الكويت تقترض من ثروة المستقبل... هل كشف هرمز حدود النموذج النفطي؟https://www.majalla.com/node/332972/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA-%D8%AA%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%B6-%D9%85%D9%86-%D8%AB%D8%B1%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D9%87%D9%84-%D9%83%D8%B4%D9%81-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7%D9%8A%D8%9F
صدر المرسوم بقانون رقم 106 لسنة 1976 في شأن تأسيس احتياطي الأجيال القادمة، في عهد الشيخ صباح السالم الصباح، أميرا لدولة الكويت، وكان الشيخ جابر الأحمد الصباح حينها نائبا للأمير ووليّا للعهد.
وكان إصدار ذلك المرسوم بقانون امتدادا لتجربة الكويت في ادخار واستثمار فوائض النفط، التي بدأت في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح عام 1953، عندما أُنشئ مجلس الاستثمار الكويتي، الذي عُدّ أول صندوق ثروة سيادية في العالم.
لكن المرسوم بقانون رقم 106 لسنة 1976 صدر بعد تراكم فوائض مالية كبيرة لدى الحكومة الكويتية، في أعقاب القفزة الحادة في أسعار النفط التي رافقت الصدمة النفطية الأولى في أواخر عام 1973 وبداية عام 1974، والتي ارتبطت بحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وحظر النفط العربي وخفض الإنتاج، وما نتج منهما من ارتفاع كبير في أسعار الخام.
وأكد المرسوم بقانون رقم 106 استقطاع 10 في المئة من الإيرادات العامة للدولة سنويا لحساب صندوق احتياطي الأجيال القادمة، إلى جانب تحويل 50 في المئة من رصيد الاحتياطي العام للدولة عند بدء العمل بالقانون، واستثمار أموال الصندوق وإضافة عوائدها إليه. ومع استمرار هذه العملية، قُدّرت أصول الصندوق بنحو 100 مليار دولار عشية الغزو العراقي للكويت عام 1990.
في موازنة 2026/2027، قُدّرت إيرادات الدولة بنحو 53 مليار دولار، منها 41.7 مليار دولار من النفط
لكن الكويت اضطرت، إبان الغزو والاحتلال العراقي عام 1990، إلى السحب من صندوق احتياطي الأجيال القادمة لتمويل تكاليف التحرير وإعادة الإعمار، ويقدّر صندوق النقد الدولي حجم المسحوبات من الصندوق خلال الفترة 1990-1994 بنحو 85 مليار دولار، وقد أُعيدت الأموال المسحوبة بالكامل لاحقا.
وتزامن ذلك مع أضرار جسيمة لحقت بالقطاع النفطي، بعدما أحرقت القوات العراقية أو أتلفت 749 بئرا نفطية، مما تطلب جهودا واسعة لإخماد الحرائق وإعادة تأهيل الصناعة النفطية. وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن أصول الصندوق كانت تقدر عند اندلاع حرب الخليج بنحو 90–100 مليار دولار، وأن السحب موّل عجز الموازنة خلال الحرب وإعادة بناء الاقتصاد.
وبعد استعادة عافيته، واصلت الهيئة العامة للاستثمار تنمية أصول الكويت السيادية، التي تشمل صندوق الاحتياطي العام وصندوق الأجيال القادمة. وقدّر صندوق النقد الدولي إجمالي الأصول التي تديرها الهيئة بنحو 1.002 تريليون دولار في نهاية عام 2025، فيما صنّفت تقديرات 2026 الهيئة في المرتبة الخامسة عالميا بين الصناديق السيادية من حيث الأصول المدارة.
محددات الصندوق
نصت المادة الثانية من مرسوم قانون رقم 106 على استثمار أموال الاحتياطي، وأن الأرباح الناتجة من هذه الاستثمارات تضاف إلى الحساب، أي أن العوائد لم تكن تُوزع أو تُسحب، بل يعاد استثمارها وتراكمها داخل الصندوق. والأهم أن المادة الثالثة من القانون الأصلي نصت صراحة على أنه لا يجوز خفض نسبة الـ10 في المئة ولا سحب أي مبلغ من احتياطي الأجيال القادمة.
وتعتمد المالية العامة في الكويت بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، إلى جانب الإيرادات غير النفطية، التي تشمل الضرائب والرسوم وغيرها من الموارد. ومن بين هذه الإيرادات ضريبة الدخل المفروضة على الشركات الأجنبية الخاضعة للضريبة؛ إذ خُفّض معدلها من حد أقصى بلغ 55 في المئة من الأرباح الخاضعة للضريبة إلى 15 في المئة ضريبة موحدة على صافي الدخل الخاضع للضريبة، بموجب القانون رقم 2 لسنة 2008، الذي بدأ تطبيقه على الفترات المالية التي تبدأ بعد 3 فبراير/شباط 2008. وفي موازنة 2026/2027، قُدّرت إيرادات الدولة بنحو 16.3 مليار دينار كويتي (53.1 مليار دولار)، منها 12.8 مليار دينار من النفط (نحو 41.7 مليار دولار)، فيما بلغت تقديرات الإيرادات غير النفطية نحو 3.5 مليار دينار (11.4 مليار دولار).
حقل الزور النفطي جنوب مدينة الكويت، 29 مايو/أيار 2024
هناك نماذج أخرى لإدارة الثروة النفطية، أبرزها النروج، التي تمتلك أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم، بلغت أصوله نحو 21.3 تريليون كرونة نروجية، أي قرابة 2.3 تريليون دولار، في نهاية عام 2025.
وتحوّل النروج بالكامل صافي إيرادات الدولة من النشاط النفطي إلى الصندوق، ثم تسمح القاعدة المالية للحكومة بتحويل أموال منه إلى الموازنة لتمويل الإنفاق العام، بما في ذلك الخدمات العامة، على أن يكون استخدام الأموال، في المدى الطويل، متوافقا مع العائد الحقيقي المتوقع للصندوق والمقدر حاليا بنحو 3 في المئة سنويا، من دون استنزاف رأس المال.
أداء الصندوق
تدير الهيئة العامة للاستثمار الكويتية أصولا سيادية تقدر بنحو 1.002 تريليون دولار في نهاية عام 2025، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، مقارنة بنحو 969 مليار دولار في نهاية 2024، أي بزيادة تقارب 33 مليار دولار، أو 3.4 في المئة خلال عام. وتشمل هذه الأصول صندوق الاحتياطي العام وصندوق احتياطي الأجيال القادمة.
ولا تنشر الهيئة للعامة تفاصيل محافظها الاستثمارية أو مكوناتها على نحو مماثل للصندوق النروجي. وهو أمر يرتبط بالقانون رقم 47 لسنة 1982 الذي يفرض قيودا على إفشاء معلومات عن أعمال الهيئة أو مراكز الأصول المستثمرة، إذ تخضع أعمالها لقواعد قانونية تحد من الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بأعمالها ومراكز أصولها. وفي المقابل، تؤكد الهيئة أن أداءها وأصولها يخضعان للرقابة والتدقيق، وأنها تقدم بياناتها إلى الحكومة ومجلس الأمة.
واجهت الكويت ضغوطا مالية متزايدة بعد صدمة أسعار النفط في منتصف عام 2014، وتحولت المالية العامة من فائض تجاوز 2.4 في المئة من الناتج المحلي في عام 2014 إلى عجز بلغ قرابة 19.6 مليار دولار في عام 2015
وتعتمد الهيئة العامة للاستثمار في إدارة صندوق احتياطي الأجيال القادمة على استراتيجيا طويلة الأجل لتنويع الأصول والاستثمارات جغرافيا، بما يشمل فئات تقليدية مثل الأسهم وأدوات الدخل الثابت والنقد، إلى جانب استثمارات بديلة تشمل الملكية الخاصة والعقارات والبنية التحتية.
وتُدار أصول الصندوق من مكتبي الهيئة في الكويت ولندن، وفق توزيع المهام الذي يقره مجلس الإدارة، فيما يستثمر مكتب الاستثمار الكويتي في لندن مباشرة في الأسهم والدخل الثابت والاستثمارات البديلة في مناطق مختلفة من العالم، بينما تتم معظم استثمارات الهيئة من خلال مديري صناديق خارجيين. وتقوم استراتيجيا الاستثمار على توزيع الأصول وفق أهداف محددة للعائد والمخاطر، مع قدرة الصندوق على تحمل تقلبات الأسواق على المدى القصير بحكم أفقه الاستثماري الطويل.
أزمة العجز
واجهت الكويت ضغوطا مالية متزايدة بعد صدمة أسعار النفط في منتصف عام 2014، وتحولت المالية العامة من فائض تجاوز 2.4 في المئة من الناتج المحلي في عام 2014 إلى عجز بلغ نحو 18 في المئة من الناتج المحلي، أو قرابة 6 مليارات دينار كويتي (19.6 مليار دولار)، في عام 2015، وفق صندوق النقد الدولي.
وخلال هذه المرحلة، اعتمدت الحكومة أساسا على السحب من أصول صندوق الاحتياطي العام للدولة لتمويل العجز، إلى جانب اللجوء بدرجة أقل إلى إصدار السندات المحلية.
مركز "الأفينوز" التجاري، 4 سبتمبر/أيلول 2024
ومع تراجع موارد الاحتياطي العام تدريجيا نتيجة تمويل عجوزات الموازنة، عادت الكويت إلى الاقتراض وإصدار أدوات الدين محليا ودوليا. وبلغ رصيد أدوات الدين العام المحلي، بما فيها السندات وعمليات التورق، نحو 3.3 مليارات دينار كويتي (نحو 10.8 مليارات دولار) في نهاية يونيو/حزيران 2026، وفق بنك الكويت المركزي، فيما بلغ إجمالي الدين الخارجي 17.25 مليار دولار حتى 23 يوليو/تموز 2026. وبذلك بلغ إجمالي الدين المحلي والخارجي نحو 28 مليار دولار.
وتزامن ذلك مع عودة الكويت إلى سوق الدين الدولية بعد سنوات من الاعتماد بدرجة أكبر على مواردها المالية الداخلية، في أعقاب إقرار قانون جديد للدين العام يسمح للحكومة بالاقتراض بما يصل إلى 30 مليار دينار كويتي (نحو 97 مليار دولار) على مدى يصل إلى 50 عاما.
وظلت الحكومة الكويتية تصدر أدوات الدين خلال الأشهر الماضية، في وقت تعرضت فيه صادرات النفط لاضطرابات حادة بسبب الحرب الأميركية-الإيرانية وتعثر حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وقد تراجعت صادرات الكويت بشكل كبير، إذ انخفضت تلك التي تعبر المضيق بنحو 36 في المئة في يوليو/تموز 2026 إلى نحو 560 ألف برميل يوميا، وفق بيانات "كبلر".
ظلت الكويت تحافظ على احتياطي الأجيال القادمة وتنميه على مدى الخمسين عاما الماضية ولم تستخدم أمواله إلا في فترة الاحتلال وبعد حرب التحرير في عامي 1990 و 1991. يعني ذلك أن اللجوء إلى الاحتياطي ظل محدودا ومقرونا بالأزمات الصعبة التي مرت بها البلاد
وفي موازاة ذلك، واصلت وزارة المالية اللجوء إلى سوق الدين المحلية، إذ أصدرت، عبر بنك الكويت المركزي، سندات وأدوات تورق حكومية بقيم بلغت 150 مليون دينار (488.4 مليون دولار) في يوليو/تموز و250 مليون دينار (814.1 مليون دولار) في الشهر نفسه، ثم 100 مليون دينار (325.6 مليون دولار) في أغسطس/آب.
يرى خبراء الديون أن تكاليف الدين العام قد تمثل عبئا على الخزينة العامة وسيكون بند خدمة الديون عبئا مستقبليا على الموازنة العامة. وهذا يتسق مع تقديرات صندوق النقد للكويت، الذي يتوقع ارتفاع الدين الحكومي الإجمالي إلى 36.3 في المئة من الناتج المحلي في السنة المالية 2031/2032، مع مساهمة ديناميكية الفائدة في زيادة عبء الدين.
البنك الوطني الكويتي، وسط مدينة الكويت، 18 يونيو/حزيران 2017
غني عن البيان أنه في ظل احتمالات ارتفاع أسعار الفوائد المصرفية فإن عبء خدمة الدين سيكون ثقيلا ما لم تحدث تطورات ايجابية في أسواق المال والنقد وتعمل البنوك المركزية على مراجعة أسعار الخصم والفوائد خلال الشهور المقبلة.
ما الذي تغير في سبتمبر/أيلول 2026؟
في 1 سبتمبر/أيلول 2026، صدر المرسوم بقانون رقم 81 لسنة 2026 ونُشر في ملحق الجريدة الرسمية، وأجاز الاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة لدعم الاحتياطي العام للدولة، بقرار من مجلس الوزراء، بناءً على عرض الوزير المختص وبعد موافقة مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار.
ووضع المرسوم خمسة عناصر يجب أن يتضمنها قرار القرض:
1. مبلغ القرض.
2. غرض القرض والعائد عليه.
3. المدة الزمنية وجدول سداد القرض أو أقساطه والعوائد عليه.
4. شروط وضوابط إعادة ترتيب السداد أو جدولته.
5. أي بيانات وأحكام أخرى لازمة لتنظيم القرض وتنفيذه.
أما السقفان اللذان وضعهما القانون فهما:
- ألا يتجاوز إجمالي القروض خلال السنة المالية الواحدة 100 في المئة من متوسط العوائد المحققة للاحتياطي خلال آخر خمس سنوات مالية مدققة.
- ألا يتجاوز إجمالي رصيد القروض المتراكمة القائمة 10 في المئة من صافي قيمة أصول الاحتياطي وفق آخر حسابات مالية مدققة.
كما ويحظر عقد قروض جديدة إذا تجاوز أي من السقفين، إلى أن تنخفض نسبة الاقتراض إلى الحدود المقررة.
ماذا يعني ذلك بالدولار؟
ببساطة، القانون لا يحدد سقفا ثابتا بالدولار، وإنما يربط الحد الأقصى للقرض بعوائد الصندوق. فإذا كانت أصول الصندوق نحو 1.072 تريليون دولار، وكان متوسط عائده السنوي خلال آخر خمس سنوات 4 في المئة، فإن العائد يساوي نحو 42.9 مليار دولار، وبالتالي يمكن نظريا أن يصل سقف الاقتراض السنوي إلى هذا المبلغ. وإذا بلغ متوسط العائد 4.5 في المئة، يرتفع السقف إلى نحو 48.2 مليار دولار.
ما مبررات تعديل قانون الصندوق؟
ظلت الكويت تحافظ على احتياطي الأجيال القادمة وتنميه على مدى الخمسين عاماً الماضية ولم تستخدم أمواله إلا في فترة الاحتلال وبعد حرب التحرير في عامي 1990 و1991. يعني ذلك أن اللجوء إلى الاحتياطي ظل محدودا ومقرونا بالأزمات الصعبة التي مرت بها البلاد.
أما الآن، وبعد بداية الحرب الأمريكية - الإيرانية والتعرض للاعتداءات الإيرانية وتخريب عدد من المنشآت وإغلاق مضيق هرمز وتعطل الصادرات، تبين أن الإيرادات النفطية لن تسعف في مواجهة استحقاقات الإنفاق العام الجاري والاستثماري.
إذا كانت مخصصات المرتبات والدعوم في الموازنة تمثل 76 في المئة من إجمالي الإنفاق فذلك يؤكد أن ثمة خللا في السياسات المالية يتطلب المراجعة وآن الأوان لاتخاذ قرارات حاسمة في شأن سياسات التوظيف والدعم وأهمية إفساح المجال أمام القطاع الخاص
أما موازنة الدولة التي أقرها مجلس الوزراء للسنة المالية 2026 / 2027 فحددت إجمالي الانفاق بـ 26.1 مليار دينار أو 85 مليار دولار في حين قدرت الايرادات الاجمالية بـ 16.3 مليار دينار أو 53.1 مليار دولار. يعني ذلك أن العجز المتوقع سيكون 9.8 مليار دينار ( 31.7 مليار دولار).
إذن سيكون العجز قياسيا ولن يسعف الأوضاع المالية للدولة سوى تعافي سوق النفط وتحسن القدرة على تصدير النفط. بمعنى آخر، لا بد من وضع حد للحرب، أو الحرب المتقطعة التي تعرقل التصدير. هذا ما يدفع الحكومة إلى هذا الإجراء الاستثنائي وتعديل القانون للتمكن من الاستفادة من عوائد صندوق احتياطي الأجيال القادمة بعدما تبين لها التكاليف الباهظة الناتجة من الاقتراض من الأسواق المالية.
ملاحظات عديدة
بعد صدور القانون، أو تعديلات القانون، أثيرت ملاحظات عديدة. عدد من المختصين أبدوا تخوفهم من إمكانات استنزاف أصول الصندوق خلال السنوات المقبلة بفعل السحب. لكن اشتراط أن يكون الاقتراض مرتبطا بعوائد الاستثمار ربما يسهم في تطمين مثل هذه الهواجس المشروعة.
إنما هناك من أثار أهمية تحديد قنوات صرف الأموال المقترضة في المشاريع الرأسمالية المفيدة اقتصاديا واجتماعيا مثل مشاريع البنية التحتية والمرافق الحيوية والرعاية الصحية والتعليم. التعديل على القانون أشار الى أهمية تحديد الغرض.
صورة جوية لمدينة الكويت، 17 ديسمبر/كانون الأول 2025
غني عن البيان أن هناك العديد من المشاريع الحيوية التي تستحق الإنفاق الرأسمالي وهي مشاريع ذات منافع حيوية للاقتصاد الوطني وتسهم في تطويره والارتقاء بالأوضاع الاجتماعية وتحسين نوعية الحياة. لكن لا بد من ضبط الإنفاق الجاري وترشيده بما يخفف احتياجات الاقتراض من صندوق الأجيال القادمة.
وإذا كانت مخصصات المرتبات والدعوم في الموازنة تمثل 76 في المئة من إجمالي الإنفاق (تبلغ حصة الرواتب نحو 15.8 مليار دينار، أي 51.5 مليار دولار وإجمالي الدعوم 3.96 مليار دينار أي 12.9 مليار دولار) فذلك يؤكد أن ثمة خللا في السياسات المالية يتطلب المراجعة وآن الأوان لاتخاذ قرارات حاسمة في شأن سياسات التوظيف والدعم وأهمية إفساح المجال أمام القطاع الخاص ليلعب دورا أكثر حيوية ويتحمل أعباء اجتماعية بعد تحرير العديد من المنشآت من ملكية وإدارة الحكومة.
تحديات مهمة تواجهها الكويت
بعدما أصبح الأمر واقعا، وفتح صندوق الأجيال القادمة أمام إمكانات تمويل الاحتياطي العام لمواجهة استحقاقات الإنفاق العام، يتضح أن أمام هيئة الاستثمار تفعيل الكفاءة وتنويع الأدوات والتعامل بحذر مع الأسواق المالية وأسواق النقد من أجل تحقيق أفضل النتائج. وتبرز أهمية تعزيز عوائد الاستثمار التي ستكون داعمة لإيرادات الخزينة العامة.
لا بد من ربط أداء صندوق الأجيال القادمة بالأوضاع الاقتصادية العالمية، إذ أن توظيف الأموال يتم في بلدان عديدة وبأدوات متنوعة وبعملات مختلفة
ومما لا شك فيه أن الاقتصاد العالمي يواجه تحديات ومتغيرات. وهناك أدوات جديدة منها أدوات الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي التي تمثل قيمة كبيرة في الأسواق المالية بعدما كان ذلك مقتصرا على الشركات النفطية والشركات الصناعية الكبرى. أيضا، لا بد من التأكد من حيوية العملات التي يتم التعامل بها ومدى تأثرها بالسياسات النقدية وارتفاع أو انخفاض أسعار الفوائد المصرفية. كما لا بد من التعرف الى السندات المصدرة من الحكومات، مثل حكومة الولايات المتحدة، ومدى استقرار أسعارها خلال المستقبل المنظور.
آفاق الاستثمار والاقتصاد العالمي
لا بد من ربط أداء صندوق الأجيال القادمة بالأوضاع الاقتصادية العالمية، إذ أن توظيف الأموال يتم في بلدان عديدة وبأدوات متنوعة وبعملات مختلفة.
يمر الاقتصاد العالمي بمنعطف تاريخي، في ظل متغيرات في السياسات الاقتصادية في العديد من الدول الرئيسة. فالاقتصاد الأميركي، الذي يعد أكبر حاضنة للاستثمار، لا يزال يؤكد قدرته على تحقيق معدلات نمو مقبولة، كما تشير مؤشرات أسواق العمل إلى تحسن معدلات التوظيف ومستويات الأجور، بما يعني تحسنا في القدرات الاستهلاكية التي تمثل أهمية في الناتج المحلي الإجمالي.
قوارب صيد تقليدية أمام سوق شرق الشعبي، الكويت، 6 أبريل/نيسان 2025
لكن ارتفاع قيمة الديون، لا سيما الأميركية التي لامست 40 تريليون دولار في سبتمبر/أيلول الجاري، يعد من الهواجس التي تثير القلق في شأن سندات الدين العام والفوائد المصرفية. كما أن استمرار حالة عدم اليقين في شأن معدلات التضخم، وعدم انخفاضها إلى المستوى المنشود من مجلس الاحتياطي الفيديرالي، أي إلى 2 في المئة، يعد من العوامل ذات الأهمية التي تستحق الحذر.
وهناك أيضا السياسات الحمائية التي تتبعها إدارة الرئيس ترمب، مثل رفع الرسوم الجمركية على الواردات من مختلف دول العالم، والتي تعني آثارا سلبية على أداء العديد من الاقتصادات العالمية، مثل الاقتصاد الصيني والأوروبي والياباني، التي تعتمد على التصدير أكثر من الاستهلاك المحلي.
وهذه عوامل قد تكون لها آثار على أداء العديد من الأدوات الاستثمارية، سواء أدوات الدين أو أدوات الأسهم، التي يعتمدها صندوق الأجيال القادمة.
من الطبيعي أن الكويت لا يمكنها التأثير الكبير في أوضاع الاقتصاد العالمي وقنوات الاستثمار المتنوعة فهي مكشوفة عليها. لكن يمكنها التعامل بذكاء وحذر من أجل جني أفضل النتائج من توظيف أموالها. والتعديلات الأخيرة على قانون صندوق الأجيال القادمة ستكون مفيدة إذ أن المحددات والشروط الواردة تعني مزيدا من الشفافية وامكانات توفير المعلومات المفيدة عن آليات وأدوات الصندوق بما يعزز المراقبة وصوغ التوصيات المفيدة التي يمكن ان تسهم في تطوير الإدارة ونجاعتها.