الكويت تفتح أبوابها لرأس المال الأجنبي

من غولدمان ساكس وبلاكستون إلى الملكية الأجنبية والإقامة الذهبية… الكويت تغير نموذجا اقتصاديا طال اعتماده على الدولة والنفط

أ.ف.ب
أ.ف.ب
بورصة الكويت، 2 مارس/آذار 2022

الكويت تفتح أبوابها لرأس المال الأجنبي

استثمر صندوق الثروة السيادي النروجي، أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم من حيث قيمة الأصول المدارة، في أصول كويتية بقيمة نحو 677.6 مليون دولار حتى نهاية النصف الأول من 2026. لا يمثل هذا الرقم سوى جزء ضئيل من محفظة الصندوق، التي بلغت قيمتها 22.68 تريليون كرونة نروجية، أو نحو 2.2 تريليون دولار، في نهاية يونيو/حزيران 2026.

مع ذلك، فإن استمرار وجود استثمارات للصندوق في السوق الكويتية يمكن أن يُقرأ، إلى جانب مؤشرات أخرى، كإشارة إلى اهتمام المستثمرين العالميين بالسوق الكويتية وإمكاناتها.

وقد واجهت الكويت لسنوات صعوبة في جذب مستويات كبيرة من الاستثمارات الأجنبية، نتيجة المصاعب التي كان يواجهها المستثمرون، ولا سيما في الحصول على التراخيص، إلى جانب التعقيدات والعراقيل البيروقراطية التي أثقلت بيئة الأعمال، وأثرت، إلى حد ما، في المستثمرين المحليين أيضا. يضاف إلى ذلك أن بعض القوانين والقيود التنظيمية الحاكمة للاستثمار في الكويت ظلت، لفترة طويلة، تشكل عائقا أمام المستثمرين الأجانب، مقارنة بما توفره الأطر الاستثمارية الأكثر انفتاحا في دول خليجية أخرى.

يتيح نظام الاستثمار المباشر للمشروعات المؤهلة حوافز، بينها إعفاءات ضريبية وإعفاءات من بعض الرسوم الجمركية، ويمكن أن تصل بعض الإعفاءات إلى 10 سنوات وفق شروط النظام

فعلى سبيل المثل، ظل الإطار القانوني الكويتي أكثر تقييدا للملكية الأجنبية من بعض دول الخليج، إذ كان الأصل أن يمتلك الكويتيون أو مواطنو دول مجلس التعاون 51 في المئة على الأقل من الشركات المحلية، ما لم يحصل المستثمر الأجنبي على ترخيص خاص من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر يسمح له بالملكية الكاملة.

في المقابل، ألغت الإمارات هذا الشرط على نطاق واسع منذ 2021، وأتاحت للمستثمرين الأجانب تملك الشركات بنسبة 100 في المئة في معظم الأنشطة.

تحسّن البيئة الاستثمارية

بدأت البيئة الاستثمارية في الكويت تتحسن تدريجيا مع إدخال إصلاحات على قواعد الملكية الأجنبية وتبسيط إجراءات تأسيس الأعمال والترخيص، إلى جانب منح المستثمرين حوافز وتسهيلات أكبر. ويعكس ذلك تحسن المؤشرات في الكويت التي باتت أكثر قدرة على استقطاب رأس المال والخبرة الأجنبيين.

ففي يناير/كانون الثاني 2024، وسّعت الكويت انفتاحها على الاستثمار الأجنبي بالسماح للشركات الأجنبية بفتح فروع مملوكة بالكامل من دون الحاجة إلى وكيل محلي. وتعتبر هذه خطوة مباشرة لمعالجة أحد العوائق التي كانت تجعل دخول الشركات الأجنبية إلى السوق أكثر تعقيدا. وقد أُنشئت هيئة تشجيع الاستثمار المباشر (KDIPA) أصلا لتكون جهة واحدة تساعد المستثمر في إجراءات الدخول والترخيص والحصول على الحوافز، بدلا من اضطراره للتعامل مع عدد كبير من الجهات الحكومية.

وتوفر الهيئة للمستثمرين خدمات وإرشادات خلال مراحل الدخول والتشغيل والتوسع. ويتيح نظام الاستثمار المباشر للمشروعات المؤهلة حوافز، بينها إعفاءات ضريبية وإعفاءات من بعض الرسوم الجمركية، ويمكن أن تصل بعض الإعفاءات إلى 10 سنوات وفق شروط النظام.

بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت الحكومة إعفاءات كلية أو جزئية من الرسوم والضرائب الجمركية على الآلات والمعدات ووسائل النقل والأجهزة التكنولوجية وقطع الغيار والمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج اللازمة للاستثمار. وبموجب النظام الضريبي المعمول به، تبلغ الضريبة على صافي الدخل الخاضع للضريبة للشركات الأجنبية 15 في المئة، بعدما كانت الضريبة وفق النظام الأصلي لمرسوم ضريبة الدخل رقم 3 لسنة 1955 تصل في أعلى شرائحها إلى 55 في المئة، قبل تعديلها إلى معدل موحد قدره 15 في المئة في عام 2008.

وتشمل القطاعات التي تطرح فيها الكويت فرصا للاستثمار الأجنبي، البنية التحتية والطاقة وتحلية المياه والخدمات البيئية، إلى جانب تكنولوجيا المعلومات وتطوير البرمجيات، والخدمات اللوجستية، والرعاية الصحية والتعليم والتدريب، والنقل والسياحة والفنادق والترفيه.

أ.ف.ب
برج البنك الوطني الكويتي، وسط مدينة الكويت، 25 يناير/كانون الثاني 2022

أما تملك العقارات من جانب المستثمرين الأجانب، فيخضع لقواعد وقيود خاصة، ولا يتمتع بالمزايا نفسها المقررة للملكية الأجنبية في الشركات والأنشطة المؤهلة للاستثمار المباشر.

وعلى صعيد القطاعات المالية، ومنها البنوك والتأمين، فإنها تخضع لتنظيمات وموافقات الجهات الرقابية المختصة، مع إتاحة الملكية الأجنبية الكاملة في بعض الأنشطة، ومنها التأمين، وفق نظام الاستثمار المباشر.

انتقلت الكويت تدريجيا من نموذج يفرض على المستثمر الأجنبي قيودا على الملكية ويحمّله أعباء بيروقراطية كبيرة، إلى نموذج أكثر انفتاحا يسمح بالملكية الأجنبية الكاملة في قطاعات مؤهلة

وفي قطاع النفط والغاز، لا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر في أنشطة استخراج النفط الخام والغاز الطبيعي مستثنى من نظام الاستثمار، استنادا إلى القيود الدستورية المتعلقة بملكية الثروات الطبيعية، وإن كانت الشركات العالمية قادرة على المشاركة في القطاع من خلال عقود وشراكات مع المؤسسات الكويتية.

انتقلت الكويت تدريجيا من نموذج يفرض على المستثمر الأجنبي قيودا على الملكية ويحمّله أعباء بيروقراطية كبيرة، إلى نموذج أكثر انفتاحا يسمح بالملكية الأجنبية الكاملة في قطاعات مؤهلة، ويلغي في بعض الحالات شرط الوكيل المحلي، ويوفر حوافز استثمارية وإجراءات أكثر تكاملا، وصولا إلى تسهيلات إقامة طويلة الأجل وشراكات ضخمة مع المستثمرين العالميين في البنية التحتية.

هكذا تعزز في الآونة الأخيرة الحضور المؤسسي الأجنبي في الكويت، ومن أبرز مؤشراته افتتاح "غولدمان ساكس" مكتبا لها في البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 2025، في خطوة قالت الشركة إنها تهدف إلى تعميق شراكتها مع الكويت وتوسيع قدراتها في المنطقة.

أ.ف.ب
مكتب "بنك غولدمان ساكس"، في مقر بورصة نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية، 13 أبريل/نيسان 2026

وأكدت الشركة أنها تعمل من أجل تطوير إدارة الأصول في الكويت وبلدان المنطقة. كما حصلت شركة "بلاك روك" (BlackRock)، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، على التراخيص اللازمة لافتتاح مكتب لها في الكويت في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. وافتتحت مجموعة "فيرواي" (Fairway) مكتبا دائما لها في الكويت في أكتوبر/تشرين الأول 2024. وتستعد "بلاكستون" لافتتاح مكتب خلال الربع الثالث من 2026. وفي الوقت نفسه، أنشأت شركات أجنبية أخرى كيانات للعمل في الكويت أو دخلت في مشروعات كبرى، من بينها شركة الحفر العربية السعودية و"أس آر تي مارين سيستمز" (SRT Marine Systems) البريطانية، التي أبرمت عقدا بنحو 213 مليون دولار لتطوير نظام وطني للمراقبة البحرية.

وتشمل الشركات التي عززت حضورها في الكويت أخيرا، شركة الحفر العربية، التي ستتخذ من البلاد مقرا لها لمدة 99 عاما، وتعمل في البنية التحتية النفطية وخدمات حقول النفط والغاز وحفر الآبار، إلى جانب أنشطة إصلاح وصيانة معدات التعدين والإنشاءات.

يظل قطاع النفط الكويتي جاذبا للشركات الأجنبية ليس فقط بسبب احتياطيات البلاد البالغة نحو 101.5 مليار برميل، وإنما أيضا بسبب خطط الكويت لاستثمار 9–10 مليارات دولار سنويا في قطاع المنبع ورفع الطاقة الإنتاجية إلى 4 ملايين برميل يوميا في 2035

كما حصلت شركة "كييتا" الإماراتية على ترخيص لاتخاذ الكويت مقرا لها لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، لممارسة أنشطة توصيل طلبات المستهلكين ومعالجة البيانات واستضافة المواقع والتجارة بالجملة والتجزئة، فيما تركز شركة "وانتيان تكنولوجي" على برمجة الحاسوب واستشارات تكنولوجيا المعلومات وإدارة المرافق ضمن الأنشطة المسموح بها للاستثمار المباشر.

تدفق الاستثمار إلى الكويت

تشير بيانات بنك الكويت المركزي إلى أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في الكويت بلغ نحو 5.36 مليار دينار كويتي، أو ما يعادل نحو 17.6 مليار دولار، في نهاية عام 2025، مرتفعا من 5.14 مليار دينار (16.7 مليار دولار) في نهاية 2024، ومن 4.6 مليار دينار (15 مليار دولار) عام 2022. أما تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الكويت خلال عام 2025، فقد بلغت نحو 126.4 مليون دينار كويتي، أي ما يقارب 412 مليون دولار.

أ.ف.ب
حقل الزور النفطي جنوب مدينة الكويت، 29 مايو/أيار 2024

وتتسع قيمة التدفقات الاستثمارية الواردة إلى الكويت عند احتساب الاستثمارات في المحافظ المالية والأوراق المالية، إلى جانب الودائع والقروض وغيرها من أدوات الاستثمار، لتصل إلى نحو 11.8 مليار دينار، أي ما يقارب 38.5 مليار دولار. . ولا شك أن هذه التدفقات لا تزال متواضعة مقارنة بما تستقطبه دول خليجية أخرى، ولا سيما الإمارات والسعودية. فقد بلغت التدفقات الداخلة إلى الكويت 412.4 مليون دولار في 2025، مقابل 48.2 مليار دولار للإمارات وحدها.

جاذبية قطاع النفط

يظل قطاع النفط الكويتي جاذبا للشركات الأجنبية ليس فقط بسبب احتياطيات البلاد البالغة نحو 101.5 مليار برميل، وإنما أيضا بسبب خطط الكويت لاستثمار 9–10 مليارات دولار سنويا في قطاع المنبع ورفع الطاقة الإنتاجية إلى 4 ملايين برميل يوميا في 2035، بما يفتح سوقا واسعة أمام شركات الحفر والهندسة والمعدات والتكنولوجيا.

ومع أن الكويت لا تسمح بالاستثمار الأجنبي الخاص في المنبع النفطي، فإن الشركات العالمية تستطيع الاستفادة من فرص واسعة في الخدمات النفطية والتكنولوجيا والتكرير والبتروكيماويات؛ إذ تشمل المجالات المطروحة الهندسة وإدارة المشاريع والحفر وتقنيات الاستخلاص والرقمنة، فيما تستهدف استراتيجيا مؤسسة البترول الكويتية توسيع إنتاج البتروكيماويات إلى 14.5 مليون طن سنويا في 2040.

 أتاحت الكويت للمستثمرين الأجانب المؤهلين وكبار التنفيذيين في الشركات المرخص لها من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر الحصول على إقامة طويلة الأمد تصل إلى 15 عاما، في خطوة تستهدف تعزيز استقرار الاستثمارات واستقطاب الكفاءات المهنية

وقد أبرمت شركة نفط الكويت (KOC)، التابعة لمؤسسة البترول الكويتية، اتفاقية "مشروع بيرغرين" مع تحالف عالمي يضم "بلاكستون" و"بروكفيلد" و"كاي كاي آر" (KKR)، بقيمة إجمالية تبلغ 16 مليار دولار، تتعلق بحقوق استخدام شبكة أنابيب النفط الخام المحلية وأنابيب التصدير. ويحتفظ الجانب الكويتي بحصة 51 في المئة وبالملكية والسيطرة التشغيلية الكاملة على الشبكة، فيما يمتلك التحالف 49 في المئة من المشروع المشترك.  وتتمثل الاتفاقية في تأجير وإعادة تأجير شبكة أنابيب النفط الخام التابعة لشركة نفط الكويت، التي تضم 13 خط أنابيب يبلغ إجمالي طولها نحو 320 كيلومترا، لمدة 20.5 عاما.

وتوفر الاتفاقية لشركة نفط الكويت سيولة نقدية كبيرة، إذ تحصل على 7.85 مليار دولار مقدما، بما يعزز قدرتها على تمويل احتياجاتها الاستثمارية ومشروعاتها الرأسمالية.

أ.ف.ب
منطقة السالمية الساحلية، الكويت، 23 أبريل/نيسان 2024

وقد لفت عدد من المراقبين إلى أن الاتفاقية بمثابة اتفاقية تمويل طويل الأجل. ويرى البعض أن فتح المجال أمام القطاع الخاص والشركات العالمية للمشاركة في مشروعات النفط يمكن أن يمثل بديلا مناسبا لتوفير التمويل والخبرة والتكنولوجيا. وإذا كان الانفتاح الحالي على الاستثمار الأجنبي في القطاع النفطي يمثل تحولا في الرؤية الاقتصادية للكويت، فإنه يأتي بعد تجربة طويلة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما طرحت الحكومة "مشروع الكويت" لاستقطاب شركات النفط العالمية لتطوير الحقول الشمالية، التي تواجه تحديات فنية وجيولوجية، لكن المشروع اصطدم بمعارضة في مجلس الأمة وخلافات حول الإطار القانوني لشكل المشاركة الأجنبية، وظل متعثرا لسنوات.

هل تصبح الكويت مركزا نشطا للاستثمار؟

تبذل الحكومة الكويتية جهودا لتحقيق انفتاح اقتصادي حقيقي من خلال تعديل القوانين والأنظمة التي سبقت الاشارة اليها. قد تكون هذه المحاولات متأخرة وقد لا تلحق بما تحقق في بلدان مثل الإمارات والسعودية ولكنها تظل جهودا إيجابية متوافقة مع الرؤية الاستراتيجية المعلنة في "رؤية الكويت 2035". وإلى جانب تعديلات قواعد الملكية، أتاحت الكويت للمستثمرين الأجانب المؤهلين وكبار التنفيذيين في الشركات المرخص لها من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر الحصول على إقامة طويلة الأمد تصل إلى 15 عاما، في خطوة تستهدف تعزيز استقرار الاستثمارات واستقطاب الكفاءات المهنية.

ويشترط للاستفادة من النظام، من بين أمور أخرى، ألا تقل قيمة الاستثمار عن 5 ملايين دينار كويتي (16.2 مليون دولار أميركي)، مع استمرار النشاط والتزام متطلبات توظيف المواطنين الكويتيين. ومن أبرز المستفيدين من هذه السياسة رجل الأعمال الهندي يوسف علي، رئيس مجلس إدارة مجموعة "لولو غروب"، وأحد أبرز المستثمرين في قطاع التجزئة في الكويت، إذ منحته الحكومة الكويتية في يوليو/تموز 2026 أول إقامة ذهبية لمدة 15 عاما، في إطار توجهها لاستقطاب المستثمرين وتعزيز بيئة الاستثمار.

وإذا كانت الكويت تمضي فعلا في تحويل هذه الإصلاحات إلى بيئة أعمال أكثر انفتاحا، فإن التحدي المقبل سيكون في ترجمة تدفق رؤوس الأموال والشركات الأجنبية إلى استثمارات منتجة وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا. وعندها فقط يمكن الانفتاح الاستثماري أن يتحول من مجرد زيادة في أعداد المستثمرين والصفقات إلى رافعة لتنويع الاقتصاد وتقليص اعتماده على الدولة والقطاع النفطي.

font change