الحوثيون يهددون باب المندب... لماذا لا يجب التسامح مع هذه السابقة؟

لم تعد الميليشيا بحاجة إلى أسطول بحري كي تؤثر في حركة التجارة العالمية

"المجلة"
"المجلة"

الحوثيون يهددون باب المندب... لماذا لا يجب التسامح مع هذه السابقة؟

تراجعت بصورة حادة الكلفة التي يحتاجها أي طرف لإحداث اضطراب اقتصادي واسع، فأصبح إرباك التجارة العالمية أسهل وقوعا وأصعب احتواء. وهذا درس يعيد العالم اكتشافه اليوم على أرض الواقع. وآخر مثال أن الحوثيين تقدموا باتجاه ميناء المخا على البحر الأحمر وباتوا يهددون مضيق باب المندب.

من جهته، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، على أن الدولة لن تتراجع عن تحقيق تطلعات الشعب، وستواصل القيام بمسؤوليتها في حماية مواطنيها واستعادة مؤسساتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وحماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية. وأكد العليمي: "عدم السماح بتحويل باب المندب إلى هرمز آخر أو اليمن إلى منصة ابتزاز جيوسياسي نيابة عن النظام الإيراني"، مشيراً إلى أن الدفاع عنه يسهم في حماية الأمن الدولي ومصالح العالم، ويستدعي شراكة دولية أكثر فاعلية في دعم قدرة الدولة على حمايته.

وقال رئيس "مجلس القيادة" إن اليمن، وهو يدافع عن باب المندب وسواحله ومياهه الإقليمية، لا يحمي أمنه وسيادته فقط، بل يسهم في حماية الأمن الدولي ومصالح العالم، وتأمين أحد أهم الممرات البحرية للتجارة وإمدادات الطاقة والسلع الغذائية.

وحدَّدت القوات المسلحة اليمنية، منطقة قتال محظورة على أي تحركات لميليشيا الحوثي الإرهابية قرب مدينة المخا الساحلية التابعة لمحافظة تعز. وتخوض قوات الحكومة معارك في جبهات أخرى في اليمن.

ويحاول الحوثيون التأثير على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، واستخدام وسائل أقل كلفة بكثير مما كان يتطلبه الأمر في الماضي، على إحداث آثار استراتيجية كان تحقيقها يرتبط أساسا بقدرات الدول. وهو تحول قد يشكل سابقة مغرية لجهات أخرى لتكرارها، كما يعلمنا التاريخ.

أ.ف.ب
برج ملاحة سفينة غارقة هو كل ما يظهر فوق سطح الماء في ميناء المخا في اليوم التالي لهجوم شنه الحوثيون على مدينة المخا الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ومقرها عدن، اليمن، في 10 أغسطس 2026

بدأ الحوثيون مهاجمة الملاحة في البحر الأحمر في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في سياق الحرب الأهلية اليمنية وتحت شعار التضامن مع غزة، وبدعم من إيران. وبعد نحو ثلاثة أعوام، اتسع نطاق الهجمات إلى ما يتجاوز هذا الإطار بكثير لتستهدف السواحل، مستخدمة معدات يقل ثمن بعضها عن كلفة سيارة مستعملة.

ونقلت الهجمات الحوثية الأخيرة هذا الضغط مباشرة إلى طرق الملاحة التي تم الاعتماد عليها بدرجة متزايدة بعد اغلاق مضيق هرمز. ففي 8 و9 سبتمبر/أيلول، ضربت صواريخ وطائرات مسيرة منشآت سعودية ما أسفر عن إصابة 73 شخصا. وقوبلت الاعتداءات بادانات عربية ودولية واسعة. ودفعت أسعار النفط إلى الارتفاع.

تمثل هذه الضربات أحدث حلقات تصعيد أخذ يتسارع منذ أسابيع. ففي يوليو/تموز، أعلن الحوثيون استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، وفرض ما وصفوه بحصار بحري على السعودية، مع تهديد السفن المتجهة إلى موانئها. ودفع ذلك عددا من الناقلات المحملة بالنفط السعودي، أو المتجهة لتحميله، إلى تغيير مسارها تفاديا للمجازفة بعبور باب المندب. وبحلول أغسطس/آب، كانت شحنات النفط السعودية عبر المضيق قد تراجعت بدرجة حادة، ما اضطر "أرامكو" إلى إعادة توجيه جزء من الخام حول أفريقيا أو عبر مصر. وهكذا امتد الضغط إلى طريق التجارة والطاقة البديل الذي أخذت الرياض تعتمد عليه بدرجة أكبر مع تزايد المخاطر في مضيق هرمز.

لم تعد الميليشيا بحاجة إلى أسطول بحري كي تؤثر في حركة التجارة العالمية، ولا إلى سلاح جو كي تفرض أكلافا على الأسواق الدولية

ومن هنا تتجاوز أهمية الحملة الحوثية حدود الصراع نفسه، لتكشف قدرة قوة محدودة على إرباك التجارة والملاحة العالمية بكلفة متدنية نسبيا، إذ يكفي أن تغير حسابات مالكي السفن وشركات التأمين والتجار بما يدفعهم إلى تغيير سلوكهم ومساراتهم.

وتتجلى المفارقة نفسها في كلفة التصدي لهذا التهديد. فقد لا يتجاوز ثمن الطائرة المسيرة التي يطلقها الحوثيون بضعة آلاف من الدولارات، فيما قد تكلف عملية اعتراضها ملايين الدولارات. وخلال حملة 2023-2024، بلغ ثمن بعض الصواريخ البحرية المستخدمة لاعتراض الطائرات المسيرة نحو مليوني دولار للصاروخ الواحد.

وبحلول أبريل/نيسان 2024، كانت القوات البحرية الأميركية قد أنفقت قرابة مليار دولار على الذخائر المستخدمة في حماية الملاحة في المنطقة. وبحلول أبريل 2025، كانت الدفاعات الحوثية المنخفضة الكلفة قد أسقطت ما لا يقل عن سبع طائرات "إم كيو-9 ريبر"، تبلغ قيمة الواحدة منها نحو 30 مليون دولار.

وجعلت الحرب الأوسع التي انخرط فيها الحوثيون هذا العام هذه المعادلة أكثر اختلالا. ففي يونيو/حزيران 2026، أرسل البيت الأبيض إلى الكونغرس طلب تمويل إضافي بقيمة 87.6 مليار دولار، خُصص منها 67.1 مليار دولار للدفاع، و21 مليار دولار تحديدا لتعويض الذخائر التي استُهلكت خلال النزاع.

وتسعى واشنطن أيضا إلى تمويل استبدال ما لا يقل عن 24 طائرة "إم كيو-9 إيه ريبر" فُقدت، في وقت لم يعد فيه هذا الطراز قيد الإنتاج، ما يترك فجوة في القدرات لا يستطيع سلاح الجو سدها سريعا. وقد بدأ الضغط على مخزونات الذخيرة الأميركية ينعكس بالفعل على سياسات التوريد. ففي أغسطس/آب، منحت البحرية الأميركية شركة "رايثيون" عقدا بقيمة 22.9 مليار دولار لتسريع إنتاج صواريخ "توماهوك"، مشيرة صراحة إلى متطلبات العمليات الجارية والحاجة إلى توسيع الطاقة الإنتاجية للذخائر.

ولا تُنفق هذه الأموال كلها على مواجهة الحوثيين، لكنها تكشف الاختلال نفسه: أنظمة غربية مرتفعة الكلفة وبطيئة التعويض تُستنزف في مواجهة قدرات أرخص وأسرع إحلالا لدى الخصوم، فيما أصبح تجديد المخزونات مشكلة صناعية بقدر ما هو تحد عسكري.

تفسر التكنولوجيا كيف استطاع الحوثيون إحداث هذا القدر من الاضطراب، لكنها لا تفسر لماذا عجزت الاستجابة الدولية عن احتوائه. وللإجابة عن ذلك، ينبغي النظر إلى البنية التي قام عليها النظام الدولي بعد عام 1945.

فالمؤسسات التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية صُممت لتنظيم العلاقات بين الدول ذات السيادة، لا للتعامل مع جهات غير حكومية منحتها التكنولوجيا قدرات واسعة. ويقوم هذا النظام على افتراض أن الحكومات لديها أراض تدافع عنها، واقتصادات تحميها، وعلاقات دولية لا تستطيع تحمل خسارتها.

وتستند الدبلوماسية والعقوبات والردع والقانون الدولي، بدرجات متفاوتة، إلى هذه الافتراضات. وهي تؤتي أثرها لأن الدول، في العادة، لديها ما تخشى فقدانه.

أ.ف.ب
صورة مأخوذة من مقاطع تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر مقاتلين داخل مدينة المخا المطلة على البحر الأحمر في اليمن، في 10 سبتمبر 2026

طالب قرار مجلس الأمن رقم 2722، الذي اعتُمد في يناير/كانون الثاني 2024، الحوثيين بوقف هجماتهم على السفن التجارية، وأكد مجددا حق الدول الأعضاء في الدفاع عن حرية الملاحة. وجرى تمديد العمل بآلية إعداد التقارير المرتبطة بالقرار مرارا، وكان آخر تجديد بموجب القرار 2826 في يوليو/تموز 2026. غير أن هذا النوع من القرارات صُمم أساسا للتعامل مع الدول: مع حكومات يمكن الضغط عليها، والتزامات دولية يمكن الاحتجاج بها، واقتصادات يمكن أن تتأثر بالعقوبات. وهذه أدوات محدودة الفاعلية في حالة الحوثيين. فالجماعة لا تملك مكانة دولية مهمة تخشى خسارتها، ولا أصولا كبيرة في الخارج يمكن تجميدها، كما أن اعتمادها على النظام الدولي القائم على القواعد، الذي تعمل هي نفسها على تقويضه، محدود للغاية.

وزادت التكنولوجيا هذه الفجوة اتساعا. فقد خفضت الطائرات المسيرة التجارية، ومعلومات المصادر المفتوحة، والحملات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، والاتصالات المشفرة، وتقنيات الصواريخ التي أصبح الوصول إليها أيسر، كلفة ممارسة النفوذ الاستراتيجي بدرجة هائلة. فلم تعد الميليشيا بحاجة إلى أسطول بحري كي تؤثر في حركة التجارة العالمية، ولا إلى سلاح جو كي تفرض أكلافا على الأسواق الدولية. واتسعت دائرة الجهات القادرة على ممارسة هذا النفوذ، فيما بقيت المؤسسات المصممة لتنظيمه على حالها إلى حد بعيد.

المشكلة أعمق من الحوثيين، ويزيدها تعقيدا سلوك الدول التي يُفترض أن تضطلع باحتوائهم. فالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب يواجه اليوم فجوة متنامية بين من يملك السلطة ومن يملك القدرة الفعلية على التأثير

وتكشف الاستجابات العسكرية المعضلة نفسها. فبوسع التحالفات البحرية مرافقة القوافل وضرب مواقع الإطلاق، وقد جُرب الخياران مرارا منذ عام 2024. إلا أن هذه العمليات لم تُزل الخطر الحوثي على الملاحة، ولم تمنع الجماعة من توسيع الرقعة الجغرافية التي تستطيع منها ممارسة الضغط. ويجعل تقدمها نحو باب المندب هذا الإخفاق أكثر وضوحا: فبعد سنوات من العمليات العسكرية الدولية الرامية إلى حماية الممر المائي، يخوض الحوثيون اليوم معارك للسيطرة على أراض تشرف عليه مباشرة.

وفي الوقت نفسه، ينطوي الإقرار بأن جماعات من هذا النوع تمتلك نفوذا استراتيجيا حقيقيا على خطر منحها، من غير قصد، قدرا من الشرعية السياسية. ويضع النظام القائم على القواعد الحكومات أمام خيارين كلاهما إشكالي. فالحوثيون ليسوا خصما تقليديا من نوع الدول، ولا يمكن اختزالهم في مجرد تنظيم إرهابي. إنهم يشغلون مساحة متزايدة الأهمية بين النموذجين، بينما لا توفر البنية الأمنية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية سوى أدوات محدودة للغاية للتعامل مع فاعلين من هذا النوع.

ولا يستلزم ذلك منح الجماعة مكانة سياسية. إذ يمكن للحكومات أن تتعامل مع الحوثيين على أنهم تحد استراتيجي جدي ينبغي أن يدخل في حسابات القوات البحرية وشركات التأمين، من دون الاعتراف لهم بأي صفة مشروعة كطرف محارب.

أ.ف.ب
سفن تعبر مضيق باب المندب قبالة ساحل جنوبي اليمن، في 25 يوليو 2026

لكن المشكلة أعمق من الحوثيين أنفسهم، ويزيدها تعقيدا سلوك الدول التي يُفترض أن تضطلع باحتوائهم. فالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب يواجه اليوم فجوة متنامية بين من يملك السلطة ومن يملك القدرة الفعلية على التأثير. ولا تزال السلطة، في معظمها، بيد الحكومات ذات السيادة والمؤسسات الدولية والقانون الدولي. أما القوة فقد أصبحت أكثر انتشارا، ولم تعد حكرا على الدول، بل امتدت إلى الميليشيات وشبكات الوكلاء والجماعات السيبرانية وغيرها من الفاعلين الذين أتاحت لهم التكنولوجيا فرض أكلاف استراتيجية من دون امتلاك سلطة سيادية.

وقد تكيفت المؤسسات التي أُنشئت لإدارة الأمن الدولي مع هذا التحول ببطء، فيما جعلت الدول التي تقود هذه المؤسسات عملية التكيف أكثر صعوبة.

كما أسهمت الدول نفسها في إضعاف النظام من خلال تطبيقها الانتقائي للقانون الدولي. فعندما تتجاوز القوى الأكثر تشديدا على الدفاع عن حرية الملاحة التفويض متعدد الأطراف كلما رأت أن ضربة عسكرية تخدم مصالحها، كما حدث خلال الحرب مع إيران، عندها يفقد القانون كثيرا من فاعليته، سواء كأداة للردع أو كوسيلة لمحاسبة من ينتهكه. فالقاعدة التي لا تُحترم إلا حين تلائم مصالح الأقوياء لا تردع أحدا، وخصوصا فاعلا لم يكن يرى نفسه ملزما بها أصلا.

ومع ذلك، كان هذا التحدي سيظل قائما حتى لو التزمت جميع الدول بالقانون الدولي التزاما كاملا. فالتطبيق الانتقائي لم يفعل سوى تسريع تحول بنيوي أعمق.

وقد تجاوزت تداعيات هذا التحول البحر الأحمر بالفعل. فدول لا تملك أي نفوذ في قرارات الحوثيين الاستراتيجية تتحمل مع ذلك جانبا من كلفتها. فأستراليا، على سبيل المثال، تستمد نحو ربع ناتجها المحلي الإجمالي من صادرات السلع والخدمات، كما يعتمد قطاعا البتروكيماويات والزراعة فيها بدرجة كبيرة على واردات الديزل والمشتقات النفطية.

وكانت نماذج أعدتها شركة "كيه بي إم جي" ونُشرت عام 2025، قبل إغلاق مضيق هرمز، قد قدرت أن تضاعف أسعار النفط نتيجة إغلاق المضيق قد يقتطع نحو 0.2 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي الأسترالي. وقد عززت الأزمة المبررات التي تقوم عليها خطط كانبيرا لإنشاء أسطول شحن استراتيجي يرفع العلم الأسترالي، لضمان استمرار وصول السلع الأساسية في فترات الاضطراب.

منذ زمن بعيد، أتاحت الجغرافيا لجماعات محدودة الحجم أن تمارس نفوذا يفوق وزنها بكثير

أما اليابان، فتعرضها أكبر بكثير. إذ يعتمد نحو 90 في المئة من وارداتها النفطية على المضيق. وعندما أُغلق هذا الطريق في مارس/آذار 2026، أفرجت طوكيو عن 80 مليون برميل من احتياطها الاستراتيجي، تعادل استهلاك البلاد لمدة 45 يوما، في محاولة للحفاظ على استقرار الإمدادات.

وتقع أستراليا واليابان على بعد آلاف الأميال من البحر الأحمر، ومع ذلك تعيش كلتاهما اليوم مع تبعات قرارات تتخذها ميليشيا تعود جذورها إلى جبال شمال اليمن. ومن هذه الزاوية، يقدم الحوثيون نموذجا مبكرا للطريقة التي سيُمارس بها النفوذ الاستراتيجي على نحو متزايد في القرن الحادي والعشرين.

يقدم التاريخ سوابق تشبه هذه الظاهرة، من دون أن تكون مطابقة لها. فمنذ زمن بعيد، أتاحت الجغرافيا لجماعات محدودة الحجم أن تمارس نفوذا يفوق وزنها بكثير. ويقدم ممر خيبر، الذي يصل بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، مثالا واضحا على ذلك.

فعلى مدى أكثر من ألفي عام، سعت إمبراطوريات متعاقبة إلى السيطرة على أحد أهم الممرات البرية في المنطقة، من الأخمينيين والإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد إلى المغول والإمبراطورية البريطانية. إلا أن أيا منها لم ينجح في فرض سيطرة دائمة. وفي المقابل، استغلت جماعات متعاقبة من القبائل البشتونية وأصحاب النفوذ المحليين وعورة التضاريس، ففاوضت وقاومت وفرضت الإتاوات وقاتلت القوى الإمبراطورية المتعاقبة، وكثيرا ما أجبرت جيوشا تفوقها حجما بأشواط على دفع أثمان باهظة لقاء المرور عبر الجبال.

رويترز
قوارب على ساحل باب المندب، اليمن، في 2 أبريل 2026

وفي البحر ظهر نمط مماثل. فمن القرن السادس عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، استهدف قراصنة الساحل البربري المنطلقون من الجزائر وتونس وطرابلس السفن التجارية في البحر المتوسط، فاستولوا عليها واحتجزوا أطقمها طلبا للفدية، وانتزعوا إتاوات من قوى أوروبية وجدت في كثير من الأحيان أن الدفع أقل كلفة من خوض حملات بحرية طويلة. وخاضت الولايات المتحدة، وهي لا تزال دولة فتية، الحربين البربريتين الأولى والثانية، بين عامي 1801 و1805 ثم مجددا في عام 1815، سعيا إلى وضع حد لتلك المطالب.

وإلى الشرق، استغل مهاجمون بحريون ينشطون من آتشيه ومضيق ملقا وأرخبيل سولو، استغلوا ضيق الممرات البحرية وتفتت السلطة السياسية لمهاجمة السفن التجارية، رغم الحملات المتكررة التي شنتها القوى الاستعمارية الهولندية والبريطانية والإسبانية للقضاء عليهم.

والفارق اليوم يتعلق بحجم التأثير أكثر مما يتعلق بجوهر الظاهرة. فلم يكن في وسع أي من تلك الجماعات التأثير في أسعار النفط في طوكيو، أو أقساط التأمين في لندن، أو سلاسل إمداد تمتد عبر ثلاث قارات. أما الحوثيون فقد أظهروا أن التكنولوجيا المتاحة تجاريا، والأسلحة الدقيقة، والاتصالات الفورية، تمنح ميليشيا إقليمية القدرة على إحداث آثار استراتيجية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من مسرح الصراع المباشر.

لقد بُني النظام القائم لعالم كانت فيه الدول جهات فاعلة يمكن مساءلتها، وهذا العالم يتغير اليوم بسرعة

وتنتشر اليوم الطائرات المسيرة الرخيصة، والزوارق السطحية غير المأهولة، والصواريخ المضادة للسفن بين الدول والجهات غير الحكومية على السواء، ما يجعل تعطيل الممرات البحرية الضيقة أو إغلاقها في أي مكان من العالم أسهل باطراد.

ويثير مضيق ملقا، على سبيل المثال، قلقا متزايدا في ضوء هذا الاتجاه. فهذا الممر يحمل، وفق التقديرات، نحو 40 في المئة من التجارة العالمية من حيث الحجم، ويشكل الشريان الرئيس لنقل الطاقة من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا.

ولا يتطلب إحداث اضطراب خطير إغلاق المضيق بالكامل. فقد أظهر هرمز بالفعل مدى سرعة استجابة حركة الملاحة التجارية لمجرد تصاعد الشعور بالخطر، فيما أدى الحصار الحوثي على السعودية إلى تقليص حركة السفن عبر باب المندب من دون إغلاق المضيق أمام الملاحة عموما. ويكفي أن تتكرر حسابات المخاطر نفسها في ملقا حتى يحدث اضطراب كبير، تطال تداعياته الصين واليابان وكوريا الجنوبية واقتصادات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، في وقت واحد تقريبا.

ولا تحتاج هذه القدرة إلى دافع أيديولوجي أو هدف استراتيجي حتى تصبح خطرة. ففي مناطق عدة، يجتمع بالفعل وجود جماعات مسلحة غير حكومية مع ممرات بحرية معرضة للتهديد. وقد أظهرت شبكات القرصنة المتمركزة في دلتا النيجر بخليج غينيا مستوى ملحوظا من الكفاءة العملياتية واستعدادا لاستخدام العنف، وإن كان هدفها في الأساس تحصيل الفدية لا ممارسة الضغط الجيوسياسي.

رويترز
مركبة تحترق بعد استهدافها من الحوثيين في موقع ذُكر أنه محافظة الجوف باليمن، في صورة مأخوذة من مقطع فيديو نُشر في 9 سبتمبر 2026

ولا تزال القرصنة الصومالية مستمرة في شمال غرب المحيط الهندي لأسباب مشابهة، ما يثير مخاوف من تضافر الأخطار مع تجدد التصعيد في البحر الأحمر. وإلى الشرق، تدير جماعة أبو سياف منذ سنوات حملات خطف طلبا للفدية تستهدف السفن التجارية في بحري سولو وسيليبس، على امتداد ممر تمر عبره بضائع تزيد قيمتها على 40 مليار دولار سنويا، وفق أرقام عام 2017. وإذا أعادت أي من هذه الجماعات توجيه نشاطها من تحصيل الأموال إلى ممارسة الضغط، كما فعل الحوثيون، فقد تكون التداعيات على التجارة العالمية كبيرة.

وما يكشفه الحوثيون يتجاوز بكثير حدود الأمن البحري. فلا تزال المؤسسات الدولية منظمة حول الدول ذات السيادة، فيما أصبحت قدرة متزايدة على إحداث الاضطراب في أيدي جهات لا تستطيع أي مؤسسة إخضاعها بالوسائل التقليدية.

ويظهر النمط نفسه في الفضاء السيبراني، حيث تعمل جماعات قرصنة مرتبطة بدول، على نحو متزايد، من خلال شبكات إجرامية تستخدم برمجيات الفدية لإخفاء الجهة الحقيقية المسؤولة عن الهجمات، فتتلاشى الحدود بين جهاز استخبارات وعصابة ابتزاز إلكتروني. لقد بُني النظام القائم لعالم كانت فيه الدول جهات فاعلة يمكن مساءلتها، وهذا العالم يتغير اليوم بسرعة.

font change

مقالات ذات صلة