6 أسباب تجعل الرواتب الحكومية في العراق رهينة الأزمات

دولة توظف الجميع ولا تملك رصيد الرواتب

رويترز
رويترز
عامل يعمل في محطة للطاقة الشمسية، في البصرة، العراق، 21 أبريل 2026

6 أسباب تجعل الرواتب الحكومية في العراق رهينة الأزمات

كيف يمكن لدولة نفطية كالعراق، تعتبر ثاني أكبر منتج للنفط الخام في "أوبك" بعد السعودية، بإنتاج بلغ نحو 4 مليون برميل يوميا في 2024، أن تجد نفسها أمام أزمة سيولة تهدد قدرتها على دفع رواتب موظفيها؟ المفارقة تكشف هشاشة نموذج مالي يعتمد على النفط لتمويل دولة يتضخم إنفاقها الجاري بوتيرة أسرع من قدرتها على توليد إيرادات بديلة.

6 أسباب جوهرية تختصر هذه المشكلة المتكررة كل مرة بسيناريو مختلف.

1 - النفوذ الأميركي عبر النظام المالي بالدولار

تملك الولايات المتحدة أدوات ضغط مالية قوية على العراق ونفوذا اقتصاديا مهما، في ظل اعتماد المالية العامة العراقية بنسبة تفوق 80 في المئة على إيرادات النفط، التي تمر عبر النظام المالي بالدولار وحسابات العراق لدى الاحتياطي الفيديرالي في نيويورك. وبالتالي، يتأثر الاقتصاد مباشرة بالقيود والعقوبات على الاقتصاد الإيراني، إذ توجد العشرات من الشركات الممنوعة من استخدام الدولار الأميركي والعملات الأخرى، في خطوة قد تجعل الاقتصاد العراقي معزولا في حال عدم انتهاء ملف الفصائل المسلحة بعد سبتمبر/أيلول المقبل.

كيف ذلك؟

تودع عائدات صادرات النفط العراقي بالدولار في حساب "عراق 2" (IRAQ2) المرتبط بالبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيديرالي، ضمن ترتيب يهدف إلى حماية الأموال من مطالبات الدائنين. ويبلغ الدين الحكومي الخارجي للعراق نحو 55 مليار دولار عام 2025، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. ويعود جزء كبير من الديون القديمة إلى الاقتراض الذي تراكم خلال الحرب العراقية–الإيرانية التي تجاوزت 130 مليار دولار في 2003، وقد جرى إسقاط أو إعادة هيكلة جزء كبير منها ، قبل أن تخضع لاحقا لعمليات إعفاء وإعادة هيكلة واسعة.

وبحسب نائب محافظ البنك المركزي العراقي عمار حمد خلف، تودع عائدات صادرات النفط الخام في حساب "عراق 2"، قبل تحويلها إلى حساب البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيديرالي خلال 24 ساعة من استلامها. تستند هذه الآلية إلى مذكرة تفاهم بين وزارة المالية العراقية والبنك المركزي العراقي وُقعت في 2 يونيو/حزيران 2014. وتشمل الحصانة المشار إليها الأموال السيادية فقط ولا تشمل الأموال المستخدمة لأغراض تجارية.

أدت القيود الأميركية وتشديد ضوابط الوصول إلى الدولار إلى تراجع قيمة الدينار العراقي في السوق الموازية بنحو 17 في المئة في يوليو/تموز 2023، مع اتساع الفارق بين السعرين الرسمي والموازي

وفي أبريل/نيسان 2024، حذّر المركزي العراقي من أن إغلاق الحساب قد يعرّض العراق لمطالبات دولية ويعوق تسوية مدفوعاته بالدولار، إذ لا يمكن تنفيذ هذه العمليات من دون حساب لدى الاحتياطي الفيديرالي أو بنك تجاري أميركي آخر.

وخلال السنوات الأخيرة، شددت واشنطن وبغداد القيود على وصول المصارف وشركات الدفع العراقية إلى الدولار، في إطار مكافحة غسل الأموال وتهريب العملة ومنع وصول الدولار إلى إيران ووكلائها. وفي أغسطس/آب 2025، كان 35 مصرفا عراقيا من أصل 72 قد فقدوا إمكان التعامل بالدولار، فيما استمرت القيود على شركات خدمات الدفع.

كما أن "رويترز" وثقت في فبراير/شباط 2025 حظر خمسة مصارف وثلاث شركات خدمات دفع من التعامل بالدولار، بعد اجتماعات بين المركزي العراقي ووزارة الخزانة والاحتياطي الفيديرالي الأميركي. وفي أبريل/نيسان 2026، أوقفت إدارة ترمب شحنات من العملة الأميركية إلى العراق، شملت نحو 500 مليون دولار من أموال النفط العراقية كانت تُحوّل عبر الاحتياطي الفيديرالي ثم تُشحن نقدا إلى بغداد، في خطوة أظهرت مدى حساسية النظام المالي العراقي تجاه القرارات الأميركية.

.أ.ف.ب
ارتال من الجيش ومركبات الجيش العراقي، بالقرب من الحدود السورية شمال العراق 22 يناير 2026

وأدت القيود الأميركية وتشديد ضوابط الوصول إلى الدولار إلى تراجع قيمة الدينار العراقي في السوق الموازية بنحو 17 في المئة في يوليو/تموز 2023، مع اتساع الفارق بين السعرين الرسمي والموازي. واقترب الدولار في السوق الموازية من 1,750 دينارا في يناير/كانون الثاني 2023، مقارنة بسعر نافذة بيع العملة البالغ 1,460 دينارا في 2022. وفي فبراير/شباط 2023، أعاد البنك المركزي تحديد هيكل سعر الصرف، ليبلغ سعر بيع الدولار للمستفيد النهائي 1,320 دينارا. ويعكس ذلك مدى اعتماد الاقتصاد العراقي على النظام المالي بالدولار، إذ تؤثر القيود على وصول المصارف إلى العملة الأميركية مباشرة في تمويل التجارة الخارجية وحركة الأموال داخل الاقتصاد، من دون أن يعني ذلك أن العراق يعتمد بالكامل على موافقات أميركية لإتمام دورة رأس المال.

فإذا تعلقت شحنات الدولار النقدي إلى العراق، كما حدث في أبريل/نيسان الماضي وسط تصاعد التوترات الإقليمية والحرب مع إيران، تأثرت قدرة البنك المركزي على تلبية الطلب المحلي على الدولار النقدي، ما قد يزيد الضغوط على سعر صرف الدينار.

خفض البنك المركزي العراقي في مرحلة سابقة حصة المسافر من النقد الأجنبي من 7 آلاف إلى ألفي دولار، قبل أن يعيد تحديدها عند 3 آلاف دولار ثم يخفضها مجددا إلى ألفي دولار في يوليو

بالإضافة إلى ذلك، بدأ العراق في أواخر عام 2022 ومطلع عام 2023، تطبيق آلية جديدة للتحويلات الخارجية، شملت تدقيقا مسبقا للحوالات عبر منصة إلكترونية، في إطار تشديد متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والامتثال للمعايير الدولية. وتعاقد المركزي العراقي مع شركة "كاي تو إنتغريتي" (K2 Integrity) الأميركية لمراجعة طلبات الحوالات بالدولار، إلى جانب شركات دولية أخرى، ضمن آلية للتدقيق المسبق قبل تنفيذ التحويلات عبر المصارف المراسلة.

وبعد هذه المرحلة، انتقل العراق اعتبارا من عام 2025 إلى التحويلات المباشرة بين المصارف العراقية والبنوك المراسلة.

رويترز
يشرف أحد العمال على إنتاج حديد التسليح بينما يُصب المعدن المنصهر المصنوع من الخردة المعاد تدويرها في مصنع للحديد والصلب في البصرة، العراق، 8 فبراير 2026.

وفي بدايات تطبيق المنصة، وصلت نسبة رفض المعاملات إلى نحو 80 في المئة، قبل أن تنخفض لاحقا إلى أقل من 5 في المئة مع تطوير النظام وتحسين البيانات المطلوبة.

بالإضافة إلى ذلك، خفض البنك المركزي العراقي في مرحلة سابقة حصة المسافر من النقد الأجنبي من 7 آلاف إلى ألفي دولار، قبل أن يعيد تحديدها عند 3 آلاف دولار ثم يخفضها مجددا إلى ألفي دولار في يوليو/تموز الماضي. ولا يعني تعليق شحنات الدولار النقدية بالضرورة تجميد أرصدة العراق أو وقف قنوات تمويل التجارة الإلكترونية، لكنه يحد من توافر السيولة الدولارية النقدية في السوق المحلية، ما قد يزيد الطلب على الدولار في السوق الموازية ويفاقم الضغوط على سعر صرف الدينار.

2 - انخفاض واردات النفط

مع استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، تواجه المالية العراقية واحدة من أشد أزماتها منذ عام 2003، بعدما تراجعت صادرات النفط العراقية بنحو 90 في المئة، وفق مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية مظهر محمد صالح.

هبطت عائدات النفط إلى نحو 1.5 مليار دولار شهريا، مقابل 7 إلى 8 مليارات دولار قبل الحرب واضطراب الملاحة عبر هرمز

وزير النفط العراقي باسم العبد الله

وقدّر صالح خسائر العراق من الإيرادات بنحو 40 إلى 45 مليار دولار حتى يونيو/حزيران 2026، محذرا من أن الخسائر قد تقترب من 50 مليار دولار إذا استمر اضطراب الملاحة في المضيق. وتكتسب الصدمة أهمية استثنائية بالنسبة إلى العراق، لأن معظم صادراته النفطية تمر عبر الموانئ الجنوبية المطلة على الخليج، ما يجعل أي تعطل في حركة الملاحة ينعكس سريعا على تدفقات النقد إلى الخزينة.

وتظهر حدة الصدمة في الإيرادات الشهرية؛ إذ قال وزير النفط باسم العبد الله إن عائدات النفط هبطت إلى نحو 1.5 مليار دولار شهريا، مقابل 7 إلى 8 مليارات دولار قبل الحرب واضطراب الملاحة عبر هرمز. وبذلك فقدت الخزينة العراقية نحو 5.5 إلى 6.5 مليارات دولار من الإيرادات النفطية الشهرية مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، في وقت بقيت فيه الالتزامات الحكومية، وفي مقدمتها الرواتب والمعاشات، مرتفعة وثابتة نسبيا.

أ.ف.ب.
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في مقر الحكومة 28 أبريل 2026

وهنا تكمن خطورة الأزمة، إذ إن العراق لا يواجه نقصا في النفط تحت الأرض، بل اختناقا في قدرته على تحويل النفط المنتج إلى إيرادات نقدية. فقبل الأزمة كان العراق يصدّر نحو 3.5 مليون برميل يوميا عبر هرمز، بينما أدت اضطرابات الملاحة إلى خفض كبير في الكميات القابلة للتصدير، مما دفع بغداد إلى البحث عن مسارات بديلة عبر تركيا وسوريا لتقليل اعتمادها على الممر البحري.

وهذا هو ما يحوّل أزمة هرمز من أزمة تجارية ونفطية إلى أزمة سيولة في الموازنة. فكل يوم تتعطل فيه الصادرات يعني مليارات الدولارات أقل تدخل إلى الدورة المالية للدولة، بينما تستمر الرواتب والمعاشات والدعم والالتزامات الحكومية في الاستحقاق.

3- تضخم الجهاز الحكومي وفاتورة الأجور

في المقابل، تحتاج الحكومة إلى أكثر من 8 مليار دولار شهريا لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية، مما يعني أن الإيرادات النفطية الحالية لا تغطي سوى نحو 18 في المئة من هذه الاحتياجات، وتترك فجوة تمويلية تقارب 82 في المئة.

وللمقاربة، قال رئيس مجلس الخدمة العامة الاتحادي في يونيو/حزيران 2026، إن هناك نحو 4.6 مليون موظف حكومي في العراق. وتشير إحدى الدراسات الحديثة إلى أن نحو 80 في المئة من القوى العاملة الحكومية تتركز في خمس جهات، هي التربية (963.9 ألفا)، والداخلية (701.4 ألف)، وحكومة إقليم كردستان (682 ألفا)، والصحة (488.3 ألفا)، والدفاع (454 ألفا)، بما يعكس غلبة الطابعين الأمني والخدمي على هيكل التوظيف مقابل محدودية القطاعات الإنتاجية. كما تُظهر البيانات تركز أكثر من ثلثي الموظفين في الدرجات الوظيفية المتوسطة والدنيا، مقابل 768 موظفا فقط في الدرجات العليا من الفئة "أ" ونحو 5,407 في الفئة "ب".

القطاع العام هو أكبر مشغّل في الاقتصاد العراقي، ويستحوذ على نحو 40 في المئة من إجمالي العمالة، وهي نسبة وصفت بأنها مرتفعة جدا مقارنة بالمعايير الإقليمية والعالمية

ووفق تحليل لبيانات 2023، بلغ متوسط راتب الموظف المدني نحو 966 ألف دينار شهريا، أي ما يعادل نحو 734 دولارا وفق متوسط سعر الصرف 1,310 دينار للدولار. لكن الفوارق كبيرة، إذ تجاوز متوسط بعض الجهات البرلمانية 3 ملايين دينار (2,280 دولارا)، وبلغ نحو 2.6 مليون دينار في وزارة الخارجية (قرابة 1,976 دولارا)، بينما كان متوسط موظفي التربية والزراعة والنقل أقل من 600 ألف دينار (نحو 456 دولارا).

وفي عام 2024، قال صندوق النقد الدولي إن القطاع العام هو أكبر مشغّل في الاقتصاد العراقي، ويستحوذ على نحو 40 في المئة من إجمالي العمالة، وهي نسبة وصفها بأنها مرتفعة جدا مقارنة بالمعايير الإقليمية والعالمية.

كما أشار إلى أن عدد العاملين في القطاع العام نما بمتوسط 12 و7 في المئة سنويا خلال العقدين الماضيين، أسرع بكثير من نمو الاقتصاد والقوة العاملة. وفي عام 2023، قدّر الصندوق أن رواتب القطاع العام كانت تغطي أكثر من 35 في المئة من قوة العمل، ووصلت فاتورة الأجور الحكومية إلى نحو 19.8 في المئة من الناتج المحلي في 2020، أي ما يقارب نصف الإنفاق الجاري آنذاك. ولعل الأهم هو أن صندوق النقد وصف في 2025 سياسات التوظيف الحكومي الحالية وتكاليف الأجور الناتجة منها بأنها غير مستدامة، في ظل ضعف الإيرادات غير النفطية.

أ.ف.ب.
يقوم أحد العاملين في مجال الصرافة بعدّ الدنانير العراقية في شركته بمدينة البصرة جنوب العراق في 12 ديسمبر 2023.

بالتالي، كل وظيفة حكومية جديدة تخلق التزاما ماليا مستمرا يشمل الراتب والمخصصات ثم التقاعد لاحقاً. لذلك، عندما تكون أسعار النفط مرتفعة، تستطيع الدولة تحمل التوسع في التوظيف. لكن عندما تتراجع الإيرادات، تجد نفسها أمام ملايين الرواتب التي يصعب خفضها سياسيا واجتماعيا.

ولم يُبنَ هذا التضخم في الجهاز الحكومي بالكامل استجابة لاحتياجات فعلية للدولة، بل ارتبط بدرجة كبيرة بالنظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، والقائم على المحاصصة وتقاسم النفوذ بين القوى السياسية. ومع توسع هذا النظام، تحولت الوظيفة الحكومية إلى إحدى أهم أدوات الزبائنية السياسية حسب البنك الدولي؛ إذ تنافست الأحزاب على السيطرة على الوزارات وموازناتها وكشوف رواتبها، واستخدمت التعيينات والمناصب لبناء شبكات من الأنصار والموالين والأقارب.

وتشير دراسات البنك الدولي و"تشاتام هاوس" إلى أن التوظيف والترقية في قطاعات من الخدمة المدنية ابتعدا عن معايير الجدارة، وأصبح الوصول إلى الوظيفة الحكومية مرتبطا في حالات كثيرة بالانتماء أو الولاء السياسي، مما أسهم في تضخم الجهاز الحكومي وفاتورة الأجور وتحويل الدولة إلى أداة لإعادة توزيع الموارد والنفوذ السياسي.

عندما ينخفض النفط، لا توجد قاعدة إيرادات محلية كبيرة تستطيع الحكومة اللجوء إليها لتعويض النقص. وهذا يخلق معادلة خطرة، كونه أسس لحساسية شديدة لأي صدمة نفطية. ولهذا يدعو صندوق النقد باستمرار إلى زيادة الإيرادات غير النفطية بالتوازي مع ضبط فاتورة الأجور

وبسبب هذا النهج العشوائي والفساد المالي والإداري المستشري، خسر العراق مبالغ ضخمة. وكشف القاضي منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، عن مستجدات الحملة الحكومية لمكافحة الفساد، مشيرا إلى أن حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 حتى الآن يتجاوز تريليوني دولار، وفق تقديراته.

ومع تكرر فجوات التمويل، لجأت الحكومات العراقية إلى الاقتراض الداخلي لتغطية عجز الموازنة وتمويل التزاماتها الجارية. ومع محدودية فرص الحصول على تمويل خارجي ميسر في ظل ضعف الإصلاحات وارتفاع المخاطر المالية، ازدادت أهمية السندات والحوالات والقروض المحلية في تمويل العجز. وأكد البنك المركزي العراقي أن العجز الفعلي للموازنات الثلاثية بين 2023 و2025، والبالغ نحو 35 تريليون دينار (نحو 26.7 مليار دولار)، جرى تمويله داخليا عبر السندات والحوالات، فيما أظهرت بيانات حديثة وصول الدين الداخلي إلى أكثر من 96 تريليون دينار (نحو 73.3 مليار دولار) في أبريل/نيسان 2026. وتأتي الرواتب والمعاشات في مقدمة الالتزامات التي تضغط على السيولة، مع العلم أن الاقتراض الداخلي لا يخصص للرواتب حصرا، بل يستخدم أيضا لتمويل العجز والتزامات الموازنة بمختلف بنودها.

بالتوازي، توسع عرض النقد الواسع بصورة كبيرة، من نحو 119.8 تريليون دينار (نحو 91.5 مليار دولار) في 2020 إلى 180.8 تريليونا (نحو 138 مليار دولار) في 2023، وتوقعات بتخطيه 233 تريليون (نحو 178 مليار دولار) عام 2026، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، مما يعكس توسع السيولة في الاقتصاد.

4- ضعف الإيرادات غير النفطية

لو كان لدى العراق نظام ضريبي وإيرادات محلية قوية، لكان انخفاض النفط أقل خطرا على الرواتب. لكن هذا هو أحد أضعف جوانب المالية العراقية. وقد وجد صندوق النقد أن الإيرادات غير النفطية تراوحت بين 1.9 و4.5 في المئة من الناتج المحلي خلال 2019–2023، بمتوسط 2.9 في المئة فقط من الناتج، وهو أدنى متوسط بين مجموعات الدول النفطية التي قارنها الصندوق.

رويترز
عراقي يعمل على أنابيب حقل الرميلة النفطي، في خارج مدينة البصرة، 4 مارس 2026

بمعنى آخر، عندما ينخفض النفط، لا توجد قاعدة إيرادات محلية كبيرة تستطيع الحكومة اللجوء إليها لتعويض النقص. وهذا يخلق معادلة خطرة، كونه أسس لحساسية شديدة لأي صدمة نفطية. ولهذا يدعو صندوق النقد باستمرار إلى زيادة الإيرادات غير النفطية بالتوازي مع ضبط فاتورة الأجور.

5 - صلابة الإنفاق الحكومي: الرواتب لا تنخفض عندما ينخفض النفط

تعتبر هذه النقطة هي التي تحوّل انخفاض الإيرادات إلى أزمة سيولة. فعندما تتراجع إيرادات النفط، لا تستطيع الحكومة ببساطة خفض رواتب ملايين الموظفين أو تأجيل المعاشات والتحويلات. وبالتالي تصبح أمام مجموعة من النفقات "الصلبة" التي تستمر حتى عندما تنخفض الإيرادات. وهذا ظهر بوضوح في عام 2024، إذ ارتفع العجز المالي إلى 4.2 في المئة من الناتج المحلي، مقارنة بـ1.1 في المئة في 2023، وكان ارتفاع الإنفاق على الأجور والمعاشات أحد العوامل الرئيسة. ومع تراجع الإيرادات وظهور قيود على السيولة، تراكمت متأخرات محلية بلغت قرابة 14 تريليون دينار (نحو 10.6 مليار دولار)، أي 3.8 في المئة من الناتج المحلي، خصوصا في مستحقات الوقود والكهرباء والإنفاق الرأسمالي.

6 - ضعف القطاع الخاص

هذه الحلقة غالبا ما تُغفل، لكنها أساسية لفهم لماذا يستمر العراق في خلق وظائف حكومية على الرغم من مشكلة الرواتب. ويقول صندوق النقد إن نمو التوظيف الحكومي جاء جزئيا نتيجة الضغط لاستيعاب أعداد كبيرة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل. وفي الوقت نفسه، فإن القطاع غير النفطي يعاني من ضعف الإنتاجية والاستثمار، مما يحد من قدرته على خلق وظائف بالسرعة المطلوبة. بل إن صندوق النقد يشير إلى أن الوظيفة الحكومية ذات الأجر والمزايا المرتفعة نسبيا ترفع الحد الأدنى للأجر الذي يقبله العامل، وتجعل القطاع العام "الخيار الأول" للتوظيف، وهو ما يزاحم القطاع الخاص ويحد من نموه.

لا يزال الإصلاح الحقيقي للاقتصاد العراقي بعيدا من مؤشرات وأولويات الحكومات، إذ تقتصر المعالجات على حلول ترقيعية، مع الإصرار على التمسك بالأعداد الهائلة من الموظفين الفائضين عن حاجة دوائرهم لكونهم يمثلون قاعدة انتخابية

من هنا تنشأ حلقة مفرغة قوامها قطاع خاص ضعيف، تسبب بطالة وضغطا اجتماعيا، وارتفاع المطالب بوظائف حكومية، مما يتسبب بدوره بزيادة بعدد الموظفين الحكوميين، فارتفاع فاتورة الرواتب، وزيادة الاعتماد على النفط، وما يؤديه ذلك إلى تضييق بقدرة الدولة المالية، وفي النهاية، أزمة رواتب عند أول صدمة نفطية. ولهذا لا يرى صندوق النقد أن المشكلة يمكن حلها بمجرد خفض الرواتب؛ بل يربط الحل بإصلاح سوق العمل، وتطوير القطاع الخاص، وتحسين التدريب المهني، وإصلاح قواعد التوظيف الحكومي.

هل لا يزال الإصلاح ممكنا؟

لا يزال الإصلاح الحقيقي للاقتصاد العراقي بعيدا من مؤشرات وأولويات الحكومات، إذ تقتصر المعالجات على حلول ترقيعية، مع الإصرار على التمسك بالأعداد الهائلة من الموظفين الفائضين عن حاجة دوائرهم لكونهم يمثلون قاعدة انتخابية. ويظل القطاع الخاص عاجزا عن استيعاب الباحثين عن العمل وخلق فرص جديدة، نظرا لارتهانه الشديد بالإنفاق الاستهلاكي للموظف الحكومي، فضلا عن تكبيله بالقيود والبيروقراطية والفساد في مؤسسات الدولة. ويبقى مستقبل الاقتصاد العراقي يكتنفه الغموض، فاستمرار التأثير الإيراني في المشهد السياسي العراقي وحضور الفصائل المسلحة، يُنذر بفرض مزيد من القيود الخارجية على الاقتصاد، ولا سيما في ظل المخاوف الأميركية من تسرب الدولار إلى هذه الجهات التي تُعدّ تهديدا لمصالحها.

أ.ف.ب.
مقر البنك المركزي العراقي، في بغداد 25 مارس 2024

في المقابل، تعمل الجهات الدولية على دعم القطاع الخاص العراقي والشركات الصغيرة والمتوسطة عبر تسهيل التمويل وتقاسم مخاطر الإقراض. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أطلقت منظمة العمل الدولية، بالشراكة مع وزارة العمل العراقية وبتمويل ألماني، صندوقا لضمان ائتمان الشركات الصغيرة والمتوسطة بقيمة 40 مليون يورو، يتيح تمويل قروض تصل إلى 100 مليون يورو، مع ضمان يغطي 75 في المئة من التعرض المؤهل للمؤسسات المالية. ويستهدف الصندوق تمويل نحو 3,000 قرض، وخلق 4,000 وظيفة والحفاظ على 5,000 وظيفة، وتدريب 3,000 شركة في 2031.

ولا يقتصر الدعم الدولي على التمويل، بل يشمل بناء قدرات الشركات والمصارف وتحسين إدارة المخاطر والحوكمة. وفي 2025، أطلق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية برامج في العراق تجمع بين التمويل والاستشارات والتواصل مع منظومة الأعمال، من بينها "ستار فنتشر" التي توفر للشركات الناشئة المختارة خبرات دولية وإرشادا وشبكات مستثمرين، لمساعدتها على النمو والتوسع والتحول الرقمي وتحسين الممارسات التشغيلية.

بالتوازي، تركز الجهات الدولية على إصلاح بيئة الأعمال، إذ أطلقت وزارة التخطيط العراقية، بدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في 2023 خريطة طريق لتنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة، تشمل تطوير قدرات رواد الأعمال، وتوسيع التمويل والمدفوعات الإلكترونية والتجارة الإلكترونية، وتحسين البيئة التنظيمية، وتعزيز دعم المؤسسات الحكومية للقطاع الخاص. وتشير الدراسات إلى أن نحو 80 في المئة من القطاع الخاص العراقي يعمل بصورة غير رسمية، مما يحد من فرص نموه وحصوله على التمويل الرسمي.

كما تستهدف المؤسسات الدولية توسيع الاستثمار الخاص وتنويع الاقتصاد بعيدا من النفط. فقد أعلنت مؤسسة التمويل الدولية في سبتمبر/أيلول 2025 استثمارات وشراكات جديدة بقيمة مليار دولار في العراق في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الزراعية والتمويل.

وشملت مبادراتها الأخيرة شراكة لفتح فرص تمويل جديدة للمؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى خط تمويل تجاري بقيمة 10 ملايين دولار لبنك بغداد لدعم التجارة عبر الحدود.

font change

مقالات ذات صلة