معرض في لندن... ما بين الشمس والقمر مسافة يوم خياليhttps://www.majalla.com/node/333322/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%85%D8%B3-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A
تحرص قاعة "ساتشي"، وهي كبرى القاعات الفنية، على تقديم معارضها الضخمة بطريقة خاصة تناسب وظيفتها، كونها راعية للفنون المعاصرة. وهو ما دأبت عليه منذ تأسيسها عام 1985. ذلك ما يدفعها باستمرار إلى الزج بإعمال فنانين بريطانيين لا يزالون في مقتبل العمر في معارض تلقي الضوء على قضايا جوهرية في الوجود، يتطلب البحث فيها الغوص عميقا في التاريخ والأساليب الفنية وطرق التعبير والمعالجات التقنية واستلهام قدرة المواد على التخلي عن وظائفها الجاهزة.
معرض "الشمس والقمر: فن مستوحى من الأجرام السماوية"، هو نموذج لذلك المسعى الذي ميز "ساتشي" عن سواها من القاعات. معرض ضخم يشارك فيه أكثر من مئة فنانة وفنان، يعرض رسوما ومنحوتات وإنشاءات وأفلاما وتجهيزات ضوئية، كلها تماهت مع هاتين الظاهرتين السماويتين اللتين انعكس تأثيرهما عبر آلاف السنوات على الإنسان، لا في طريقته في العيش الحي بل وأيضا في خلق معتقداته وكان لهما حضور دائم في الذهن والخيال البشريين.
24 ساعة هي الزمن المتخيل لهذا المعرض الذي يضم أعمالا قديمة مستعارة من المتاحف وأرشيف المكتبات إلى جانب أعمال مفاهيمية ضخمة، وفرت "ساتشي" الدعم لها. في مقدمة تلك الأعمال يقف "هيليوس" للفنان لوك جيرام وهو عبارة عن كتلة كروية يبلغ قطرها ستة أمتار تمثل الشمس. وكما يقول دليل المعرض، استعملت أكثر من أربعمائة ألف صورة فوتوغرافية لسطح الشمس في تغليف تلك الكرة الضوئية. عمل فني هائل أدرك منسقو المعرض أن تأمله يحتاج إلى وقت طويل لذلك صفوا كراسي ومصطبات من حوله في القاعة الكبيرة التي خصصت له.
ولعل "هيليوس" هو أهم عمل في المعرض، إذ يضعنا في قلب الشمس من غير أن نحترق ويقربنا من خيالها الذي أثث بتجليات صوره العقل البشري بأفكار تستجيب لرغبته في تخطي واقعه الأرضي.
الشمس والقمر وشروق الشمس
ما لا يرى بالعين المجردة
يبدو واضحا من عنوانه، أن المعرض ينقسم نصفين، الشمس وتحولات أثرها في الحياة المباشرة والمخيلة البشرية على حد سواء، من الفجر حتى الغروب، والقمر بكل أحواله بدءا من تلك الكتلة المعلقة في "القمر المنقسم"، وهو عمل سعد قريشي، وانتهاء بـ"أحلك الساعات"، الذي يضم أعمال "شموس بلا كتلة" و"شموس مظلمة" و"شمس بلا كتلة" و"سطح السماء" من إبداع فريق "تيم لاب" العالمي. ذلك عمل تفاعلي يدعو الزوار إلى التأمل في عظمة الكون الذي نعيش فيه مرورا بـ"الهبوط على القمر" وهو عمل مشترك بين مارغو سيلبي والمؤلفة الموسيقية هيلين كاديك بعد تقديم مسلسل صوري لحكاية مركبة الفضاء "أبولو" التي أقلت نيل أرمسترونغ وهو أول إنسان وطئت قدماه سطح القمر.
ولكن هل يستحق ما نعرفه ونحن نعيش تحولات اليوم بنهاره وليله كل هذا الجهد الذي رفدته بالأعمال الفنية والخرائط والمواد الارشيفية والمصنوعات اليدوية غير جهة عالمية ومنها "متاحف غرينتش الملكية" و"متحف سالزبوري" و"مكتبة أتلانتس"؟ يمكن الإجابة بالنفي لو كان المعرض قد اعتمد بشكل أساس على مادته الارشيفية واكتفى الفنانون المشاركون بالوصف. ولكن الأمر ليس كذلك، بل كان عكس ذلك تماما لما انطوت عليه أعماله من متعة وإبهار وقدرة على تصوير أفكار بشّر الإنسان من خلالها عبر الآف السنوات بطريقته في التعامل مع السماء والنظر إليها متأملا ومفكرا. معرض يتعامل مع ما يرى تلقائيا كأنه لم ير إلا لأسباب جمالية.
شموس بلا كتلة وشموس مظلمة
الوقت وقد كان ضيفا
في مقابل "هيليوس" للفنان لوك جيرام وهو عمل نهاري، عمل ليلي بعنوان "الهبوط على القمر" من تصميم مارغو سيلبي ومقطوعة موسيقية أصلية للأوتار من تأليف هيلين كاديك. ذلك عمل فني تفاعلي يضم نسيجا يدويا بطول 16 مترا مستوحى من قصة النساء اللواتي نسجن الدوائر المتكاملة ووحدات الذاكرة التي مكنت الإنسان من الهبوط على القمر. وهو ما يعني أن ذلك الإعجاز العلمي الذي أنجزته وكالة "ناسا" الأميركية كان استند إلى سردية شعبية، لم تمهد بالضرورة لما توصل إليه العلماء غير أنها قامت في قلب السؤال الجمالي الذاهب إلى القبض على أسرار السماء.
ذلك عمل يحتفي بالممكنات الرياضية والتقنية للنسيج والتداخلات بين الأنماط والنغمات والإيقاعات الموجودة في كل من الموسيقى والمنسوجات. عمل صعب وجريء، يجمع بين المعادلات التي يستند إليها فن النسيج خياليا حين يلتقط خيوطا من الفراغ وبين البحث عن اللحظة الكونية المناسبة لكي يكون غزو القمر ممكنا. لا بأس بالخرافة. ولأن المعرض مليء بالخرافات وهي تاريخ حي مجاور، فإن "الهبوط على القمر" محاولة لملء الفراغ بين اليقين الديني والتسلل الرياضي إلى قلب المعادلة الكونية التي أضفت مغامرة "أبولو" عليها شيئا من الغموض المدهش.
ولكن من قال إن الهبوط على القمر كان قد حدث في الليل؟ ذلك سؤال جيد. فالمعرض المخصص لنهارنا وليلنا الأرضيين لا علاقة له بليل القمر، وهل للقمر ليل؟ صور أرمسترونغ التي وصلتنا من سطح القمر تكشف أن الوقت كان نهارا. ولكن قد يكون الوقت في القمر كله نهارا. في عمل مارغو سيلبي ينسحب الوقت من وظيفته ليكون مجرد ضيف. لا نهار ولا ليل ما دام العمل على حكاية الوقت مستمرا.
المشي على سطح القمر
كنز من الأعمال الفنية
ليست الغاية من المعرض جمالية خالصة، على الرغم من أن هناك أعمالا تفرض حضورها المستقل عن المعنى، لما انطوت عليه من روح ابتكار شكلي معاصرة. فالعلاقة التخيلية بالشمس والقمر ارتبطت بأولى محاولات الإنسان لتفسير الظواهر الكونية. لذلك هي علاقة تخللتها علامات استفهام كثيرة، أجابت رحلة "أبولو" عن الجزء الأصغر منها، كما أن البحوث العلمية فككت ألغازا كثيرة، غير أن الجانب التاريخي في تلك العلاقة اكتسب الكثير من عناصر الإثارة التي ظهرت في أعمال وأشياء توزعت بين الفن والعلم والتفكير الخرافي، وأخيرا الصياغات الفنية.
من بين المعروضات التاريخية نرى تمثال سول إنفيكتوس السلتي الذي يعود تاريخه إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي وبطاقات التارو من الطبعة الأولى التي صممتها باميلا كولمان سميث عام 1909 وصولا إلى ملصقات السفر القديمة وقطع الأزياء بما في ذلك ملابس السباحة والمراوح والنظارات. وهناك أيضا أعمال تجسد الطرق المختلفة التي اعتمدتها الديانات والمعتقدات في تأويل تلك الظواهر وعلاقتها بأصل الكون وعملية الخلق.
خرافة أخرى تضاف إلى سلسلة الخرافات التي ابتكرتها البشرية وهي تسعى إلى معرفة مكانها وسط الأجرام السماوية
يشكل المعرض أيضا مناسبة للعودة إلى أعمال رسامين بارزين مثل ألبريشت دورر وجوزيف رايت من ديربي وجي إم دبليو تيرنر، بالإضافة إلى فنانين معاصرين صاعدين مثل سونجو جين وجاي خانا وليان تشانغ. ولكثرة الأعمال الفنية المعروضة، فإن الزائر يمكن أن يمر بأعمال مهمة لفنانين مثل سيسيل كولينز وإيثيل كولكوهون وباربرا هيبورث وهنري مور وبول ناش وشنتي بانشال وباولا ريغو وإليزابيث فيلاكوت، من غير أن ينتبه. فهي أعمال صغيرة الحجم وهي ابنة زمانها مقارنة بالأعمال الفنية المعاصرة التي تهيأت لمنتجيها الأسباب التي ساعدتهم في إنتاج أعمال ضخمة بتقنيات مثيرة.
الخرافة تسافر بين الأجرام السماوية
يغيب فنسنت فان غوغ عن المعرض. لطالما اهتم الرسام الهولندي الذي قضى العشر سنوات الأخيرة من حياته رساما في فرنسا بظاهرتي الليل والنهار في لوحاته بدءا من لوحته "زهرة عباد الشمس" وانتهاء بلوحته "نجوم الليل". ليس من اليسير الحصول على أعمال فنسنت بسبب تكلفة التأمين والنقل. لليل حكاياته كما للنهار حكاياته. وفي المخيلة البشرية تاريخ مجاور مادته حكايات خرافية عن بلاد لا تغادرها الشمس وعن قمر ظهرت عليه صور الموتى من الزعماء المغدورين.
شموس من دون كتلة وشموس مظلمة
في واحدة من اللوحات التي ترى من جهتين، يظهر ذئب يعوي مستجيبا لظهور القمر. وتلك حكاية سكنت المخيلة البشرية لتكون بمثابة خزانة لعواء ذئب لا يرى، ذئب أبدي. لقد عاشت البشرية دهورا وهي ترسم أجندات عيشها بالانسجام مع حركتي الشمس والقمر وتبادل السلطة بين الليل والنهار. بالنسبة لي، وقد عشت النهار القطبي الطويل في الصيف والليل القطبي الطويل في الشتاء، فإن حساسية العلاقة الشخصية بالشمس والقمر جعلتني أدرك من خلال هذا المعرض أن لكل إنسان شمسه وقمره اللذين يحدد من خلالهما علاقته بالكون.
تلك خرافة أخرى تضاف إلى سلسلة الخرافات التي ابتكرتها البشرية وهي تسعى إلى معرفة مكانها وسط الأجرام السماوية.