لم تكن الرسائل السياسية التي بعث بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من برلين مجرد "مناورة بروتوكولية"، بل هي جزء من رؤية أشمل تهدف إلى فرز جبهة المعارضة الخارجية وعزل الجناح الانفصالي عن حاضنته الحقوقية والسياسية في أوروبا، وتزامن هذا التحرك الخارجي مع إجهاض الأجهزة الأمنية لمخططات تخريبية تابعة لتنظيم "الماك" في عمق منطقة القبائل. ويضعنا هذا المشهد أمام فصل جديد من فصول كبح المد الانفصالي إذ يتجاوز الأساليب الردعية التقليدية ليركز على خنق الأطروحات الفكرية والدعم الدبلوماسي من خلال منصات عالمية وازنة.
أحدثت المحطة الدبلوماسية الأخيرة للرئيس عبد المجيد تبون في برلين تحولا لافتا في التعاطي مع ملف الجالية والمعارضة في الخارج رغم أن هذه الخطوة لا تعتبر الأولى من نوعها إذ سبقتها مجموعة من الآليات القانونية والإدارية الواردة ضمن ما يعرف بـ"مشروع التسوية والعفو"، حيث تضمنت تصريحاته رسائل سياسية مكثفة تخطت بكثير التهدئة البروتوكولية إلى ملامسة عمق الاستراتيجية الأمنية للبلاد، خاصة حينما توجه إلى الناشطين بالقول إن "المعارضين مرحب بهم بالجزائر". وأضاف: "قلت مرات عدة في مداخلاتي بالتلفزيون وأكررها اليوم أمامكم إن كل جزائري لديه الحق في الانتقاد، لكن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تقاليدنا وحرمتنا"، وبالرغم من أن الطرح الوارد في التصريحات اتسم بمرونة واضحة وفتح قنوات الحوار المشروط مع التيارات التي نأت بنفسها عن مساعي التقويض أو الفوضى ولم تحد عن الأطر القانونية والشرعية، غير أنه وضع خطا فاصلا لا رجعة فيه مع التيارات الراديكالية ودعاة الانفصال، مستبعدا إياهم تماما من هذه المبادرة عبر تأكيده الصارم أن "التجريح والسب والشتم لا يأتي إلا بالكراهية والعنف".
وتأتي هذه الخطوة امتدادا لنداء سابق أطلقه الرئيس الجزائري صوب النشطاء في الخارج، إذ جرى تحويل هذا التحرك ليتخذ صيغة عمل هيكلية بوصفه مشروعا للتسوية يقضي بتقنين وتسوية ملفات هؤلاء الفاعلين في المهجر المستهدفين بتدابير قضائية أو إدارية، وهو الإجراء الذي أفصحت عنه رئاسة الجمهورية في 11 يناير/كانون الثاني الماضي بالتوافق التام بين كل مؤسسات الجمهورية، وشمل القرار أيضا الشباب ممن لديهم بعض المشكلات القضائية ذات العلاقة بالحق العام، واستثني منه المتورطون في قضايا جرائم إراقة الدماء، والمخدرات، وتجارة الأسلحة، وكل من تعاون مع الأجهزة الأمنية الأجنبية بغرض المساس بأمن البلاد.

