ناصر سماري لـ"المجلة": الواقع الثقافي العراقي الحالي يحتاج إلى ثورة فنية

يؤمن بدور اجتماعي وسياسي للفنان

facebook-nasser sammari
facebook-nasser sammari

ناصر سماري لـ"المجلة": الواقع الثقافي العراقي الحالي يحتاج إلى ثورة فنية

يقدم الفنان التشكيلي العراقي ناصر سماري تجربة تجريدية بأسلوب يستحضر فيه البعد الثالث، دون أن يؤثر ذلك على إحساس المشاهد بالألوان وبدلالات المواضيع على اختلافها. سماري الذي يشغل منصب عميد كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة، يحرص على موازنة تجربته ما بين تحقيق حراك ثقافي وفني، وبين مسيرته الفنية التي بدأت بشكل فعلي في بداية تسعينات القرن الماضي، حين شارك في العديد من المعارض الجماعية وأقام معارض شخصية داخل العراق وخارجه. هنا حوار "المجلة" معه.

متى بدأت علاقتك بالفن، وما المحطات التي شكلت منعطفا في تجربتك؟

اهتمامي الأول هو ميلي الكبير للرسم منذ الطفولة، وترسخ ذلك الميل بعد قبولي كطالب في معهد الفنون الجميلة في مدينة البصرة. خلال ذلك تأثرت بأجواء دراسة الرسم مع ما للأساتذة من قوة تأثير مباشر، كنت متميزا بالدراسة الأكاديمية في التخطيط والألوان.

وبالرغم من أن دراستي في معهد الفنون كانت في ظل ظروف الحرب، لكنها أدت إلى إتمام الدراسة في كلية الفنون الجميلة 1994 في ظروف لعلها أشد من الحرب، إذ كان هناك ضغط اقتصادي هائل، إلا أن ذلك كله لم يؤثر بالشكل الكبير على التقدم في الدراسة الأكاديمية، ولم أتوقف عن إتمام دراستي وتطوير تجربتي حتى وجدت نفسي ميالا إلى خلق تجربة جديدة في التجريد كعنوان عام.

تدوينات مشفرة

ما الذي دفعك لاختيار التجريد كأسلوب لأعمالك الفنية؟

لا أعتقد بوجود شيء حسي يصنف كونه تجريدا، حيث لا مفر من البعد الثالث في السطح التجريدي في أعمالي، والظل والضوء والملمس المتنوع الذي يجسد الكثير من مفردات موضوعات شتى تلامس المحيط المؤثر في واقعي المعيش، بالإضافة إلى التدوينات المشفرة بأشكال تشبه الحروف، لكن لا يمكنها الفرار من بيئة العمل التشكيلي التي تختلف عما دونه الكثير من التشكيليين العراقيين والعرب عند اختيارهم عبارات أو مقاطع شعرية. لقد هجنت النص التشكيلي وخلطته بين بيئة اللغة وبيئة الفن التشكيلي.

هل لديك قواعد محددة عند استخدامك للألوان، خاصة أن اللون يعبر عن موضوع اللوحة التجريدية؟

لا تخلو اللوحة لدي من ضغط الإحساس بتلقائية عالية، لكن الانتباه إليها يكون بالخروج عن قواعد كثيرة من بناء اللوحة، حيث يمكنها الاحتفاظ بقيمتها الموضوعية والجمالية كيفما تشاهَد.

الانتباه للوحاتي يكون بالخروج عن قواعد كثيرة من بناء اللوحة حيث يمكنها الاحتفاظ بقيمتها الموضوعية والجمالية كيفما تُشاهَد 

 أما علاقاتها اللونية فلا تراعي الأنماط أو الحصانة العلمية ولا تلتزم منطقا ما، إنما تمتلك شأنها الحسي والعلمي والمنطقي، واكتظاظها المتفرد بكثافة النص لم يقلق المتلقي أبدا لإضفاء فاعلية الإحساس باللون على الأعمال بشكل جلي.

facebook-nasser sammari
من أعمال الفنان التشكيلي العراقي ناصر سماري

هلا حدثتنا عن تجربتك مع النحت، ومتى تقرر إنجاز عمل نحتي؟

الملاحظ أن خشونة الملمس وتحقيق البعد الثالث، يحيلان على محاولات النحت التي مارستها خاصة في الطين، ذلك الشيء العجيب القاتل لكل فاصل حسي بينه وبين أصابع الإنسان بالعموم. وقريبا سأقدم بعض الأعمال النحتية التي تشكل إثارة مهمة بتقديم النحت على شاكلة الرسام الذي ألهمه الطين الإحساس بالجمال.

ما الرسائل التي تحرص على إيصالها الى الجمهور عبر منجزك الفني؟

الواقع الثقافي العراقي الحالي لا يحتاج إلى رسائل فنية، بل يحتاج إلى ثورة فنية، لكن ما تشكله التجارب الفاعلة مجتمعة قد تحقق تواصلا مرحليا في التاريخ، ولا يتجاوز الفن العراقي المحاصر، سياسيا واقتصاديا، غير ذلك.

 

facebook-nasser sammari
عمل لناصر سماري

قضايا فنية

لماذا اخترت مناقشة "الأبعاد المفاهيمية لما بعد الكولونيالية" في رسالة الدكتوراه، وما الذي توصلت إليه في هذا الموضوع؟ 

في السياق السائد في الوعي الثقافي المستورد أن الفنان يجب أن يكون فنانا فقط، ولا يحق له الظهور بأي وجه إنساني أو اجتماعي أو وطني أو مهني آخر، وهذا الوعي الثقافي أثر سلبا بالعموم، مما جعل الفنان المثقف أو المثقف بذاته لا يقترب من انتقاد شيء أو التصدي لقيادة أي شيء. وأنا أمتلك قناعة أخرى، هي أنه لا بد أن يترك الفنان أثرا اجتماعيا وإنسانيا وثقافيا ووطنيا كبيرا. بل قد يكون هو البديل في الشدائد التي تحيق ببلده حتى لا يجعل السلاح أو العنف أو الجهل بديلا منه.

ما الأسباب التي تقف وراء تأسيس صالة عرض في بوابة الأهوار لا يمكن أن يصل إليها الزوار إلا بالزورق؟

أمارس حياتي المهنية والفنية بالتساوي، وأستغل أي فعل مؤثر ثقافي وبيئي واجتماعي لأجل أن أحقق منه فوارق إيجابية، وعملت على ذلك في تأسيس مشروع بوابة أهوار البصرة و"غاليري سماري" في أهوار شمال البصرة، فمن المهم جدا أن أؤسس في هذه المناطق صرحا ثقافيا، وعملت على المشروع لمدة سنوات بجهدي الشخصي ونفقتي الخاصة، إلى أن أسست المكان. إذ كان من منظومة تفكيري أن أنشئ معلما وأعنون هذا المعلم حتى يصبح جزءا من ذاكرة الثقافة البصرية العراقية، فبنيت شاخصا واسميته "بوابة أهوار البصرة". ومنذ افتتاح الغاليري في الأول من يناير/ كانون الثاني 2023 زاره الكثيرون، منهم عدد من الوفود الرسمية.

انتقدت قبل فترة تعيين شخصية لا تمتلك الخبرة ولا التخصص في منصب ثقافي مهم في البصرة. كيف تنعكس ممارسات كهذه على الحالة الثقافية؟  

أنا لا أنتقد أي عراقي، لكننا مسؤولون على قدر تأثيرنا الايجابي في إرسال تنويه قبل أي إخفاق يضر بمصلحة أي مؤسسة في العراق. ولعلنا نمتلك كما هائلا من الإشكاليات على ذلك لكننا لا نفصح عن أي إخفاق إلا إذ كان ذلك يحمل فيه تأثيرا إيجابيا ولو بعد حين.

facebook-nasser sammari
عمل للتشكيلي العراقي ناصر سماري

عملت على تأسيس جماعات فنية وشغلت مناصب تتعلق بالفنون، فما الذي تحرص على تكريسه وتطويره في المجتمعات الفنية؟ 

شغلت من قبل رئاسة جمعية التشكيليين العراقيين، فرع البصرة، ورئيس قسم الفنون التشكيلية، والآن أشغل رئاسة مؤسسة مجتمع مدني هي "القرمة للثقافة والفنون"، وفي إدارة عمادة كلية الفنون الجميلة في البصرة التي تتألف من خمسة أقسام هي سينما وتلفزيون وفنون تشكيلية وفنون مسرحية وموسيقى والتربية الفنية الشاملة. أما التخصصات الأخرى للأقسام فهي فاعلة ومؤثرة، لكن الوضع العام وبصورة عامة أن ميزانية الوزارة وإمكاناتها المالية حتما محدودة وغير مفتوحة، وبالتالي لا يمكن إتاحة فرص كبيرة كما نتوقع في كلية الفنون الجميلة في مدينة مثل البصرة، رغم محاولتنا تحقيق بعض المشاريع مثل المهرجان الموسيقي ومهرجان لعرض الأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة، وأيضا مهرجان تشكيلي يضم أعمالا لفنانين عراقيين. هذه الفعاليات تخرج الكلية من إطارها التعليمي إلى فاعليات اجتماعية وثقافية في المدينة، هذه مهمة كبيرة في أن تكون سياسة إدارة عمادة كلية الفنون الجميلة في ظرف يختلف فيه العراق عن ظروف البلدان المحيطة، والظروف العالمية، وهي ليست مؤسسة مرت بظروف نمو مستمر دون تعثر على مدار سنواتها السابقة منذ تأسيسها إلى الآن، فالظروف الاقتصادية والإقليمية التي يمر بها البلد تحدّ من نمو كل مؤسسة أكاديمية وفنية.

لا بد أن يترك الفنان أثرا إنسانيا وثقافيا ووطنيا. حتى لا يجعل السلاح أو العنف أو الجهل بديلا منه

 العراق ليس ببلد مسترخ حتى نقول إن كلية الفنون لها أربعون سنة تعمل على رؤى استراتيجية وخطط عشرية أو خمسينية ونحن الآن نقطف ثمار خططها السابقة والمبرمجة، لأن إدارة المؤسسة الأكاديمية في العراق الحالي مرهونة بالزمن والظرف اليوميين، وهذا يؤثر على النتاج الفني. وكما ذكرت سابقا، نحن في فترة توصيل الماضي بالمستقبل، ونحاول التأثير على طلبتنا لأجل خلق جيل يتبنى إدارة مؤسسات كهذه في المستقبل بشكل ينتمي الى إرث حضارة بلاد الرافدين والعراق وأهمية نتاجه الثقافي والفني.

 

font change