خطاب "العشرية السوداء" في الجزائر بثوب افتراضي... لماذا يعود الآن؟

من الجبال إلى الشاشات... استقطاب يوقظ جراح الهوية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
تردّد نساء جزائريات شعارات خلال احتجاج مناهض للحكومة في العاصمة الجزائر في إطار عودة حراك الاحتجاج إلى الشوارع في في 8 مارس 2021

خطاب "العشرية السوداء" في الجزائر بثوب افتراضي... لماذا يعود الآن؟

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا إلى حلبة صراع فكري محتدم، أعادت إلى الواجهة السجال المتكرر بين التيارين المتدين والعلماني حول مسألة الاحتشام واللباس العام. ولم يعد هذا النقاش الرقمي مجرد اختلاف بسيط في وجهات النظر، بل اتخذ أبعادا تصادمية حادة، وهي ذات النبرة المشحونة التي شكلت في الماضي نقطة الانطلاق والشرارة الأولى التي دخلت من خلالها البلاد في متاهات العُشرية السوداء (فترة صراع مسلح دامٍ وعنيف شهدته البلاد استمر طيلة عقد كامل من الزمن، تقريبا بين عامي 1992 و2002).

وتتجسد معالم هذا الاستقطاب الحاد اليوم في مواجهة افتراضية حادة تقسم الفضاء الرقمي. إذ يقود تيار محافظ حملات رقمية واسعة تطالب بفرض معايير الاحتشام وتشديد الرقابة على المظهر العام، بمبرر حماية الآداب العامة والمنظومة القيمية للمجتمع. وعلى الصعيد الآخر، تتشكل جبهة تضم نساء وناشطات يرفضن رفضا قاطعا ما يصفنه بـ"الوصاية الأخلاقية" ومساعي تضييق الخناق على الحريات الفردية. وبين هذين التيارين ثمة من يستحضر سنوات "الدم والدموع" من خلال عرض تسجيلات مرئية وذكر أسماء من طالتهم يد الغدر في تلك الحقبة السوداء.

ويضعنا هذا الخطاب المتشدد أمام تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام مجرد نقاش عابر حول المظهر العام، أم إن المجتمع يواجه من جديد أسئلة الهوية والتعايش المؤجلة منذ عقود؟ وكيف يمكن اليوم كسر هذه الحلقة المفزعة من الاستقطاب قبل أن تتحول النقاشات الافتراضية إلى انقسامات تهدد الاستقرار الجماعي؟

من الجبال إلى شاشات الاستقطاب

وفي قراءة سياسية لافتة تعكس بواعث القلق من تنامي الاستقطاب الرقمي، استهل الدكتور لخضر أمقران، رئيس "حزب جيل جديد" حديثه إلى "المجلة" بالتأكيد الجازم على مناعة الدولة والوعي الجماعي للبلاد، معتبرا أن "جزائر 2026 ليست بأي حال من الأحوال جزائر سنوات التسعينات، فدولتنا اليوم أصبحت أقوى، ومجتمعنا تغير بشكل عميق، كما أن شعبنا دفع ثمنا باهظا جدا خلال تلك الحقبة"، غير أن المتحدث استطرد ليبدي مخاوف وتوجسا قلقا من بعض المؤشرات الراهنة.

شترستوك
أيدي رجل تلتقط صورة بالهاتف لعلم الجزائر

محذرا من أنه "إذا كانت البلاد قد تجاوزت خطر السقوط في مستنقع التسعينات، فإن الآليات المؤدية للانقسام بدأت تطل برأسها من جديد بأشكال مستحدثة تتغذى على التطرف في الخطاب، ومساعي تحويل الآخر إلى عدو، ورفض حق الاختلاف، وصولا إلى تقاذف اتهامات الخيانة والصدامات الهوياتية غير المؤسسة".

ونبه رئيس الحزب إلى "خطورة انتقال هذه المواجهة من الجبال إلى شاشات الهواتف والمنصات الافتراضية، حيث باتت تدور فلك التعليقات، والمنشورات والحملات الرقمية الممنهجة والتي أصبحت تضع جزائريين في مواجهة جزائريين آخرين بعنف لفظي غير مسبوق يستدعي وقفة تأمل جماعية للحد من تداعيات ما وصفها بـ"الحرب التي بلا أسلحة، ولكنها ليست أبدا بلا عواقب على تماسك النسيج المجتمعي".

استقطاب حاد في الفضاء الرقمي بين تيار محافظ يطالب بفرض الاحتشام حماية للآداب، ونساء وناشطات يرفضن "الوصاية الأخلاقية"، ومن يستحضر سنوات "الدم والدموع" في حقبة "العشرية السوداء"

ولفهم أبعاد هذا التحذير، لا بد من العودة بالذاكرة إلى تلك الحقبة المأساوية التي عرفت في الوجدان الجزائري بأسماء وتسميات عديدة اختزلت حجم الألم، تأتي في مقدمتها "العشرية السوداء"، و"سنوات الدم والدموع"، و"المأساة الوطنية". وفي تلك الفترة، وتحديدا في تسعينات القرن الماضي، لم تكن منصات التواصل الاجتماعي قد ولدت بعد بل كانت الأزمة الكبرى تخاض تفاصيلها الدموية في قمم الجبال ومخابئها، والغابات العميقة، والمداشر والقرى المعزولة التي تحولت إلى معاقل ومسرح للمواجهات المسلحة.

وقد خلفت تلك السنوات خسائر بشرية ونفسية واجتماعية مروعة، لا زالت جراحها العميقة حاضرة وبقوة في وعي ومخيلة كثير من الجزائريين، حتى وإن اختلفت اليوم طريقة استحضارها وتمثلها بين جيلين، جيل عاصر ويلاتها وعاش تفاصيل أحداثها الدموية دقيقة بدقيقة، وجيل آخر جديد ولد في أحضان الألفية الثالثة أو أثناء اللحظات الأخيرة للأزمة، فلم يتعرف على تلك الحقبة إلا من خلال الروايات الشفوية، ووسائل الإعلام، وبعض الشهادات الحية التي يرويها الآباء.

صراع الهوية

ومع انتقال الصدام من المجال الميداني القديم إلى الفضاء الافتراضي، يتضح جليا أن طبيعة النقاش وعمقه في الوقت الراهن لا يتعلقان بمسائل هامشية فالخلافات الحالية حول المظهر واللباس ليست سطحية أو عابرة كما تبدو في ظاهرها.

أ.ف.ب
تلتقط نساء صوراً في ساحة بمدينة وهران الجزائرية قبيل انتخابات رئاسية سابقة في 5 سبتمبر 2024

ويقول في هذا السياق رئيس "جبهة الحكم الراشد" في الجزائر، عيسى بلهادي، في حديثه إلى "المجلة" إن "مثل هكذا نقاشات، والتي تبدو في ظاهرها اجتماعية أو ثقافية تكشف في العمق عن أسئلة أوسع تتعلق بالهوية، والمرجعية، والحريات الفردية، وحدود الاختلاف وطبيعة التعايش داخل المجتمع".

واستطرد المتحدث محذرا من منزلقات الذاكرة، مشيرا إلى أن "الجزائر دفعت ثمنا باهظا عندما تحولت الاختلافات السياسية والفكرية والاجتماعية إلى استقطاب حاد، ولذلك فإن استحضار أطروحات سنوات التسعينات خارج سياقها التاريخي لا يخدم المجتمع وإنما قد يساهم في إنتاج مناخ التوتر والخوف".

والمشكلة في نظره ليست في جوهر التباين الفكري بل في غياب آليات الحوار الحضاري، ويرى أن "الأفكار المتنوعة تغني المجتمع، ولكن الأزمة الحقيقية تبدأ وتتفاقم عندما يتحول هذا الاختلاف الطبيعي إلى أدوات إقصاء وتخوين وتكفير، وتصنيف للناس على أساس المظهر أو القناعة أو الانتماء وعندما تصبح مواقع التواصل الاجتماعي فضاء مشحونا لإطلاق الأحكام الجاهزة بدل أن تكون فضاء للحوار المسؤول الذي يضمن التعايش السلمي".

بين مطرقة الضبط القانوني وسندان الوعي

وأمام هذا الواقع المشحون، يبرز السؤال الجوهري والملح: كيف يمكن التعامل مع هذه الظاهرة والحد من تداعياتها الخطيرة؟

يتأرجح النقاش العام حول معالجة هذا الاستقطاب بين خيارين أساسيين يتمثل الأول في سن قوانين صارمة وحازمة للحد من الفوضى الرقمية وتجريم التحريض وخطاب الكراهية وحماية الحياة الخاصة، ويقول في هذا السياق رئيس "جبهة الحكم الراشد"، عيسى بلهادي إنه "لا يمكن لأي دولة مهما بلغت درجة انفتاحها، أن تترك الفضاء الرقمي دون أي إطار قانوني ينظم استعماله، خصوصا حين يتحول هذا الفضاء إلى أداة للتحريض، أو نشر خطاب الكراهية، أو المساس بكرامة الأفراد وخصوصياتهم". وأوضح أن "هذا الضبط ليس  تقييدا للحرية، بل هو صون لها؛ لأن الحرية دون مسؤولية تتحول إلى فوضى تضرب الجميع، بمن فيهم أصحاب الرأي الحر أنفسهم".

"ما يبدو نقاشا اجتماعيا يكشف في العمق أسئلة الهوية والحريات والتعايش، وقد يستحضر أطروحات التسعينات خارج سياقها ما ينتج مناخ التوتر والخوف"..عيسى بلهادي، رئيس جبهة الحكم الراشد، لـ"المجلة"

ولكن من جهة أخرى، يشترط رئيس الحزب أن أي تشريع في هذا المجال "يجب أن يخضع لضوابط دقيقة تمنع تحوله إلى أداة لتكميم الأفواه أو ملاحقة الرأي المخالف تحت غطاء الضبط أو الحفاظ على النظام العام"، مستشهدا بالتجربة التاريخية التي تظهر أن النصوص الفضفاضة غالبا ما تستغل لأغراض بعيدة عن أهدافها المعلنة. ومن هذا المنطلق، يدعو بلهادي إلى تنظيم قانوني يقوم على معايير واضحة تفصل بدقة بين النقد والتجريح، وبين الاختلاف والإساءة، تحت رقابة قضائية مستقلة.

وانطلاقا من هذه المقاربة المتوازنة التي تجمع بين قوة القانون ونضج المجتمع، يشدد بلهادي على أن الاختلاف في الرأي، أو اللباس، أو القناعة الشخصية، لا يشكل أبدا تهديدا للوطن، بل هو الدليل القاطع على حيويته وتعدديته؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في التنوع، وإنما في محاولة البعض تحويل هذا التنوع إلى ساحة صراع مفتوحة، واستسهال إصدار أحكام معلبة على الآخرين دون معرفة حقيقية بظروفهم وخلفياتهم. كما خص الشباب بتوجيه مباشر يدعوهم فيه إلى عدم السماح لضجيج الفضاء الرقمي بأن يصنع لهم عدوا وهميا من إخوتهم في الوطن.

أ.ف.ب
يمرّ أشخاص أمام جدارية للمطرب الجزائري الراحل الحاج أحمد العنقا الشهير بأغانيه التقليدية من مطلع القرن العشرين في العاصمة الجزائر في 15 سبتمبر 2024

ليخلص في نهاية حديثه بيقين ثابت إلى أن "الجزائر، بتنوعها وتعدد أطيافها، ليست عبئا يجب التخلص منه، بل هي ثروة وطنية كبرى يجب إحسان إدارتها واستثمارها، معربا عن ثقته التامة في أن الشعب الجزائري، الذي أثبت عبر محطات تاريخه وقوفه شامخا وقدرته على تجاوز أصعب المحن، قادر اليوم أيضا على تحويل هذا النقاش الرقمي الحاد إلى فرصة للنضج الجماعي التاريخي لا إلى بداية أزمة جديدة".

font change