنية دون اضطراب.

تمتلك دول مجلس التعاون نحو 106 مراكز بيانات قائمة و77 مركزا آخر قيد التطوير. كما تتجاوز القدرة الحالية لمراكز البيانات في الخليج 850 ميغاواط، بينما تقترب القدرة المستقبلية المخططة من 3.5 جيغاواط

هنا تظهر أهمية دول الخليج التي تملك عناصر يصعب أن تجتمع بهذا الشكل عند كثير من حلفاء الولايات المتحدة من فوائض مالية وصناديق سيادية ضخمة، وموارد طاقة، ومساحات قابلة للتطوير، وحكومات قادرة على اتخاذ قرارات استثمارية كبرى بسرعة، إضافة إلى موقع جغرافي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، في تركيبة تجعل المنطقة مؤهلة لتكون منصة صاعدة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتشير تقديرات سوقية إلى أن دول مجلس التعاون تمتلك نحو 106 مراكز بيانات قائمة و77 مركزا آخر قيد التطوير. كما تتجاوز القدرة الحالية لمراكز البيانات في الخليج 850 ميغاواط، بينما تقترب القدرة المستقبلية المخططة من 3.5 جيغاواط. وهناك توقعات بضخ نحو 8.5 مليار دولار في مراكز بيانات جديدة في المنطقة في حلول عام 2027. هذه الأرقام لا تجعل الخليج منافسا مباشرا للمراكز الأميركية أو الأوروبية الأكبر والأكثر نضجا، لكنها تكشف اتجاها مهما، فالمنطقة لم تعد تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها خدمة تُستورد فقط، بل باعتبارها بنية تُبنى على الأرض.

REUTERS
التقى رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ووزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية ماركو روبيو، في مطعم زوما بجزيرة المارية بأبوظبي

وتزداد أهمية هذه الميزة عند مقارنتها بأوروبا. فالأسواق الأوروبية تملك خبرة تنظيمية عميقة، وجامعات ومراكز بحثية قوية، وشركات متقدمة في قطاعات متعددة. لكنها تواجه في الوقت نفسه اختناقات حادة في شبكات الكهرباء والطاقة. وتشير تقديرات دولية إلى أن انتظار ربط مراكز البيانات الجديدة بالشبكات الكهربائية في الاتحاد الأوروبي قد يتراوح بين عامين وعشرة أعوام، بينما تصل مدة الانتظار في بعض المراكز الكبرى مثل فرانكفورت ولندن وأمستردام وباريس ودبلن إلى سبعة أو عشرة أعوام في المتوسط.

هذه المقارنة لا تعني أن الخليج تجاوز أوروبا في التكنولوجيا أو البحث العلمي، لكنها تكشف نقطة مختلفة، فأوروبا قوية في التنظيم والأسواق والخبرة، بينما يملك الخليج قدرة أسرع على توفير العناصر المادية التي تحتاجها مراكز البيانات، مثل الأرض والطاقة والتمويل وسرعة القرار. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تقل هذه العناصر أهمية عن البرمجيات نفسها.

من مستهلك إلى شريك

التحول الخليجي في ملف الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على بناء مراكز بيانات، فهناك أيضا جاهزية حكومية ورؤية سياسية واضحة. يقيس مؤشر "أوكسفورد إنسايتس" لجاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي قدرة 195 حكومة على توظيف الذكاء الاصطناعي في السياسات العامة والخدمات والتنظيم. وفي نسخة عام 2025، جاءت السعودية في المركز الأول في الشرق الأوسط والخامس عشر عالميا، والإمارات في المركز التاسع عشر، مما يضع دولتين خليجيتين ضمن أول عشرين دولة في العالم. وجاءت البحرين في المركز الثامن والأربعين، وقطر في المركز الرابع والخمسين، وعُمان في المركز الحادي والستين، والكويت في المركز الثالث والثمانين.

إذا كانت دول الخليج تملك جزءا مهما من البنية التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي، فإن الولايات المتحدة تملك الجزء الأكثر حساسية، الشرائح المتقدمة، والنماذج الكبرى، والحوسبة السحابية، والشركات القادرة على تشغيل المنظومة

وتظهر الصورة نفسها في تصنيف مجموعة بوسطن الاستشارية لجاهزية الذكاء الاصطناعي في المنطقة. فالسعودية والإمارات تبرزان ضمن فئة الدول المنافسة في الذكاء الاصطناعي، أي الدول الأقرب إلى القيادة الإقليمية في هذا المجال، بينما تأتي البحرين والكويت وعُمان وقطر ضمن فئة الدول المطبقة للذكاء الاصطناعي، وهي دول دخلت مرحلة التنفيذ وبناء الاستراتيجيات، لكنها لا تزال أقل نضجا من حيث حجم البنية والاستثمار والقدرة على التوسع.

هذا التفاوت مهم، لكنه لا يلغي الاتجاه العام. فدول مجلس التعاون كلها تتحرك نحو دمج الذكاء الاصطناعي في خططها الاقتصادية. السعودية تربط هذا الملف برؤية 2030 وبناء اقتصاد متنوع أقل اعتمادا على النفط. والإمارات تضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجية حكومية ممتدة حتى 2032. وتعمل قطر وعُمان والبحرين والكويت على خطط للتحول الرقمي وتحديث الخدمات الحكومية وتعزيز الاقتصاد المعرفي.

بمعنى آخر، لا تتعامل دول الخليج مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعا تكنولوجيا منفصلا، بل باعتباره أداة لإعادة بناء مصادر القوة الاقتصادية بعد النفط. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع كفاءة الإدارة العامة، ويدعم الرعاية الصحية والتعليم والنقل والطاقة، ويفتح مجالات جديدة للاستثمار والتوظيف، ويمنح الحكومات أدوات أكثر قدرة على تحليل البيانات والتخطيط.

الشرائح الأميركية مقابل الطاقة الخليجية

إذا كانت دول الخليج تملك جزءا مهما من البنية التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي، فإن الولايات المتحدة تملك الجزء الأكثر حساسية، الشرائح المتقدمة، والنماذج الكبرى، والحوسبة السحابية، والشركات القادرة على تشغيل المنظومة. لذلك لا تنظر واشنطن إلى الخليج كسوق تشتري التكنولوجيا فقط، بل كشريك يمكن أن يساعد في تمويل وبناء وتشغيل جزء من البنية العالمية للذكاء الاصطناعي.

تظهر هذه المعادلة بوضوح في الإمارات. فقد أعلنت واشنطن وأبوظبي اتفاقا في الذكاء الاصطناعي يدعم إطارا استثماريا إماراتيا في الولايات المتحدة بقيمة 1.4 تريليون دولار خلال عشر سنوات.

والأهم أن الاتفاق يتضمن التزاما إماراتيا للاستثمار أو البناء أو التمويل في مراكز بيانات داخل الولايات المتحدة بحجم وقوة لا يقلان عن مراكز البيانات التي تبنيها الإمارات على أراضيها. المعنى السياسي والاقتصادي واضح: واشنطن لا تسمح فقط بنمو البنية الرقمية الإماراتية، بل تربط هذا النمو باستثمارات مقابلة داخل الولايات المتحدة وبضمانات تمنع تسرب التكنولوجيا الأميركية إلى أطراف منافسة.

أعلنت شركة "هيوماين" المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، شراكة مع "إنفيديا" لبناء مصانع ذكاء اصطناعي في المملكة بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط

ويتضح الأمر أكثر في مشروع "ستارغيت الإمارات" في أبوظبي. المشروع عبارة عن كتلة حوسبة بقدرة جيغاواط واحد، ضمن حرم أوسع للذكاء الاصطناعي بقدرة مخططة تصل إلى 5 جيغاواط. ومن المتوقع أن يبدأ أول 200 ميغاواط من المشروع العمل في عام 2026، بمشاركة جهات وشركات منها "جي 42" و"أوبن إيه آي" و"أوراكل" و"إنفيديا" و"سيسكو" و"سوفت بنك". فالإمارات توفر الأرض والطاقة والاستثمار، والشركات الأميركية توفر الشرائح والنماذج والسحابة والأمن الرقمي.

وفي السعودية، تسير المعادلة في اتجاه مشابه. فقد أعلنت شركة "هيوماين" المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، شراكة مع "إنفيديا" لبناء مصانع ذكاء اصطناعي في المملكة بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط. وتشمل المرحلة الأولى حاسوبا فائقا يضم 18 ألف شريحة من طراز "إنفيديا جي بي 300 غريس بلاكويل" مع خطة لاستخدام عدة مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسوم المتقدمة خلال خمس سنوات. كما دخلت شركة "إيه إم دي" الأميركية في تعاون مع "هيوماين" بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار لنشر قدرة حوسبة للذكاء الاصطناعي خلال خمس سنوات.

هذه الأرقام تعني أن السعودية لا تتحرك كمستهلك لتطبيقات الذكاء الاصطناعي فقط، بل تسعى إلى بناء قدرة حوسبة ضخمة مرتبطة بالتكنولوجيا الأميركية. وهذا مهم استراتيجيا بالنسبة إلى واشنطن. فكلما ارتبطت البنية الرقمية الخليجية بالشرائح الأميركية والسحابة الأميركية والمعايير الأميركية، تراجعت مساحة النفوذ التكنولوجي الصيني في منطقة شديدة الأهمية.

أمن قومي

لا يمكن فصل هذه الصفقات عن سياسة تصدير الشرائح. فالولايات المتحدة تنظر إلى أشباه الموصلات المتقدمة باعتبارها جزءا من أمنها القومي، لا مجرد سلعة تجارية. وتخشى واشنطن من وصول الشرائح الأكثر تقدما إلى الصين، سواء بشكل مباشر أو عبر دول ثالثة. لذلك جاءت إدارة بايدن في يناير/كانون الثاني 2025 بقاعدة لتنظيم انتشار الذكاء الاصطناعي وتصدير الشرائح المتقدمة، بهدف ضبط الوصول العالمي إلى هذه التكنولوجيا.

AFP
ضيوف قمة الذكاء الاصطناعي العالمية 2020 في العاصمة السعودية الرياض التي نظمتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي والأمانة السعودية لمجموعة العشرين

لكن هذه السياسة لم تغلق الباب أمام الخليج. فقد ظهرت صفقات مثل استثمار "مايكروسوفت" في "جي 42" الإماراتية بقيمة 1.5 مليار دولار، وهي صفقة ارتبطت بضمانات أمنية وبابتعاد الشركة الإماراتية عن التكنولوجيا الصينية الحساسة. ومع إدارة ترمب تغير الأسلوب. ففي مايو/أيار 2025 ألغت وزارة التجارة الأميركية قاعدة بايدن الخاصة بانتشار الذكاء الاصطناعي، وبدأت الإدارة تتحرك في اتجاه صفقات مباشرة مع شركاء تعتبرهم واشنطن أكثر موثوقية. وفي الشهر نفسه، ذكرت تقارير أن الولايات المتحدة كانت تقترب من اتفاق يسمح للإمارات باستيراد 500 ألف شريحة "إنفيديا" متقدمة سنويا بدءا من 2025.

هذا لا يعني أن الطريق خال من المخاطر، فمراكز البيانات تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء والمياه أو موارد التبريد، وقد تفرض ضغوطا على شبكات الطاقة إذا لم تُبن وفق تخطيط طويل الأجل

لا يعني هذا التحول تحريرا كاملا لتصدير الشرائح، بل يعني انتقال واشنطن من سياسة عامة واسعة إلى تفاهمات أكثر انتقائية مع شركاء بعينهم. ويحاول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، أن يكون ضمن هذه الدائرة الموثوق بها. فالمنطقة تريد الوصول إلى الشرائح والنماذج المتقدمة، والولايات المتحدة تريد ضمان أن هذا الوصول لن يتحول إلى ثغرة في سياستها تجاه الصين.

ولا يقتصر التعاون على السعودية والإمارات، فقد وقعت قطر اتفاقا لمدة خمس سنوات مع شركة "سكيل إيه آي" الأميركية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، مع أكثر من 50 حالة استخدام محتملة. أما الكويت، فقد دخلت من بوابة التمويل السيادي، بعد انضمام هيئة الاستثمار الكويتية إلى شراكة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مع "بلاك روك" و"مايكروسوفت" و"إم جي إكس" و"غلوبال إنفراستراكتشر بارتنرز"، وتستهدف هذه الشراكة تعبئة 30 مليار دولار من رأس المال، وقد تصل إلى 100 مليار دولار مع التمويل بالديون.

علاقة أعمق

ما يجري لا يبدو مجرد موجة صفقات تكنولوجية عابرة. فالذكاء الاصطناعي يعيد تعريف طبيعة العلاقة الأميركية الخليجية. في الماضي، كانت الولايات المتحدة ترى الخليج أساسا من زاوية الطاقة والأمن والاستقرار الإقليمي. أما اليوم، فهي تنظر إليه أيضا كمساحة قادرة على استيعاب التوسع العالمي في الحوسبة والبيانات. وفي المقابل، تدرك دول الخليج أن طموحها في بناء اقتصاد ما بعد النفط لا يمكن أن يكتمل من دون الوصول إلى الشرائح الأميركية المتقدمة والسحابة والنماذج الكبرى والخبرة التقنية.

هذا لا يعني أن الطريق خال من المخاطر، فمراكز البيانات تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء والمياه أو موارد التبريد، وقد تفرض ضغوطا على شبكات الطاقة إذا لم تُبن وفق تخطيط طويل الأجل. كما أن بناء قدرة حوسبة ضخمة لا يكفي وحده لصناعة اقتصاد ذكاء اصطناعي متكامل. فالمنطقة تحتاج أيضا إلى كوادر بشرية، وأنظمة تنظيمية واضحة، وحماية للبيانات، وقدرة بحثية محلية، وسياسات توازن بين الابتكار والخصوصية والأمن.

font change

مقالات ذات صلة