تستعر الحرب في اليمن على كل الجبهات، عسكريا وأمنيا، على مختلف خطوط التماس في المحافظات المتاخمة لمناطق سيطرة الحوثيين، بما فيها محيط العاصمة صنعاء. وتمتد المواجهة إلى الميدانين السياسي والإعلامي، بجهد تعبوي ذي طابع طائفي ومناطقي.
ويبلغ هذا التصعيد أقصى ما تستطيعه إيران و"الحرس الثوري"، إذ يتجاوز الخطوط كافة داخل معظم المحافظات، ويتخطى الحدود مع الجوار السعودي، وصولا إلى غاية أبعد: استدراج السعودية وبلدان الخليج الأخرى إلى حرب إقليمية أوسع نطاقا وأكبر كلفة.
ومع ذلك، لم يحقق هذا التصعيد للحوثيين نتائج حاسمة حتى الآن. فوصول عناصر من الجماعة إلى جزر يمنية في جنوب البحر الأحمر وإلى محيط مضيق باب المندب تحقق بدعم مباشر من خبراء "الحرس الثوري" وقدراته الصاروخية والتقنية، وهو ما يقيس حجم التدخل الإيراني أكثر مما يقيس قوة الجماعة الذاتية.
أما ما أقامته الميليشيات في تلك المواقع فيظل هشا: خنادق وأنفاق ورادارات في المرتفعات المطلة على المضيق، جميعها مرصودة ومراقبة على مدار الساعة تقريبا، في ظل تفوق جوي للقوات الحكومية.
سارعت جماعة الحوثيين، بعد وصول عناصرها إلى محيط باب المندب، إلى التعهد بعدم استخدام المضيق لمهاجمة السفن الأميركية أو الإسرائيلية، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر. وهو تعهد لا تجد فيه واشنطن ولا تل أبيب مصداقية، بما يفرغ هذا "الإنجاز" المعلن من مضمونه.
ويُرجَّح أن يعقبه تصعيد مفاجئ، بحسب ما ذكرته وسائل إعلام إميركية عن قطع الرئيس دونالد ترمب إجازته في كامب ديفيد وعودته إلى واشنطن، حيث عُرضت عليه خيارات لضربات جوية تستهدف مواقع الحوثيين في الساحل الغربي وصولا إلى باب المندب.
كلفة كبيرة بلا جدوى
تقر أوساط داخل الجماعة بخسائر كبيرة في "حرب التصعيد" وفي محاولة التقدم نحو مأرب. وتداولت هذه الأوساط خلال اليومين الماضيين معلومات لم يتسن التحقق منها، عن وقوع لواءين كاملين في حصار على جبهة جبل البلق الشرقي قرب مأرب، وجبهة جبال كهبوب المطلة على باب المندب بين محافظتي تعز ولحج، وعن مقتل قادة ميدانيين عُرفوا بأدوارهم في التجنيد والحشد.

وتتساءل هذه الأوساط عما يمكن أن تبلغه الجماعة في نهاية هذا التصعيد، وعن الثمن الباهظ الذي دُفع إرضاءً لإيران، ومنحا لها شعورا بالزهو بنصر بعيد عن حدودها، في حرب لم تبدأ أهم فصولها بعد.
وفي الوقت نفسه، ينظر اليمنيون بألم شديد إلى مظاهر القتل والأسر والإهانة التي يتبادلها المتقاتلون على الجبهات، ويسألون أنفسهم عن الداعي إلى كل هذا. لكن السؤال الأهم يبقى: ما الذي دفع الحوثيين، كأسرة أو جماعة أو مذهب، إلى الابتعاد عن تكوينهم الاجتماعي وهويتهم الوطنية؟
برهنت جماعة الحوثيين، خلال سنين عديدة من التمرد المسلح على الدولة والمجتمع منذ حروب صعدة الأولى عام 2004، على أن ارتباطها بالأجندة الإيرانية يتقدم عندها على أي اعتبار يمني سيادي، وعلى أنه لا يمكن الركون إلى أي التزام توقّعه.


