في منتصف أغسطس/آب 2026، غادرت سفينة الحاويات "دبي تاور" ميناء "نينجبو-تشوشان" الصيني متجهة إلى بريطانيا عبر طريق مختلف جذريا عن المسار المعتاد بين آسيا وأوروبا، فبدلا من الإبحار جنوبا عبر مضيق ملقا والمحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، اتجهت السفينة شمالا صوب مضيق "بيرينج" ثم المياه القطبية المحاذية للساحل الروسي.
تأتي الرحلة ضمن خدمة حاويات موسمية منتظمة أطلقتها شركة "سي ليجند" عبر طريق البحر الشمالي، مع تقديرات بوصول الرحلة إلى ميناء "فيليكسستو" البريطاني في نحو 20 يوما في الظروف المناسبة. لكن أهمية الرحلة تتجاوز توفير الوقت، فهي تكشف كيف بدأ الاحترار العالمي يحول تغيرا مناخيا في منطقة بعيدة إلى عامل يعيد تشكيل طرق التجارة ونقاط الاختناق البحرية في العالم.
يتغطى المحيط المتجمد الشمالي بجليد بحري يتكون عندما تتجمد مياه المحيط، وتزداد مساحة هذا الجليد خلال الشتاء، وتصل عادة إلى ذروتها في مارس/آذار، ثم تتراجع خلال الربيع والصيف حتى تبلغ أدنى مستوياتها في سبتمبر/أيلول. هذه الدورة الطبيعية ظلت آلاف الأعوام، لكن الاحترار العالمي جعل الجليد الصيفي يتراجع على المدى الطويل، كما جعل جزءا كبيرا من الجليد المتبقي أصغر عمرا وأقل سمكا.
التضخيم القطبي
تزداد حساسية القطب الشمالي لأن المنطقة تسخن أسرع بكثير من المتوسط العالمي، في ظاهرة تعرف باسم التضخيم القطبي. وتشير الدراسات إلى أن القطب الشمالي شهد خلال العقود الأخيرة احترارا يقارب أربعة أمثال المتوسط العالمي، وهو ما يغير طبيعة سطح المحيط من منطقة يغطيها الجليد معظم الوقت إلى مساحة تتسع فيها المياه المفتوحة خلال الصيف.
يرجع جزء من هذا التسارع إلى حلقة تغذية راجعة بسيطة لكنها شديدة القوة، فالجليد الأبيض يعكس نسبة كبيرة من أشعة الشمس إلى الفضاء، بينما تمتص مياه المحيط الداكنة قدرا أكبر من الطاقة. وعندما يذوب الجليد تنكشف مساحة أكبر من المياه، فتمتص حرارة إضافية، مما يزيد دفء المحيط ويجعل تكوين الجليد الجديد أكثر صعوبة.
ومع تكرار العملية عاما بعد آخر، يصبح الغطاء الجليدي أرق وأكثر هشاشة، وتشير بيانات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي إلى أن أقدم أنواع الجليد البحري، الذي كان يبقى لسنوات ويتسم بسمك كبير، تراجع بشدة، مقارنة بثمانينيات القرن الماضي. وهذا النوع من التغير هو الأكثر أهمية للملاحة، لأن السفن تستطيع التعامل مع الجليد الرقيق والمتقطع بدرجة أسهل كثيرا من كتل الجليد القديمة والسميكة.


